حوار | خالد بن صالح: لا حقيقة تاريخية إلا الحقيقة الأدبية

حوار | خالد بن صالح: لا حقيقة تاريخية إلا الحقيقة الأدبية

خالد بن صالح (فيسبوك/الترا جزائر)

 يُحاول خالد بن صالح من خلال تجاربه الشعرية أن يبقى على قيد اليقظة الجمالية في عوالم شعرية متمرّدة، لم يعد بحاجة إلى "الرقص بأطراف مستعارة"، كما جاء في أحد دواوينه، ليتحرّر ولو قليلًا من ذلك الثوب الموحّد الذي يفرضه البعض على جسد الشعر. فلا ربطة عنق ولا قميص أبيض ولا كلاسيكيات تُخفي ثورة نصّه.

خالد بن صالح: أنا أعتقد بشيءٍ قد يبدو مجنونًا؛ لا حقيقة تاريخية إلا الحقيقة الأدبية

 هذا الشاعر، جعل القصيدة في ديوانه الأخير حرّة تواكب تغيرات فرضتها الشعوب على سطوة الأنظمة في الجزائر والعالم أجمع، وكأنّما مارس "حراكًا شعريًا" تجاوز عتبة المفروض والبديهي في كتابة النصّ الشعري وبنائه، ليغوص في خطّ التجارب الحياتية بكل وحشتها وغموضها، ويتجرّأ على السؤال لتعرية ذاته ومنحها السكينة في ما يكتبه، محاولًا التحليق بعيدًا عن فخّ البهرجة اللغوية والتنميق اللفظي.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| أمل بوشارب.. فتحت عيني على عالم مليء بالكتب

يقول الشاعر خالد بن صالح، مجيبًا على أسئلة "الترا جزائر"، إنّ ديوانه الأخير "يوميات رجل أفريقي يرتدي قميصًا مزهّرًا ويدخّن LM في زمن الثورة"، يتقاطع مع يومياتٍ جزائرية تحكي ثوراتٍ سابقة وأخرى قادمة، وعن أجيالٍ فقدت البوصلة سنواتٍ طويلة، واستعادت وجهتها في الشوارع صوب الحلم، على حدّ تعبيره.

  • أول سؤال قد يتبادر إلى القارئ، كيف اخترت هذا العنوان الطويل لمجموعتك الشعرية الأخيرة "يوميات رجل أفريقي يرتدي قميصًا مزهّرًا ويدخّن LM  في زمن الثورة"؟

العنوانُ، في اعتقادي، هو كتابةٌ أخرى، هاجسٌ آخر وخوفٌ يتجدَّد مع كلِّ كتاب. سيبدو الأمرُ مبالغًا فيه، لكنَّها حقيقة أعيشُ قلقها لمدَّة تتجاوز أحيانًا ثلاثة أشهر، أنا لم أختر العنوان ليكون طويلًا، أو قصيرًا أو جملة فعلية أو اسمية، العنوان هو حالة أيضًا، تأتي من داخل النصوص، وربَّما تحيلك قصيدة بذاتِها إلى عنوانٍ غير متوقَّع، لكنّ أهمّ شيء، هو انفتاحي على كلِّ الاحتمالات الإبداعية وعلى أراء الأصدقاء، والنقاش الذي يصل إلى درجة اليأس. وبعد "ويكيبيديا الأشياء المهملة" كعنوانٍ ما قبل الأخير، ظلَّ معي زمنًا عدتُ بعد نقاشٍ، لأفتح من جديد باب الجحيم على نفسي.

أعتقد أنَّ طبيعة النصوص وأزمنتها وثورتها في الواقع وعلى الورق، في الشَّكل الكتابي، باعتمادي الكلّي على الفقرة المطوّلة، كما لم يحدث في مجموعاتي السابقة، كلُّها عوامل اجتمعت، في قصاصةٍ صغيرةٍ في منتصف اللَّيل لتُشكل، على الطريقة الأمريكية، العنوان الأخير: "يوميات رجل أفريقي يرتدي قميصًا مزهّرًا ويدخّن LM  في زمن الثورة"، على خلفية أغنية رشيد طه: "أنا إفريقي".

