حوار | رابح لونيسي: الحراك لم يكن هدفه الإطاحة ببوتفليقة وتعويضه برئيس آخر

حوار | رابح لونيسي: الحراك لم يكن هدفه الإطاحة ببوتفليقة وتعويضه برئيس آخر

الأكاديمي رابح لونيسي (فيسبوك/ الترا جزائر)

يتناول الباحث والأكاديمي رابح لونيسي، في حوار مع "التر جزائر"، أبعاد الحراك الشعبي وتعقيداته وتركيبته، ويرسم عبر هذا اللقاء، المسارات التي جعلت الحراك يتخطّى العقبات والكمائن، ويدير معركة الصراع السياسي السلمي.

رابح لونيسي: صحيح هناك أمرٌ واقعٌ مفروض، يجب التعامل معه بذكاء، لكن الهدف الاستراتيجي لم يتحقّق بعد

يعتقد لونيسي، أن السلطة حاولت إخراج الحراك عن سلميته، بأساليب شتّى، سواءً بالاستفزازت لدفع الحراك إلى العنف، أو بالتغييب الإعلامي ومنع نقل تلك الصور الحضارية للشعب الجزائري.

اقرأ/ي أيضًا: حوار | رابح لونيسي: السلطة القائمة هي التهديد الأول للوحدة الوطنية

يعود المتحدّث إلى فكرة تمثيل الحراك من طرف بعض الفاعلين فيه، معتبرًا أن رفض فكرة التأطير، كان بسبب خشية تفتيت الحراك بفعل الصراع حول التمثيل، وخوفًا كذلك من سرقة الحراك عبر شراء ذمم ممثليه، على حدّ قوله.

يؤيّد لونيسي، فكرة أن الحراك الشعبي لم يحقق مطالبه بعد، فالهدف بحسبه، لم يكن إزاحة الرئيس بوتفليقة وتعويضه بآخر، والحفاظ على آليات النظام نفسها، التي أنتجت لنا بوتفليقة وغيره.

  •  تشهد الجزائر منذ سنة حركة احتجاجية كبيرة كل يوم ثلاثاء وجمعة، ما حصيلة هذه التظاهرات إلى غاية اليوم في رأيك؟

يعد يوم 22 شباط/فبراير2019، يومًا مفصليًا في تاريخ الجزائر المعاصرة، فقد تغيّرت منذ ذلك اليوم، كل تلك الصور المروّجة عن الشعب الجزائري، والتي ساهمت فيه الأدوات الأيديولوجية للسلطة بالطريقة والأدوات الأيديولوجية للنظام الاستعماري نفسها، بتصوير شعبنا بأنه شعب همجي ومتطرّف وعنيف، لا تصلح معه الديمقراطية.

 فمن الانتصارات التي تحققّت هي إبراز سلمية الجزائريين، كما يؤكده لنا التاريخ بشكلٍ واضح، فنحن من الشعوب المسالمة التي لم تعتد على أيّ شعب آخر طيلة تاريخنا الممتد على آلاف السنين، كما أبرز الحراك قبول الجزائريين بعضهم بعضًا على العموم طبعًا، لأن هناك دائمًا أقليّة شاذة، تخرج عن ذلك كما يقع عند كلّ شعوب العالم، لكن للأسف، فإن تلك السلمية التي قدمناها للعالم، حاول البعض من رجالات السلطة، القضاء عليها بأساليب شتّى، سواءً باستفزازات لدفع الحراك إلى العنف، أو بالطمس الإعلامي ومنع نقل تلك الصور الحضارية للشعب الجزائري.

 وفي رأيي كل من ساهم في ذلك لا يريد الخير لشعبنا، لأنّه عرقل كل محاولة لإعطاء أمتنا قوّة ناعمة، خاصّة أن هناك من رشّح الشعب الجزائري إلى جائزة نوبل للسلام، فبعد ما كان العالم يصوّرنا بالعنف والإرهاب، بسبب ما وقع في التسعينيات، انقلب الموقف اليوم.

كان بالإمكان أن تأخذ تلك الصورة السلمية والحضارية أبعادًا أكبر لولا تلك العراقيل التي وضعت في وجه الشعب الجزائري، فعلى الصعيد المعنوي، أعاد الحراك للجزائري كرامته عالميًا وبقدرته اليوم رفع رأسه شامخًا، كما كان يرفعها أثناء ثورتنا التحريرية، وفي بدايات استرجاع الجزائر استقلالها بسبب تلك الثورة التحريرية العظيمة، قبل أن تفقده المجموعة التي استولت على السلطة في 1962، تلك القوة الناعمة بممارساتها التي لا تعكس عظمة تلك الثورة.

