ultracheck
منوعات

حرائق جيجل تفتح نقاشًا حول تربية الماعز في الجزائر.. ما القصة؟

30 أغسطس 2026
تربية الماعز
تربية الماعز في الجزائر
 بلقاسم بوبكر
بلقاسم بوبكر صحفي من الجزائر

بعد الحرائق المدمرة التي شهدتها ولاية جيجل، وما خلّفته من خسائر ومشاهد مؤلمة أعادت إلى الواجهة هشاشة المناطق الغابية أمام النيران، يعود نقاش قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، هل يمكن أن تصبح تربية الماعز جزءًا من استراتيجية الوقاية من حرائق الغابات في الجزائر؟ سؤال يقود مباشرة إلى ذاكرة القرى والمناطق الجبلية، حيث كانت قطعان الماعز جزءًا من المشهد اليومي، قبل أن تتغير أنماط العيش ويهجر كثير من السكان الأرياف والجبال.

في عدد من الدول المتوسطية، أصبح الرعي جزءًا من برامج إدارة الغابات والوقاية من الحرائق، بينما تحول في الولايات المتحدة إلى نشاط اقتصادي متخصص يعرف باسم "الرعي الموجّه"

في الماضي، لم يكن سكان القرى يتحدثون عن "إدارة الغطاء النباتي" أو "الوقود النباتي للحرائق"، لكنهم كانوا يمارسون ذلك عمليًا من خلال نمط حياتهم اليومي. كانت قطعان الماعز تجوب المرتفعات والمسالك المحيطة بالقرى، تتغذى على الأعشاب والشجيرات والديس والحلفاء والنباتات البرية المختلفة، وتصل إلى أماكن وعرة لا يمكن للإنسان أو الآلات الوصول إليها بسهولة. ومع حلول فصل الصيف، كانت مساحات واسعة من الأعشاب اليابسة قد اختفت بفعل الرعي المستمر، ما يقلل من كمية المواد القابلة للاشتعال التي تجدها النار في طريقها.

المعزة تحديدًا تمتلك قدرة خاصة على التكيف مع البيئات الجبلية القاسية. فهي لا تكتفي بالأعشاب الطرية، بل تتغذى على الشجيرات والنباتات الخشبية الصغيرة، وتستطيع بفضل شكل فمها الضيق ولسانها وشفتيها الوصول إلى النباتات بين الأغصان والصخور. كما يمكنها الوقوف على قوائمها الخلفية للرعي على ارتفاع يصل إلى نحو مترين، وهي قادرة على استهلاك بعض النباتات التي لا تقبل عليها حيوانات رعوية أخرى. 

لم يكن أحد في قرى الجزائر ينظر إلى هذا السلوك باعتباره "استراتيجية لمكافحة الحرائق"، لكنه يؤدي عمليًا وظيفة تشبه ما تسميه الدراسات الحديثة "تقليل الحمولة الوقودية"، أي خفض كمية الأعشاب والشجيرات والأغصان الجافة التي يمكن أن تتحول خلال الصيف إلى وقود سريع الاشتعال.

لكن هذا المشهد تغير تدريجيًا. هاجر السكان نحو المدن، وتراجعت تربية المواشي في مناطق جبلية عديدة، وفرغت الزرائب وغاب صوت الحوافر عن المسالك القديمة.

 وفي المقابل، بدأت الأعشاب والشجيرات تنمو وتتراكم في أراض لم تعد تُرعى أو تُستغل كما في السابق. ومع ارتفاع درجات الحرارة وموجات الجفاف، تتحول هذه الكتلة النباتية إلى ما يشبه فتيلًا طويلًا يصل بين الغابة والقرى، إذ تكفي شرارة صغيرة لتجد أمامها وقودًا متواصلًا يساعدها على الانتشار بسرعة.

المفارقة أن العالم، بعد عقود من الاعتماد على الآلات والمبيدات وعمليات التنظيف اليدوي، بدأ يعود إلى فكرة يعرفها سكان الريف منذ قرون.