  • كيف كانت ظروف كتابة هذه المجموعة؟ هل كنت تحكي نفسك فيها، أم أنها متعلقة بالتغيرات المحيطة بك في الوطن والعالم، سواء كانت سياسة أو اجتماعية أو ثقافية؟

كتبتُ المجموعة، في ظروفٍ خاصّة جدًّا، خصوصًا وأنها جاءت بعد توقفٍ وصل درجة الأرق والخوف. عامان لم أكتب فيهما حرفًا واحدًا، أسئلةٌ كثيرة ومبرّرات أكثر رافقت هذا التوقف. أعَزتُ بعضها إلى نفاد نسخ مجموعتي السابقة "الرقص بأطراف مستعارة" وفرحي الصغير الممزوج بخوفٍ خفيّ، ماذا أكتب بعدها؟ إلى قراءاتي لكتبٍ ومخطوطاتٍ كثيرة وسفري المتواصل، إلى الملف العميق والمُفاجئ الذي أعدَّه ملحق كراس الثقافة في جريدة النصر الجزائرية حول "تجربتي" في الكتابة الشعرية بإشراف الصديقين سليم بوفنداسة ونوّارة لحرش، وحمّلني مسؤولية إبداعية أكبر، إلى الدفاتر الجديدة التي اقتنيتُها وأُهدِيت لي في كلِّ بلدٍ أو مدينةٍ زرتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. أوراقها الفارغة الكثيرة أرهقتني، إلى الأفلام والأغاني التي لم تفارقني في لحظاتِ عجزي عن الكتابة، إلى مجلّة أوكسجين التي صرتُ أشتاقُ أن أقرأ لي فيها نصًّا جديدًا، إلى الأربعين التي دخلتها بتفاؤلٍ أقلّ من سابقاتها من سنوات العمر، ثمَّ وفي تلك الليلة من 25 آب/أوت 2018، بعد حفلةِ عيد ميلادٍ عائلية مع إياد وأحلام، استيقظتُ ليلًا لأكتب: "ولدتُ يومَ رحلَ نيتشه"، وكان أول سطرٍ في المجموعة.

وإذا كان انعكاسُ تجربة الحياة بكلّ ظروفها الخاصّة والعامّة في الكتابة، شيئًا طبيعيًا في قصيدة النثر، فإنَّ الأهم، كيف يحدث ذلك وبأي شكلٍ إبداعي؟ لعلَّ مغامرتي في "يوميات رجل أفريقي" تشبه مغامرة الشعب الجزائري الذي كسَر حاجز الخوف وخرج إلى الشارع يوم 22 شبّاط/فيفري، وذلك باقتحام مناطق جديدة في الكتابة، كما في المُدن وفي ساحاتِ الحراك.

  • كيف هي تجربتك مع دار المتوسط؟ ما رأيك في من يقول بأنها تعتمد إغراء العناوين؟

إغراءات المتوسّط، هي من نوعٍ آخر، وإن كان لا بدَّ من اختيار عناوين تتماشى والخط الافتتاحي للدار، ومزاجها ربّما. لكننا إذا تحدثنا عن هذا الموضوع، فأُفضِّل أن يكون حول ثورة التّصميم والنشر التي أحدثتها المتوسط في العالم العربي بإبداع المصمّم وصاحب الدار خالد سليمان الناصري. أما من يقولُ إغراء الأغلفة التي تعكسُ روح الكتب ومضامينها، فهذا مُعطى إيجابيّ جعل الدار تساهم ولو بطريقةٍ غير مباشرة في خلق تقاليد جديدة من حيث تصميم الأغلفة والإخراج الفني للكتب، والاهتمام بعملية النشر كعملية مُتكاملة، لا تقتصر على طرفٍ دون آخر.

تجربتي مع المتوسّط بدأت شعريًا وهي متواصلة، كحلمٍ دونكيخوتيٍّ أصيل في محاربة طواحين الهواء، حيث أعمل حاليًا مدير التحرير والنشر، علَّني أساهم ولو بالقليلِ في هذا الحلم الذي بقدر ما يتسع جماليًا وإبداعيًا ومتوسّطيًا، فهو يتأصَّل بداخلي أكثر فأكثر.