أصبح الجزائري اليوم، يُحسب له ألف حساب من السلطة القائمة، برغم رفضها مطلبه الرئيسي، المتمثّل في تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي وفعليّ، وليس شكليٍّ أو مجرّد "ديمقراطية واجهة"، دفاعًا عن مصالح خاصّة، لا علاقة لها بمصلحة الجزائر دولة وشعبًا.

لكن الفرصة لم تضع بعد، فمازال النضال مستمرًا من أجل ذلك، كما لا يستبعد أن يصبح يوم الجمعة، يومًا للتعبير عن الرفض الشعبي لكل ممارسة مناهضة لمصالحه، سواءً محليًا أو وطنيًا.

الأهمّ من هذا، هو عودة الجزائري إلى الاهتمام بالسياسة على عكس ما كان عليه في السنوات الأخيرة، خاصّة في عهد الرئيس السابق، فهناك قاعدة سياسية هامّة وضعتها الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت، وأثبتتها علميًا، وهي أن عدم الاهتمام السياسي لأيّ شعب، سيترك فراغًا سياسيًا رهيبًا تملؤه قوى الاستبداد والفاشية، مما سيسمح بالوقوع في نظام شمولي قاتل.

توصّلت آرندت إلى ذلك، بعد دراستها وتتبّعها كيفية نشوء النظام النازي في ألمانيا والنظام الستاليني في الاتحاد السوفياتي، ولهذا فكل من يريد إبعاد الجزائري عن الاهتمام بالشأن العام، خاصّة السياسي منه، ويسعى لإعادته لما كان عليه قب22 شبّاط/فيفري 2019، فهو يمهّد بوعي أو دون وعي للشمولية في بلادنا.

طبعا لا يمكن لنا سرد كلّ هذه المكتسبات التي تحققت منذ عام، لكن فليضع البعض في ذهنهم أن بناء الديمقراطية، يحتاج إلى نضالات طويلة، ولا يمكن تحقيق كلّ شيء بين ليلة وضحاها، فبعض اليائسين من التغيير، يبدو أنّهم دخلوا النضال منذ فترة قصيرة فقط، وتنقصهم التجربة النضالية التي مهّدت لها قوى ديمقراطية منذ عقود. من الخطأ الفادح رمي وتجاهل كلّ هذه التراكمات النضالية، وعدم الاستفادة من تجاربها.

  • هل تعتقد أن دوافع انطلاق الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير ما تزال قائمة بعد انتخابات 12 كانون الأوّل/ديسمبر؟

يعتقد البعض أن من أسباب انطلاق الحراك الشعبي في الـ 22 شباط/فيفري2019، هو الإهانة التي تعرّض لها الجزائريون، بترشيح "كادر" أو صورة إطار للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكن لم يكن ذلك في الحقيقة إلا المفجّر لغضب شعبي تراكم لسنوات، وبرز في الكثير من الاحتجاجات السياسية والاجتماعية.

لكن لم يكن الهدف الرئيسي تنحيّة بوتفليقة وتعويضه برئيس آخر، مع الإبقاء على آليات عمل النظام نفسها، التي أنتجت لنا بوتفليقة وغيره، إضافة إلى إنتاجها الفساد والرداءة والظلم السياسي والاجتماعي وغيرها، بل كان الهدف الاستراتيجي للحراك، هو تغيير جذري لهذه الآليات التي يجب أن تكون آليات ديمقراطية، وقد عبّر عنها الشعب بعبارات وشعارات عدّة، ومنها "استعادة السيادة الشعبية" و"تطبيق المواد 7 و8 من الدستور" بدل المادة 102، التي أصّرت السلطة الفعلية على تطبيقها.

صحيح هناك أمرٌ واقعٌ مفروض، يجب التعامل معه بذكاء، لكن الهدف الاستراتيجي لم يتحقّق بعد، وينتظر الشعب خطوات جريئة تجاه ذلك من الرئيس تبون.