 ففي عدد من الدول المتوسطية، أصبح الرعي جزءًا من برامج إدارة الغابات والوقاية من الحرائق، بينما تحول في الولايات المتحدة إلى نشاط اقتصادي متخصص يعرف باسم "الرعي الموجّه" أو Targeted Grazing.

في كاليفورنيا، إحدى أكثر المناطق الأمريكية تعرضًا لحرائق الغابات، لم تعد الماعز مجرد حيوان يعيش في المزارع، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية الوقاية. شركات متخصصة تؤجر قطعانها للبلديات والمدارس وملاك الأراضي من أجل تنظيف التلال والمنحدرات والمناطق الوعرة التي يصعب الوصول إليها بالآلات.

 الرعي العشوائي والمفرط يمكن أن يتحول إلى مشكلة بيئية في حد ذاته، بسبب تأثيره على النباتات الأصلية والتربة والتنوع البيولوجي. فالماعز لا تميز بين النباتات المحلية والأنواع الغازية، ولذلك يحتاج استخدامها إلى خرائط دقيقة، وتحديد لعدد الحيوانات وفترات الرعي والمناطق المستهدفة

إحدى هذه الشركات، "Fire Grazers"، تمتلك مئات رؤوس الماعز وتؤجرها لجهات مختلفة من أجل إزالة الشجيرات والأعشاب القابلة للاشتعال. ومع تزايد الحرائق، ارتفع الطلب على هذه الخدمة إلى درجة دفعت بعض الشركات إلى توسيع قطعانها لمواكبة السوق.

وتكمن ميزة الماعز في أنها لا تحتاج إلى طرق أو مساحات مستوية للعمل. فهي متسلقة طبيعية، تستطيع الوصول إلى المنحدرات الشديدة والتوغل بين الصخور والشجيرات، حيث قد يصبح إرسال العمال أو الآلات مكلفًا وخطيرًا. كما أنها تواصل الرعي في درجات حرارة مرتفعة، بينما تلتهم الأعشاب الجافة والأوراق المتساقطة والشجيرات التي تشكل الوقود الرئيسي لانتشار النيران.

في مدينة غلينديل التابعة لمقاطعة لوس أنجلوس، جرى استخدام نحو 300 رأس من الماعز لتنظيف مساحة تقارب 5.6 هكتارات في منطقة جبلية مصنفة ضمن المناطق ذات الخطر المرتفع للحرائق. وكان الهدف إنشاء منطقة عازلة بين المنازل والمساحات الطبيعية المفتوحة، بحيث تجد النار وقودًا أقل كلما اقتربت من التجمعات السكنية.

وفي مدينة ويست ساكرامنتو، تستخدم قطعان الماعز منذ سنوات ضمن برنامج للوقاية من الحرائق. تزور القطعان المدينة مرتين سنويًا؛ في الربيع لإزالة النباتات التي نمت خلال موسم الأمطار، ثم في الخريف للتعامل مع الشجيرات والأعشاب التي جفت خلال الصيف. ولم تعد التجربة مجرد فكرة بيئية، إذ إن فرق الإطفاء نسبت للقطعان دورًا في المساعدة على الحد من انتشار حريق وقع في المنطقة، بعدما كانت الماعز قد خفضت الأعشاب والشجيرات في مساره.

وتشير تجارب أخرى إلى أن الرعي يمكن أن يكون أكثر جدوى من بعض وسائل التنظيف التقليدية في المناطق الوعرة. ففي إحدى التجارب التي أجريت جنوب كاليفورنيا، استُخدم نحو 1400 رأس من الماعز في مشروع لتخفيف الغطاء النباتي وإنشاء منطقة فاصلة بين الغابة والتجمعات السكنية. وأظهرت متابعة المشروع انخفاضًا كبيرًا في كثافة الغطاء النباتي بعد مرور القطعان، فيما كانت تكلفة العملية أقل من الاعتماد الكامل على العمال والآلات.

لكن أهمية هذه التجارب لا تكمن في تحويل الماعز إلى "بطل خارق" لمكافحة الحرائق. فحتى الخبراء الذين يدافعون عن الرعي الموجّه يؤكدون أنه ليس حلًا وحيدًا، بل أداة إضافية ضمن منظومة أوسع تشمل فتح المسالك، وصيانة الحواجز النارية، والمراقبة المبكرة، والتدخل السريع، وإدارة الغطاء النباتي.