  • هل تشعر بأنك صرت شريكًا حقيقيًا في تأويل العالم وما يطرأ عليه من جمال وقبح من خلال قصائدك؟

على أيِّ أساسٍ تنبني الشَّراكة هنا في تأويل العالم؟ أعتقد أنَّ الشاعر يقعُ في فخٍّ آخر، أكبر من هذا، وهو محاولة أن يكون ندًّا للجمال كما القبح، وأن يقوم بتفكيك كلّ هذه العناصر ويعيدُ تركيبها بشكلٍ، يفضح أكثر مما يستر حقيقة الأشياء والأشخاص والمواقف التاريخية والإنسانية. الشعر خرج عاريًا منذ سنواتٍ بعيدة من سجنهِ، الشعر مشرَّد بالضرورة، متمرّد بلا مأوى، صارخٌ في الساحات، ومتألِّم في الحانات، وحيدٌ وكثيفٌ كساعات الفجر بعد ليلٍ طويل.

وأنا مثل شِعري، مثل قصائدي، أتبعُ خيطَ ضوءٍ ضئيل، وأستكين للعتمةِ أحيانًا، لكنني بين ذاك وتلك أحاول أن أقول الأشياء بطريقةٍ صحيحة، دون مبالغةٍ ولا بهرجٍ لغوي، وأفرحُ بها كطفلٍ شقيٍّ يكتشف بأنَّ النار التي أحرقته منذ قليل، يستطيع أن يبول عليها فتخمد.

  • يقول كافكا بأن الشعر هو استدعاء الكلمات إلى هذا العالم، هل تشعر بأن ما كتبته إلى الآن هو دعم لهذا الزعم الكافكاوي؟

بطريقةٍ أخرى: "العالم منذ الأزل، يوجدُ لكي يؤول إلى كتاب" كما يقول الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه، وأنا أدعمُ الزعمين معًا. كان الشعر بالنسبة لي وسيظلُّ الطريقَ الذي سلكتهُ، بعد أن قطعتُ نصف المسافة في طريقٍ آخر، وهذا في حدِّ ذاتهِ كفيلٌ بأن أحوِّلَ العالم إلى حفنةِ كلمات، وأكونُ أسعدَ الفانين فوق الأرض.

  • حين أقرأ لك، تحضرني مقولة هيدغر عن أن الفن (ويقصد الشعر هنا) هو المكان حيث سنضع الحقيقة بأمان. كيف تتعامل مع الحقيقة في قصائدك؟

أنا أعتقد بشيءٍ قد يبدو مجنونًا: لا حقيقة تاريخية، إلا الحقيقة الأدبية. ربّما شكسبير أشار إلى ذلك وربّما لا، لكنّني سأظلُّ أعتقد أن طروادة احترقت، وأخيل خرج من إلياذة هوميروس المشكوك في وجوده، يعرج بقدمٍ دامية وسهامٍ تملأ صدره.

  • ما رأيك في ترجمة شعرك ونصوصك إلى لغات أخرى غير العربية؟ هل يضيف هذا الفعل روحًا أخرى إلى جسد النصّ الشعري؟

الترجمة مهمّة، وتفتحُ أفاقًا جديدة لأيّ نصّ إبداعي، وقد كانت لي تجربة في نقلِ قصائدي إلى لغاتٍ أخرى، من خلال مهرجاناتٍ ولقاءات شعرية خارج الجزائر. لا أدري ما الذي تُضيفه أو تُنقصه الترجمة، الحياة قصيرةٌ ووصول نصّي إلى الآخر هو خطوة هامّة في هذا الدّرب المفتوح على احتمالاتٍ، قد يكون أحدها أن تكتبَ الآن ليقرأ نصّك يومًا شابٌّ يجلسُ في مقهى شعبي في براغ، مثلًا.