 فحتّى بعد انتخابات 12 كانون الأوّل/ديسمبر2019، لازال الهدف نفسه لم يتحقق بعد، ويجب على الشعب التعامل مع الواقع بذكاء، مع مواصلة الضغط من أجل ذلك، فالكرة الآن هي في يد الرئيس الجديد، فهل سيحقق عملية تغيير آليات عمل النظام، أم سيُبقي الوضع على ما هو عليه أو يكتفي بتغيير شكلي فقط؟

 نرجو أن تعي السلطة القائمة، ومنها الرئيس تبون، فتقرأ الواقع جيدا، وتحقق مطالب الشعب، وذلك لعدة أسباب، فتلبية المطالب الشعبية في التغيير كفيلة لاكتساب تبون شرعية شعبية ودخوله التاريخ من بابه الواسع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجب على السلطة أن تعي أن الدول يمكنها إدخال إصلاحات في نظامها السياسي في الوقت الملائم، وتتطوّر حسب تطوّرات المجتمع ليكون هناك توافقٌ تام بين النظام سياسي والتطوّرات المجتمعية الجديدة، لكن إن لم تقم بذلك في الوقت المناسب يحدث الانكسار، وتصبح كل عملية إصلاح شكلية، وليس تغييرًا جذريًا وسلسًا ومدروسًا، سببًا في انهيارٍ تام، ويمكن أن نعطي الكثير من الأمثلة من التاريخ، فمثلًا حاول خروتشوف في الاتحاد السوفياتي، إدخال إصلاحات في نظامه السياسي بعد وفاة ستالين في 1953، لكن تم إجهاضها من المحافظين في بداية الستينيات، فتطوّرت الأمور إلى  كوارث فيما بعد، وعندما جاء غورباتشوف في 1984، وحاول الإصلاح تحطمت الدولة نهائيًا لأن الوضع يتطلب آنذاك تغييرًا جذريًا لآليات عمل النظام، وليس إصلاحات فقط.

الأمر نفسه مع الدولة العثمانية بعد عرقلة المحافظين كل محاولات إصلاح نظام الدولة، التي حاول السلاطين القيام بها في الوقت المناسب، مما أدّى إلى سقوط هذه الدولة التي كانت تسمى بـ "الرجل المريض".

أعتقد أن السلمية سلاح فعال، وقد أثبتت التجارب ذلك، ومنها تحرير الهند بالسلمية وباللاعنف بقيادة الماهاتما غاندي

  • ما رأيك في شعار "يتنحاو قاع"؟

ليس صحيحًا، ما يروّجه البعض عن هذا الشعار الذي ميّز الحراك الشعبي، وبأنه دعوة لطرد إطارات الدولة، بهدف تخويفها كي تقف في وجه الحراك، ونتذكّر بأنني حاولنا في إحدى مقالاتنا إعطاء دلالة عملية لهذا الشعار، الذي يعد من أهم شعارات الحراك، فما هو في الحقيقة إلا دعوة صريحة لتطهير الدولة وأجهزتها من الفساد والرداءة، لكن السؤال الذي برز إلى السطح كسؤال تعجيزي، هو كيف نطبق هذا الشعار عمليًا؟

اقرأ/ي أيضًا: حوار | زبيدة عسول: الانتخابات لن تحل الأزمة وشرعية الرئيس ستكون مهزوزة

يعلم الجميع، بأنه يتم انتخاب الرئيس بعد اختياره من مجموعة أفراد مؤثّرين، ثم تزوّر له الانتخابات، فهذا الرئيس يمتلك صلاحيات إمبراطور بموجب الدستور، وهو ما أعترف به الرئيس تبون، فيقوم هذا الرئيس بتعيين كل المسؤولين على أساس الجهوية والولاءات، وليس على أساس الكفاءة والنزاهة، ويتمّ ذلك بتأثير أطراف نافذة في غالب الأحيان، فكان ذلك سببًا في سوء التسيير، مما أضرّ بالحياة اليومية للجزائريين.

بناءً على ذلك، وبهدف تطهير الدولة وأجهزتها التي نخرت بتعيينات على أساس الولاء لأشخاص وليس الكفاءة، خاصّة في عهد الرئيس بوتفليقة الذي لغّم هذه المؤسّسات والأجهزة برجالاته وأتباعه، ولتجسيد لكي نجسد عمليًا شعار "يتنحاو قاع"، نرى ضرورة العودة إلى مبدأ أساسي في الديمقراطية، ويكون شرطًا لأي تغيير، وهو انتخاب كلّ المسؤولين من أبسط مؤسّسة إلى أعلاها، لكن وفق شروط الترشّح للمناصب طبعًا، فهذه العملية لا يمكن تزويرها، لأنها تتم داخل المؤسسات، والجميع يعرف الموظفين والعاملين فيها، ويعرفون كلّهم بعضهم بعضًا، مما يصعب عملية تزوير الانتخابات، فيتم بذلك تطهير الدولة من عناصر فاسدة ورديئة وغير نزيهة معينة من القمّة، وليس من القاعدة، خاصّة المعينة من الرئيس السابق وحاشيته.