كما أن الرعي العشوائي والمفرط يمكن أن يتحول إلى مشكلة بيئية في حد ذاته، بسبب تأثيره على النباتات الأصلية والتربة والتنوع البيولوجي. فالماعز لا تميز بين النباتات المحلية والأنواع الغازية، ولذلك يحتاج استخدامها إلى خرائط دقيقة، وتحديد لعدد الحيوانات وفترات الرعي والمناطق المستهدفة.

وهنا تحديدًا يصبح السؤال الذي تفتحه حرائق جيجل أكثر أهمية، هل يمكن للجزائر تطوير نموذج خاص بها للرعي الوقائي؟ فالبلاد تملك مساحات جبلية وغابية واسعة، وتملك أيضًا تاريخًا طويلًا في تربية الماعز، خاصة في المناطق الريفية والوعرة التي يصعب الوصول إليها بالوسائل الميكانيكية.

 

 

بدل النظر إلى تربية الماعز باعتبارها مجرد نشاط فلاحي تقليدي، يمكن التفكير فيها ضمن مقاربة أوسع تجمع بين الاقتصاد الريفي وحماية البيئة. يمكن، مثلًا، إنشاء برامج للرعي الوقائي في محيط الغابات والقرى والمناطق المصنفة عالية الخطورة، مع منح المربين مساحات محددة للرعي وفق خطط علمية تضمن حماية الغطاء النباتي.

بهذه الطريقة، يمكن أن يتحول المربي إلى شريك في الوقاية من الحرائق، وأن تصبح تربية الماعز نشاطًا يؤدي وظيفة اقتصادية وبيئية في الوقت نفسه. فالقطيع الذي يوفر الحليب واللحم يمكنه، في الوقت ذاته، أن يساهم في إزالة جزء من الوقود النباتي الذي قد يحول شرارة صغيرة إلى كارثة.

بعد حرائق جيجل، ربما يجب ألا يقتصر النقاش على عدد الطائرات التي نحتاج إليها عندما تشتعل الغابات، ولا على حجم الإمكانيات التي تُسخّر بعد وصول الكارثة. فالسؤال الأهم يبدأ قبل ذلك بكثير، كيف نمنع تراكم الوقود الذي يجعل النار قادرة على الانتشار بهذا الحجم؟

قد لا تكون الماعز الحل السحري، ولن تحل محل طائرات الإطفاء أو فرق الحماية المدنية أو أنظمة الإنذار المبكر، لكنها قد تكون جزءًا من "صندوق أدوات" جديد لمواجهة الحرائق، يجمع بين التكنولوجيا الحديثة والمعرفة العلمية وحلول بسيطة عرفتها المجتمعات الريفية منذ زمن طويل.

والمفارقة أن العالم الذي يبحث اليوم عن أحدث التقنيات لحماية غاباته، عاد في كثير من المناطق إلى فكرة قديمة جدًا، الغابة التي تُرعى وتُعتنى بها باستمرار، قد تكون أقل قابلية للتحول إلى برميل بارود.

ربما لم تكن المعزة، في ذاكرة الدوار الجزائري، مجرد مصدر للحليب واللحم. وربما كانت، من دون أن يمنحها أحد هذه الصفة، أحد حرّاس الغابة الأوائل.

الكلمات المفتاحية

محمد غرينية

محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟

في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.


حذاء ستان سميث أكتوبر 1988

كيف أصبح حذاء "ستان سميث" رمزًا لأحداث أكتوبر 1988 في الجزائر؟

لم يكن "ستان سميث" سببًا في أكتوبر، ولم يكن رمزًا سياسيًا في لحظة ظهوره الأولى. لكنه صار لاحقًا أحد الأشياء الصغيرة التي تساعد الجزائريين على تذكّر حدث كبير


أدولفو كامينسكي

أدولفو كامينسكي.. "المُزوِّر الشّريف" في خدمة الثّورة الجزائرية

كثيرًا ما كانت المعارك الهادئة تُحسمُ بعيدًا عن جبهات القتال والأسلحة، ومن داخل الورشات السرية، خاض أمثال أدولفو كامينسكي  حروبهم الخاصّة والمُتفرّدة ضدّ الظّلم والاستعمار. فلم يكونوا بحاجةٍ لإشهار الأسلحة بغية المشاركة في النّضال.


