حوار| البروفيسور جعفر رشيد: الكحل والحنّة مصادر تسمم خفيّة في المنازل الجزائرية
1 ديسمبر 2025
شهدت الجزائر خلال الأيام الأخيرة صدمة مجتمعية واسعة عقب حادثتين خطيرتين أعادتا فتح النقاش حول المخاطر المتصاعدة للممارسات التقليدية غير المؤطَّرة طبيًا.
يتحدث البروفيسور جعفر رشيد، رئيس مصلحة علم السموم بالمستشفى الجامعي عنابة، في حوار لــ"الترا جزائر" عن خطورة الممارسات التقليدية غير المدروسة، والتي تُستعمل فيها مواد قد تحتوي على مركّبات سامة تُشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة.
الأولى تمثّلت في وفاة شابة في الجلفة بعد خضوعها لعلاج شعبي لدى العجوز المعروفة باسم "عوالي". يقوم هذا العلاج على استعمال البخار الساخن للتدليك، غير أن الضحية كانت تعاني من ربو حاد، ما جعل هذا الأسلوب خطيرًا على وضعها الصحي وأدى في النهاية إلى وفاتها.
ورغم مرور سنتين على وقوع الحادثة، عادت القصة بقوة إلى الواجهة بعد أن تقدّم أهل الضحية بشكوى، لتنتشر مجددًا على مواقع التواصل الاجتماعي وتثير موجة واسعة من الجدل والغضب حول مخاطر "العلاج التقليدي" غير المؤطَّر وأثره على الصحة العامة.
أما الحادثة الثانية فتعلّقت بوفاة رضيع إثر تسمم حاد بالكحل التقليدي الملوث بالرصاص، وفق بيان رسمي صادر عن مصلحة علم السموم بمستشفى باب الواد.
وأوضح البيان تسجيل حالات تسمم خطيرة ناتجة عن استعمال هذا النوع من الكحل الذي تُقبل عليه بعض العائلات بدافع العادات المتوارثة أو الاعتقاد الخاطئ بقدرته على تقوية البصر وحماية العين.
جعفر رشيد: خطورة استعمال الكحل تختلف باختلاف العادات من منطقة إلى أخرى. ففي عنابة، لم تُسجَّل أي حالات تسمم مرتبطة بابتلاع الكحل، إذ لا تُمارس هذه العادة أصلًا، بخلاف ولايات أخرى تضم تركيبات سكانية متنوعة وتقاليد متباينة
غير أن التحاليل المخبرية أظهرت احتواءه على نسب مرتفعة من الرصاص، وهو معدن سام يسبب حتى بكميات صغيرة اضطرابات عصبية خطيرة لدى الرضع، وقد يؤدي إلى توقف التنفس والوفاة في الحالات الحادة.
هاتان الواقعتان تكشفان هشاشة الوعي الصحي، وتبرز بشكل مقلق استمرار لجوء بعض الأسر إلى وسائل قديمة وغير مضمونة عوض الرعاية الطبية المبنية على العلم.
في هذا السياق، يتحدث البروفيسور جعفر رشيد، رئيس مصلحة علم السموم بالمستشفى الجامعي عنابة، في حوار لــ"الترا جزائر" عن خطورة الممارسات التقليدية غير المدروسة، والتي تُستعمل فيها مواد قد تحتوي على مركّبات سامة تُشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة.
ما هي المواد المستعملة بطريقة عشوائية وتتسبب في تسممات؟
نوعية المواد الخطيرة تختلف من منطقة إلى أخرى وفقًا للعادات والتقاليد المحلية، إلا أنّ القاسم المشترك بينها أنها تُحضَّر وتُستعمل بطريقة غير خاضعة للرقابة.
وتشير معطيات مصلحة التسممات بعنابة إلى أن أخطر هذه المواد هي مستحضرات التجميل التقليدية أو منزلية الصنع، والتي تُباع بشكل واسع رغم غياب أي اعتماد قانوني أو مراقبة صحية.
وغالبًا ما يُعدّها أشخاص لا يمتلكون أي تكوين في المجال، ما يجعل تركيبتها مجهولة وغير آمنة.
ومن أبرز الأمثلة الكحل التقليدي المحتوي على نسب مرتفعة من الرصاص أو الكوبالت، إضافة إلى الحنّة و"الحرقوس" اللذين قد يحتويان أيضًا على الرصاص. كما تُضاف مواد شديدة الضرر بهدف تغيير اللون أو تغميقه، مثل ما يسمى بـ"الحجرة السوداء" المستعملة في خلطات صبغ الشعر، ما يزيد من خطورة هذه المستحضرات على صحة المستهلكين.