بل أذهب إلى أبعد من ذلك، وهو حتّى الحكومة يجب انتخابها كلها ضمن قائمة تضمّ الرئيس بكل وزرائه أثناء الرئاسيات، فيضطر الرئيس المترشّح على وضع النزهاء والأكفاء في قائمة حكومته، كي ينتخب عليه الشعب، إضافة إلى برنامجه الانتخابي، فمن غير المعقول انتخاب رئيس ثم نترك له الحرّية أن يفعل ما يريد، ويعين من يريد من وزراء ومسؤولين كبار، وحتى بسطاء كما كان يفعل بوتفليقة.

إن قضية الانتخاب على قائمة السلطة التنفيذية كاملة، قد سبق أن طرحناها في النظام البديل الذي حدّدنا معالمه الكبرى في كتابنا "النظام البديل للإستبداد - تنظيم جديد للدولة والاقتصاد والمجتمع"، أين أسسنا علميًا لنظام سياسي واقتصادي جديد، بناء على تتبعنا لتطوّرات الفكر السياسي عالميًا، وعلى نقد علمي للنظم السياسية القائمة في عالم اليوم.

  • يرى البعض أن عجز الحراك الشعبي عن خلق إطاره التنظيمي والهيكلي هو الجانب السلبي الذي يعاني منه، ما رأيك؟

نعتقد أنه أوّل خطأ ارتُكب في بدايات الحراك، وقد سبق لنا أن نبهنا إلى ذلك في عدة حوارات ومقالات آنذاك، فعندما كانت الثورة في أوّج قوتها، كان بالإمكان أن ينتظم الشعب بشكلٍ عفوي، في شكل لجان في كلّ الأحياء والمداشر والقرى وأماكن العمل، فتتشكّل ما سميتها آنذاك "جبهة وطنية واسعة"، تضمّ الأمة كلها، بمختلف أطيافها وشرائحها وتوجّهاتها الأيديولوجية والثقافية وغيرها، ممّا سيفرز نخبًا جديدة انطلاقًا من القاعدة حتى القمّة، ويسمح لها بالتفاوض فيما بينها، داخل هذه الجبهة الوطنية التي ستعرف نقاشًا واسعًا وحرًا، مما سينتج عقدًا وطنيًا فيما بينها.

يمكن حتّى بروز تأسيسية تصيغ دستورًا توافقيًا بطرق متفق عليها فيما بينهم، ولا يقصي أي أحد، ويتم ذلك كله وفق العقد الوطني بين كل أطياف وتوجّهات المجتمع، وستكون هذه الجبهة الوطنية الممثل الوحيد للأمة، وستتفاوض مع السلطة حول آليات النظام الجديد، مادام أنها وضعت أرضية سياسية، وعقد وطني ودستور توافقي يؤسّس على أساسه الجزائر الجديدة، ولم يبق لتجسيد ذلك إلا التفاوض حول آليات تحقيقه، وفق مراحل دقيقة بالاتفاق مع السلطة، لكن تحقيق ذلك يتطلّب مواصلة الضغط الشعبي، بواسطة المسيرات السلمية وأساليب سلمية أخرى، التي ماهي إلا أداة ضغط حتى تتحقّق كلّ عمليات بناء الجزائر الجديدة.

لكن غلبت آنذاك كثرة المبادرات والطروحات، فميّعت كل الأفكار الجادة المطروحة في إطار الكم الكبير منها للأسف الشديد، كما طغت فكرة عدم التمثيل لسببين؛ خشية تفتيت الحراك بفعل الصراع حول التمثيل، وخوفًا كذلك من سرقة الحراك عبر شراء ذمم ممثليه، وقد كان للتجربة التاريخية  تأثير كبير في هذا الموقف، خاصّة ما وقع للعروش في 2001، لكن الفرصة لم تضع بعد لإعادة تنظيم الحراك، وذلك  بإبداع أساليب جديدة وغير مألوفة وفعالة، وتتماشى مع الأوضاع الجديدة، التي جاءت بعد انتخاب الرئيس تبون.