تنزروفت

تنزروفت.. لماذا اختيرت "صحراء الرعب" لاحتضان سجن بارونات المخدرات في الجزائر؟

لم يكن اختيار صحراء "تنزروفت"، إحدى أكثر المناطق عزلة وقسوة في الجزائر، لاحتضان سجن مخصص لبارونات المخدرات قرارًا عابرًا، فالمنطقة التي يطلق عليها كثيرون اسم "أرض الرعب" و"صحراء العطش" تمتلك طبيعة جغرافية ومناخية استثنائية، جعلت منها على مر السنين واحدة من أكثر بقاع الصحراء الكبرى رهبة وصعوبة في الوصول.

أمطار
أخبار

أمطار رعدية وبرد في عدة مناطق.. أين ستصل الحرارة إلى 39 درجة؟

تترقب عدة مناطق من الوطن، اليوم الجمعة، استمرار تساقط الأمطار الرعدية، خاصة بالمناطق الجنوبية والهضاب العليا الغربية، مع توقع تسجيل درجات حرارة قصوى تصل إلى 39 درجة ببرج باجي مختار وإن قزام، مقابل تراجع ملحوظ للحرارة ببعض مناطق الهضاب الغربية.

توغاي
رياضة

لم يتصل به أحد.. هل خرج توغاي نهائيًا من حسابات "الخضر"؟

يتسائل البعض عن سبب هذا التجاهل الذي يعيشه المدافع السابق للترجي التونسي، الذي يؤكد فرضية خروجه  من حسابات الناخب الوطني ابراهيم حمداني، ليظل غيابه مستمرا عن صفوف "الخضر" منذ نهائيات المونديال الماضي


فرنسوا ماسبيرو
ثقافة وفنون

فرنسوا ماسبيرو.. النّاشر الفرنسيّ الّذي حوّل الكتاب إلى مِنبر للثّورة الجزائرية

يحتل فرانسوا ماسبيرو  (1927-2015) موقعًا مُتفرّدًا في الأحاديث الفكرية لباريس الّتي نشطت النّصف الثّاني من القرن العشرين. فلم يكن هذا الرّجل من مُنظّري الاستشراق ولا من أكاديميي الضّفة اليسرى، ولا كان من تجّار النّشر التّنفيذيين في المؤسسات الكبرى، لكنّه في الواقع، كان من بين صُنّاع قطيعةٍ إبستمولوجيةٍ وسياسيةٍ نادرة في تاريخ النّشر الفرنسي.

النفط في الجزائر
اقتصاد

إنتاج النفط الجزائري يتجاوز مليون برميل يوميًا.. ماذا تكشف الأرقام؟

ويتزامن هذا التطور مع توجه تحالف أوبك+ نحو إنهاء التخفيضات الطوعية الإضافية في الإنتاج، التي بلغت 1.65 مليون برميل يوميًا، بنهاية سبتمبر 2026، بعدما كان مقررًا في البداية إنهاؤها بنهاية العام.

الأكثر قراءة

1
أخبار

تطورات جديدة في قضية رؤساء "الفاف" السابقين.. ماذا التمست النيابة؟


2
سياسة

عريضة في فرنسا بشأن مجزرة 17 أكتوبر ضد الجزائريين.. ما أبرز مطالبها؟


3
أخبار

الحكم على عبد الحكيم بطاش بـ4 سنوات سجنًا.. ما القصة؟


4
سياسة

برلمانية فرنسية تطالب باعتبار مجازر 17 أكتوبر 1961 في باريس "جريمة دولة"


5
أخبار

عائلة كريستوف غليز تكشف تفاصيل جديدة عن سجنه في الجزائر وتراهن على العفو الرئاسي