هل تختلف خطورة استعمال الكحل في الجزائر؟
خطورة استعمال الكحل تختلف باختلاف العادات من منطقة إلى أخرى. ففي عنابة، لم تُسجَّل أي حالات تسمم مرتبطة بابتلاع الكحل، إذ لا تُمارس هذه العادة أصلًا، بخلاف ولايات أخرى تضم تركيبات سكانية متنوعة وتقاليد متباينة. ومع ذلك، يبقى الاستعمال الموضعي للكحل على عين الرضيع ممارسة خطيرة، لأن بشرة العين شديدة الحساسية وقادرة على امتصاص الرصاص وإن كان ذلك بنسبة أقل مقارنة بابتلاعه.
جعفر رشيد: تتباين الأعراض حسب المادة السامة وطريقة التعرض لها، غير أنّ الجسم غالبًا ما يُظهر استجابة أولية تهدف إلى طرد السموم، أبرزها القيء والإسهال كخط دفاع طبيعي. في حالات التسمم بالرصاص مثلًا، يشير البروفيسور جعفر رشيد إلى أنّ المريض يعاني عادة من آلام شديدة وحادة في البطن، قد تُرافقها اضطرابات عصبية بدرجات متفاوتة، خاصة لدى الأطفال الذين تُعدّ أجهزتهم العصبية أكثر هشاشة
وتزداد خطورة الاستعمال حسب تكراره وتركيز الرصاص في المنتج، خاصة في ظل غياب الرقابة الصحية وانعدام القدرة لدى العائلات على التمييز بين الكحل الآمن وتلك الأنواع الملوثة بمواد سامة.
ماذا عن الحنّة؟ وما هي الحالات المسجّلة من التسمم المرتبطة بها؟
الحنّة، رغم كونها مادة تقليدية واسعة الاستعمال في المجتمع الجزائري، قد تتحول إلى مادة شديدة الخطورة عند استخدامها بطريقة غير صحيحة أو في سياقات علاجية شعبية لا تستند إلى أي دليل علمي. ففي مصلحة التسممات بعنابة، تم تسجيل عدة حالات تسمم ناتجة عن شرب الحنّة بغرض التداوي، وهي ممارسة ما تزال منتشرة لدى بعض العائلات التي تلجأ للوصفات التقليدية بدل الطب الحديث.
وقد أدت هذه الحالات إلى مضاعفات صحية خطيرة، أبرزها العجز الكلوي الحاد الناتج عن التأثير السام لمكونات معينة في الحنّة، خاصة الأنواع غير النقية أو المخلوطة بمواد أخرى مجهولة المصدر. وفي إحدى الحالات، تسبب هذا الاستخدام غير المدروس في وفاة مؤكدة، ما يعكس حجم المخاطر الحقيقية المرتبطة بهذه الممارسات.
تُظهر هذه الحوادث كيف يمكن لتحويل مادة تجميلية إلى "علاج شعبي" أن يؤدي إلى كوارث صحية، خصوصًا عندما يُستهلك المنتج عبر الفم أو بكميات كبيرة، أو يُقدَّم للأطفال والرضع دون أي إشراف طبي. كما تؤكد على الحاجة المُلحّة لتعزيز الوعي الصحي ومكافحة الاعتقادات الخاطئة حول فعالية بعض المواد التقليدية في العلاج.
ما هي أبرز أعراض التسمم الناتج عن هذه الممارسات؟
تتباين الأعراض حسب المادة السامة وطريقة التعرض لها، غير أنّ الجسم غالبًا ما يُظهر استجابة أولية تهدف إلى طرد السموم، أبرزها القيء والإسهال كخط دفاع طبيعي. في حالات التسمم بالرصاص مثلًا، يشير البروفيسور جعفر رشيد إلى أنّ المريض يعاني عادة من آلام شديدة وحادة في البطن، قد تُرافقها اضطرابات عصبية بدرجات متفاوتة، خاصة لدى الأطفال الذين تُعدّ أجهزتهم العصبية أكثر هشاشة.
وعند استعمال مواد سامة على العين مثل الكحل المحتوي على الرصاص قد يظهر احمرار واضح، تهيّج، أو التهابات نتيجة حساسية بشرة العين وسهولة نفاذ المواد عبرها. كما قد يُسجَّل التهاب في المسالك البولية عند دخول المواد السامة إلى الجسم عبر قنوات أخرى.
كما أن التعرف الدقيق على المادة المسببة للتسمم يُعد خطوة أساسية في التشخيص والعلاج، لأنه يسمح للطبيب باختيار البروتوكول المناسب بسرعة، ما يقلل من المضاعفات الخطيرة ويزيد من فرص إنقاذ المصاب.