  • في رأيك، لماذا لم يستطع الحراك تشكيل ميزان القوى السلمي؟

أعتقد أن السلمية سلاح فعال، وقد أثبتت التجارب ذلك، ومنها تحرير الهند بالسلمية وباللاعنف بقيادة الماهاتما غاندي، فأيّ خروج عن السلمية، هو نهاية الحراك وموته، وهذا هو ما تبحث عنه بعض العناصر من السلطة، التي تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه.

أعتقد أنه ليست السلمية هي العاجزة عن تشكيل ميزان قوى، بل عدم التنظيم الفعال كما سبق وأن قلت لك من قبل، فلنتصوّر لو تشكّلت جبهة وطنية واسعة جدًا ومنظمة، لتصبح قوة بديلة للنظام، وتتفاوض من موقع قوّة بمشروع بديلٍ واضح المعالم، وبضغط شعبي قوي، فماذا سيقع؟

 كما نشير أيضًا إلى عدم القدرة على القراءة الصحيحة لتناقضات النظام، التي تتطلب عدم إضعاف أطراف تريد الخير للبلاد، وتريد تلبية مطالب الحراك ولو نسبيًا، مما سيخدم الأطراف المحافظة المعرقلة لذلك، فلا يجب على الحراك التعامل مع النظام كأنه شخص واحد، فليضع في ذهنه أن النظام يحتوي على تناقضات بإمكان الحراك استغلالها لصالح أهدافه، فالنظام يضم لوبيات ومصالح وأجنحة ووطنيين وغير وطنيين، كما يوجد بداخله من يريد إنقاذ الدولة بنظام ديمقراطي كما يطالب الحراك، ويحتاج هؤلاء إلى مساعدة ذكيّة من الحراك كي يتمكّنوا من البروز والإعلان عن أنفسهم.

رابح لونيسي: أعتقد أنه ليست السلمية هي العاجزة عن تشكيل ميزان قوى، بل عدم التنظيم الفعال 

 كما يجب على الحراك أيضًا، قراءة سليمة للوضع الدولي، فالمشكلة لا تكمن فقط في تغيير آليات عمل نظام، بل هي أعقد من ذلك بكثير، فنحن نعيش اليوم في عالم معقد تتحكّم فيه قوى إمبراطورية، فقد تعرضت شعوبنا لاستعمار مباشر نتيجة للثورة الصناعية، ورغبة الرأسمالية إنقاذ نفسها بعد ما دخلت في أوّل أزمة دورية لها في النصف الأوّل من القرن19، فحلت أزمتها آنذاك باستعمار بلداننا بحثًا عن مواد أولية، وتوسيعًا لأسواقها كي تسوق فائض سلعها، إضافة إلى البحث عن مناطق للاستثمار.

اقرأ/ي أيضًا: حوار | علي ذراع: الانتخابات الرئاسية كانت مناسبة ريعية

صحيح تمكّنت شعوبنا من طرد المستعمر التقليدي، لكنه تحوّل إلى استعمار ناعم، ورغم ذلك تمكننا من استغلال الحرب الباردة لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية، والتحرّر نسبيًا بالاستناد على المعسكر الشيوعي وبتطبيق ذكي وفعال لمبدأ الحياد الإيجابي، لكن عادت القوى الرأسمالية بقوّة بعد نهاية الحرب الباردة، وفقدت بلداننا استقلالها دون أن يظهر ذلك بجلاء، فهذه القوى الرأسمالية العالمية هي التي تضغط اليوم، وتؤيّد في هذه الأنظمة، فلا يكفي لك تغيير آليات نظام محلي، بل أيضًا يجب علينا التحرّر من نظام أسميه باستعمار رأسمالي ناعم، يخدم مصالح شركاته ورأسماليه بواسطة الأنظمة السائدة، والمتحالفة مع رجال مال مصالحهم مرتبطة بهذه المراكز الرأسمالية، وتعمل ضدّ مصالح شعوبها.