  • نُعاني في هذا الزمن من متلازمة الصورة التي فرضتها التكنولوجيا، حيث تقتلنا وتستحث أعيننا في كل مكان. ما هي النزعة التصويرية التي تنتهجها في شعرك، كيف تريد للقارئ أن يراك؟

لم أعد أميلُ كثيرًا لمصطلح الصورة الشعرية في النصّ، أو المشهدية في القصيدة، أو غيرها ممّا يحوّلُ الكلمات إلى أشكالٍ وألوان وظل وضوء. الشعر أمسى عندي في منطقةٍ أخرى يصعبُ توصيفها أو التفصيلُ في الحديث عنها، يكفي القول إنَّ الكتابة التي تشدّني، هي تجريبٌ لا معقول، أو مغامرة جريئة، بطريقةٍ واعية. وفي كلِّ الأحوال سيراني القارئ في صورٍ شتّى، يستحيلُ معها القبض على ملامحي النهائية، لعلَّني لستُ سوى حطَّابٍ يجلسُ أمام شجرةٍ صغيرة، يسقيها ويُصلّي طويلًا كي تكبر ويشتدَّ عودها. ليست الفأس وحسب، الأدواتُ كثيرة، فقط، ابحثوا من حولكم وكونوا يقظين حتى الثمالة.

  • "القلق الموجود في العالم هو قلق داخل اللغة أولًا" قال فيتجيشتاين، أي قلق يسكن لغتك الشعرية وتحاول مشاركتنا به؟ 

هذا سؤالٌ لا يقلُّ أهمية عن سابقيه؛ القلق اللُّغوي هو قلق شعري بامتياز. في الكتابة، تصل إلى مرحلةٍ تسأل نفسكَ ماذا أريدُ أن أكتب؟ ويكون السؤال الأصعب كيف أكتب؟ العربية لغةٌ مظلومةٌ لدى مُستعمليها، وكثيرون يضعونها في خاناتٍ تضرُّ بها أكثر مما تنفع، فلا التقديس ولا النكران، ولا التقوقع ولا الانفلات ولا غيرها من التصنيفات الجائرة يصلحُ للغة. اللغة اشتغالٌ آني، محاكاةٌ مؤلمةٌ للواقع والخيال، مستوياتٌ من الوعي الإبداعي، لا تنزلُ ولا تصعد أكثر ممّا ينبغي، وربّما ممّا لا ينبغي. هناك دمغةٌ في الشعر أراها لغويةً بالضرورة، ترتبطُ بالتقاطِ الكلمةِ الواحدة لتكون هي دون غيرها، في ذلك المكان دون غيره، وهكذا. الأملُ هو أن تجيبَ على سؤالٍ عصيٍّ وأنت تدركُ أهمية ما تفكِّر فيه، أكثر مما تكتبه.

خالد بن صالح: كنتُ متمسّكًا بأن تكون تجربتي عن أجيالٍ فقدت البوصلة سنواتٍ طويلة

  • في ديوانك "يوميات رجل أفريقي يرتدي قميصًا مزهّرًا ويدخن LM  في زمن الثورة"، هل تعتقد أنك كنت تميل إلى نوع من الخلاسية التي تسترق العوامل المحيطة من خلال الكتابة؟ ما تفسيرك للأمر؟

لا أعتقدُ ذلك، هناك نصوصٌ كانت بشكلٍ ما، سابقة لما نعيشه منذ أكثر من تسعة أشهر، ربما عبارة "زمن الثورة" التي جاءت في العنوان، تولّد هذا الانطباع حول ارتباطٍ وثيقٍ بين قصائد الكتاب والحراك. لا أنكرُ ذلك، بل ومنذ قصيدتي الأولى زمنيًا "كذئب جريح يركض في البراري" والتي أصبحت آخر قصيدة في الكتاب، كنتُ متمسّكًا بأن تكون التجربة يومياتٍ جزائرية عن ثوراتٍ سابقة وأخرى قادمة، عن أزمنةٍ حدثت فيها أخطاء جسيمة، تتكرَّر اليوم بشكلٍ كوميدي، لا يقلّ مأساةً وسخرية، عن تضحياتٍ ونضالاتٍ من أجل الحرّية، عن أجيالٍ فقدت البوصلة سنواتٍ طويلة واستعادت وجهتها في الشوارع صوب الحلم. الشاعر ليس منشفةً تمتصُّ ما حولها، ليتحوَّل إلى شيءٍ آخر عندما نعصرها، الشاعر منشفةُ ويدٌ قاسية في آن واحد. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار | رباح بدعوش: الشعر هو الشاهد على الإنسانية

حوار | محمد بن جبّار: الحراك الجزائري تجاوز المثقف والنخبة