من هي الفئات الأكثر عرضة لهذه الأخطار؟
الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر هشاشة وتعرّضًا لهذه الأخطار، لأن أجسامهم الصغيرة لا تزال في طور النمو، وقدرتهم على استقلاب المواد السامة أضعف بكثير من البالغين. بالإضافة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الممارسات يُمارَس بدافع "الحرص" وفق معتقدات متوارثة لدى الجدّات أكثر من الأمهات، خاصة في البيئات التي تُقدَّم فيها الخبرة التقليدية على التوصية الطبية.
وتزداد الخطورة لأن الطفل لا يُظهر في البداية أعراضًا واضحة، ما يؤخر التشخيص ويعقّد العلاج. كما أنّ بعض العائلات تلجأ أولًا للوصفات التقليدية بدل الاستشارة الطبية، ما يمنح الوقت للسموم كي تنتشر في جسم الطفل. وبذلك تتحوّل ممارسات يُعتقد أنها "حماية" أو "علاج" إلى مصدر تهديد مباشر لصحة الصغار وحياتهم، وهو ما يستدعي وعيًا أكبر وتخليًا تدريجيًا عن كلّ ما لا يستند إلى أسس علمية موثوقة.
هل تدل الممارسات التقليدية على نقص الوعي في المجتمع الجزائري؟
مشكلة استمرار هذه الممارسات لا ترتبط بغياب التحسيس، إذ إن وسائل الإعلام الوطنية بما في ذلك الإذاعات والقنوات التلفزيونية تتناول بشكل متكرر أخطار الوصفات التقليدية غير المؤطَّرة. كما تقوم مراكز مكافحة التسممات المنتشرة في الشرق والغرب والوسط بحملات توعوية منتظمة، إضافة إلى نشاطها عبر منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى شريحة أكبر من المواطنين.
الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر هشاشة وتعرّضًا لهذه الأخطار، لأن أجسامهم الصغيرة لا تزال في طور النمو، وقدرتهم على استقلاب المواد السامة أضعف بكثير من البالغين. بالإضافة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الممارسات يُمارَس بدافع "الحرص" وفق معتقدات متوارثة لدى الجدّات أكثر من الأمهات
ورغم كل هذه الجهود، يبقى التجاوب المجتمعي محدودًا، وهو ما يعكس قوة المعتقدات الشعبية المتجذّرة وصعوبة تغيير السلوكيات المرتبطة بالموروث الثقافي. فالكثير من العائلات ما تزال تنظر إلى هذه الممارسات باعتبارها جزءًا من "التراث العلاجي"، ما يجعلها أكثر ميلًا لتصديق التجارب الشفوية من الالتزام بالتوجيهات الطبية.
وفي موازاة ذلك، تعمل غرف الصناعات التقليدية على تنظيم دورات تكوينية موجّهة للنساء، تهدف إلى تمكينهن من التمييز بين المواد الآمنة وتلك التي تحتوي مركّبات سامة، في محاولة للحدّ من المخاطر المرتبطة بالمنتجات التقليدية غير الخاضعة للرقابة.
الكلمات المفتاحية
رعاية كبار السنّ في الجزائر.. هل يتحوّل دفء الأسرة إلى خدمة مدفوعة؟
ثلاثة مشاهد ودفء بالتقسيط... قد تكون هذه الجملة الملخص لعلاقة قوية امتدت لأجيال، لكن في متابعة ورصد لتحولات يعيشها المجتمع الجزائري، فإن رعاية كبار السنّ خرجت من يد الأبناء كما كانت في السابق، وأصبحت بعقد عمل ومدفوعة، يرفض فيها المهتمون بهذه القضايا وصفها بـ"الظاهرة"، لكنها بدأت تطلّ تدريجيا في بعض الأوساط تحت قبعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية وثقل الأعباء اليومية.
التبرعات الرمضانية في الجزائر.. كيف يصل الخير إلى مستحقيه؟
مع دخول شهر رمضان 2026، تتسارع وتيرة العمل الخيري في الجزائر، حيث تتضافر جهود الجمعيات والمتطوعين لتقديم المساعدات للأسر الأكثر هشاشة، تنتشر طواقم المتطوعين في مختلف الأحياء، وتعمل على توزيع السلال الغذائية والدعم النقدي للأسر التي تعاني من ضغوط اقتصادية، بينما يحرص المتبرعون على إيصال العون مباشرة للمحتاجين.
طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مُرتقبة اليوم في عدة ولايات
أفادت مصالح الأرصاد الجوية، بتساقط أمطار غزيرة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مصحوبة أحيانًا بحبات البرد، تشمل عدداً من ولايات الوطن.
حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما
يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.
هذا موعد انطلاق أول رحلة للحجاج الجزائريين
كشف، المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، طاهر برايك أنّ أول رحلة للحجاج لموسم 2026، ستنطلق يوم 29 أبريل/نيسان المقبل من مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة نحو البقاع المقدسة.