نعتقد أن كل هذه الحركات الواقعة في دول عدّة في المنطقة لها علاقة بالاستغلال الرأسمالي العالمي، دون أن يتم الإفصاح عن ذلك بشكل واضح، فمن الطبيعي أن تقف هذه القوى الرأسمالية، إلى جانب الأنظمة السائدة في بلداننا، وضد قيام أي نظام ديمقراطي فعلي في بلداننا، وإلا كيف نفسر الصمت الإعلامي العالمي عن الحراك في الجزائر؟

 فلندرك أن الغرب هو أوّل عدوٍ للديمقراطية في بلداننا، لأنها ستمسّ بمصالحه، وستخدم مصالح الشعوب، فإن كانت القوى الرأسمالية الاستغلالية وتوابعها في بلداننا تتعاون وتنسق فيما بينها، فإنّ القوى الرافضة لها لا تنسق فيما بينها، ويعمل كل طرف على حدة، معتقدًا أن تغيير النظام كفيل بتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية، فهي لا تعي أصلًا أن عمق الصراع هو ذلك. أي له بعد دولي.

فمثلًا، نأخذ تونس التي نجح فيها نوعًا ما الانتقال الديمقراطي، لكنها عاجزة عن حلّ مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والتنموية دون أن تعي الشعوب لماذا؟ فتحمل المسؤولية للسلطة المنتخبة ديمقراطيًا، وهو ما من شأنه الانقلاب على هذه الديمقراطية الناشئة؛ بسبب عدم معرفة لبّ وجوهر الصراع، ولهذا دائمًا نتحدّث عن ضرورة فكّ الارتباط بمراكز الرأسمالية العالمية، وطرحنا حلولًا لذلك بدفع المستوردين المرتبطين بمصانع هذه القوى، إلى الاقتصاد المنتج لخلق اقتصاد مستقلّ، ومنها أيضًا ضرورة التعاون والتنسيق مع القوى المعادية للعولمة الرأسمالية، وكذلك الاستفادة من تناقضات النظام العالمي وصراعاته بشكلٍ إيجابي، دون الانخراط في تلك الصراعات، طبعًا هذا موضوع طويل جدًا يحتاج إلى تعمّق أكبر، ولا يُمكن تفصيله في هذا الحوار.

  • هل تظنّ أن عدم انسجام الحراك سياسيًا وأيديولوجيًا، إضافة إلى غياب قيادة جماعية يشكلان الجانب الأضعف في الحركة الاحتجاجية؟

يستحيل أن يكون هناك انسجام سياسي وأيديولوجي، لأنّ الحراك ليس حزبًا سياسيًا، بل هو حركة شعبية تتميز بالتنظيم الأفقي، وهو عامل إيجابي مادام الحراك أداة ضغط فقط، وليس تنظيم سياسي، لكنّ لهذا التنظيم دور سلبي لأنّه كلما برزت شخصية وأخذت القيادة، يتمّ حرقها سواء من الحراكيين أنفسهم أو من بعض عناصر السلطة ذاتها بتشويهها بواسطة أدواتها الإعلامية، وعلى رأسها وسائط التواصل الاجتماعي، خاصّة إن كانت السلطة تعرف أنّها غير قادرة على توظيف هذه الشخصيات لصالحها.

 الحراك ليس حزبًا كما قلت لك، فهو حركة شعبية تضمّ كل التيّارات الأيديولوجية والثقافية، والمناطق والأطياف السياسية وتعددية الرؤى والمشارب وغيرها، فهو تعبير عن أمّة بكل تناقضاتها السياسية والأيديولوجية والطبقية والثقافية وغيرها، وهي تناقضات طبيعية موجودة في كلّ أمم الأرض، لكن الفرق فقط، هو أن هناك أنظمة رفضت حل هذه التناقضات ديمقراطيًا مثل بلدنا نظرًا لعدم إدراك البعض للأسف، سوًاء في السلطة أو في المجتمع المفهوم الحقيقي للديمقراطية، فلنعترف بوجود البعض يعتقدونها أنها دين أو أيديولوجية في مواجهة أيديولوجية أخرى، فليعلم هؤلاء أنه ليس كذلك على الإطلاق، فالديمقراطية هو الحلّ السلمي لمختلف التناقضات السياسية والأيديولوجية والثقافية والاجتماعية وغيرها الموجودة في كل مجتمع وأمة، وإن كانت تعتمد الانتخابات في كل المستويات، لكن ليس معنى ذلك فرض الفائز في الانتخابات، أي الأغلبية السياسية ما تريده على الجميع.

 لأنّ هذه الأغلبية السياسية اليوم يمكن أن تصبح أقلية غدًا، فالديمقراطية مرتبطة أيضًا بمجموعة مبادئ يجب على الجميع الالتزام بها ومنها: احترام كل الحرّيات دون أي تمييز كان، والتداول السلمي على السلطة بواسطة انتخابات دورية، والتوازن بين السلطات كي لا تطغى أيّة سلطة على الأخرى، وكذلك استقلالية القضاء المكفول بمنع أية وصاية عليه، ويتمّ تسييره عبر مجلس أعلى للقضاء، ينتخب بكلّ حرية من رجال العدالة لمدّة محدّدة، مع ضمان شروط الترشح إلى هذا المجلس.

من أهم مبادئ الديمقراطية، مبدأ المواطنة الذي هو هام جدًا لمجتمعنا، ويجب الترويج له بقوّة في إطار عملية البناء الديمقراطي، فلا يقصد فقط بمبدأ المواطنة كما يعتقد البعض المساواة في الحقوق والواجبات، بل يقصد به أيضًا احترام كل مواطن للآخر، في معتقداته وآرائه وفي كل ما يعتقده ويراه حول أصله أو دينه أو هويته وغيرها.

لكن مع منعه من تعميمها إلى أي كان، أي تبقى هذه المسائل قضايا فردية، وبتعبير آخر نشترك كلنا في الانتماء للجزائر وخدمتها والولاء لها، لكن مسائل الهوية والأصول والمعتقدات وغيرها تتحول إلى مسألة شخصية فقط، وبذلك فقط يمكننا الحفاظ على الوحدة الوطنية المهددة اليوم بصراعات هوياتية خطيرة، فما يجعلنا نبتهج ببعض مكاسب الحراك، هو التطبيق العملي والميداني بداخله في كل المسيرات، حيث نجد كل مواطن يحترم الآخر، حتى ولو اختلف عنه، وهو ما يعتبر بعض بوادر النظام الديمقراطي القادم.

  • ما هو مستقبل الحركة الاحتجاجية في الجزائر، هل تراها سائرة نحو الصعود أم أنها تتجه نحو الخمود؟

يتوقّف ذلك على عدة عوامل، ومنها مدى الوعي الشعبي والإدراك بأن الجزائر قد واتتها فرصة لا يجب تضييعها، وبأن الديمقراطية تبنى لبنة لبنة، ولا يمكن تحقيقها بين ليلة وضحاها، إضافة إلى كيفية تعامل السلطة مع عملية التغيير، وهذه الأخيرة يتحكّم فيها الصراعات والتفاعلات داخل النظام ذاته، فهناك أطراف بداخله تريد فعلًا التغيير، في مواجهة أطراف أخرى ترفض ذلك، فعلى الحراك القيام بقراءة صحيحة للنظام كما أشرت لك آنفا، ومعرفة كيف تستغل بذلك وتوظف إيجابيًا القوى الديمقراطية بداخله بشكل ذكي، دون تنازل أو تخل عن الضغط الشعبي سلميًا بدل إضعافها لصالح قوى معادية لها، فإن تحققت أهداف الحراك على يد الرئيس تبون كما وعد بذلك، فمن الطبيعي أن يتوقف الحراك.

رابح لونيسي: من أهم مبادئ الديمقراطية، مبدأ المواطنة الذي هو هام جدًا لمجتمعنا

ولو أن هناك من يرى ضرورة استمراريته كل جمعة، ولما لا يتمّ تجسيد يوم الجمعة الأسبوعي دستوريًا كيومٍ للتعبير الشعبي، حول رفض الشعب مسائل وقرارات لا تخدمه، ويمكن أن يتحّول إلى يوم لمحاسبة المسؤولين في كل المستويات، سواءً محلية أو وطنية، وهو ما من شأنه فضح تجاوزات أي مسؤول كان، وتجعله تحت طائلة الرقابة الشعبية الدائمة، فتتعزّز بذلك الرقابة الشعبية أكثر التي تتحقق أيضًا بواسطة الإعلام الحرّ والمستقلّ ومختلف المجالس المنتخبة محليًا ووطنيًا، وغيرها من أدوات الرقابة الشعبية التي يجب تعزيزها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار | علي بن فليس: حاصر الحراك الجزائري التصحر السياسي والمغامرة بمصير الدولة

حوار | محمد بن جبّار: الحراك الجزائري تجاوز المثقف والنخبة