حوار| زين العابدين غبّولي: الرئيس القادم سيُمضي وقته باحثًا عن شرعية مفقودة

حوار| زين العابدين غبّولي: الرئيس القادم سيُمضي وقته باحثًا عن شرعية مفقودة

زين العابدين غبولي، باحث جزائري (فيسبوك/ الترا جزائر)

زين العابدين غبولي، باحث جزائري بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، خريج الجامعة الأمريكية في بيروت، ومهتمّ بالقضايا السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والشؤون الجزائرية، يُجيب على أسئلة "الترا جزائر" في هذا الحوار، حول السيناريوهات السياسية المتوقّعة في الجزائر. عن تركيبة النظام السياسي وآلياته في الحكم. عن جدلية أولوية السياسي على العسكري التاريخية، وقضايا أخرى.

زين العابدين غبولي: "إرجاع المؤسّسةالعسكرية  إلى مهامها الأمنية مرتبط أساسًا بشرعية الرئيس القادم"

لا يبدو زين العابدين متفائلًا كثيرًا بمسار حلّ الأزمة في البلاد؛ فإن تمّ فرض الانتخابات حسبه، سيجد الرئيس القادم تركة ثقيلة وشارعًا يغلي وشرعيةً منقوصة، أمّا إلغاء الانتخابات فسيدخل البلاد في أزمة سياسية غير مسبوقة إن لم يتوفّر البديل السياسي للانتخابات، على حدّ تعبيره.

اقرأ/ي أيضًا: ملصقات الانتخابات البلدية في الجزائر.. إخفاق في حرب الصورة

إرجاع المؤسّسة العسكرية إلى مهامها الأمنية في رأي زين العابدين، مرتبط أساسًا بشرعية الرئيس القادم، واستمرار الوضع على ما هو عليه اليوم، قد يحوّل البلاد إلى حلبة صراع لنفوذ قوى كثيرة، ليست فرنسا أوّلها. أمّا وأد الحراك الشعبي باللجوء إلى انتخابات في أقرب الآجال، قد يؤدّي إلى مشكلة أعمق وفق تصوّر الباحث.


  • السلطة السياسية في الجزائر مصمّمة على الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية، المزمع إجراؤها في 12 كانون الثاني/ديسمبر، بينما جزءٌ من الحراك الشعبي يرفض هذا الخيار، في رأيك ما هي السيناريوهات المحتملة؟

أعتقد أن خطّة الرئاسيات جاءت متسرّعة ومحفوفة بالمخاطر. كثير ممن كان يُحسن الظنّ بالسلطة الفعلية في الجزائر، أي قيادة الأركان، بعد الدفع بالرئيس السابق بوتفليقة للاستقالة والدخول في عملية "أيادي نظيفة" ضدّ محيط الرئيس السابق، تفاجأوا بمحاولات فرض خطّة الرئاسيات في ظلّ مناخ سياسي متأزّم. الكثير كان ينتظر ندوة وطنية يتبعها اتفاق سياسي حول مظاهر وميكانيزمات المرحلة المقبلة؛ إلاّ أن الظاهر أنّ قيادة الأركان لا تبحث إلا عن تجديد واجهة النظام المدنيّة.

منذ بداية الحراك الشعبي، كان رأيي يصبّ على أنّ هناك حاجة لتقديم البديل السياسي من طرف القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة. بعد ما يقارب ثمانية أشهر من الحراك، فإن انخفاض عدد المتظاهرين أمرٌ عادي نظرًا للظروف القمعية الحالية وغياب رؤية سياسية براغماتية واضحة للحلّ. كثيرون ممن قرّروا البقاء في المنازل لا يفعلون ذلك باعتقادي لأنهم "اقتنعوا" بخارطة طريق السلطة، بل لأنهم يبحثون عن مشروع واضح يكلّل مطالب 22 شبّاط/فيفري في شكل بديل سياسي مؤسّساتي. أضيف أنّ استمرار الحراك رغم كل محاولات التقسيم والتخوين والتخويف هو في حدّ ذاته أمر غير عادي، ويشير إلى أن استعمال مخطّط الانتخابات لوأد الحراك، لن يؤدّي إلا لمشكلة شرعية أعمق بكثير مما نعيشه حاليًا.

نحن نتّجه حاليًا، في ظلّ تعنّت السلطة الحاكمة وسياساتها القمعية وإصرار الحراك الشعبي على مواصلة النضال السلمي، إلى سيناريوهين يؤدّي كلّ منهما لانسداد سياسي خطير. أولًا، حتى وإذا استطاعت السلطة الحاكمة فرض الانتخابات بالقوّة والترهيب، فإن الرئيس "المنتخب" القادم سيجد نفسه أمام شارع يغلي وإصلاحات تتطلّب سنوات وشرعية غير مشكوك في أمرها، بالإضافة لأزمة اقتصادية تهدّد البلد. وبالتالي، فإن أي انتخابات، في الإطار الحالي، لن تؤدّي إلا لرئيس يمضي وقته باحثًا عن شرعيته المفقودة وفي وجه قوى سياسية واجتماعية كثيرة ترفض التعامل معه.

ثانيًا، إذا تمّ إلغاء مشروع الانتخابات، بسبب الوضع الحالي، ورغم أن مخطّط السلطة حاليًا يبدو بعيدًا عن هذا التصوّر، فإننا سنجد أنفسنا أيضًا أمام أزمة سياسية غير مسبوقة خصوصًا إن لم يتوفّر البديل السياسي للانتخابات. في مثل هذه الحالة، قد تضطر السلطة الحاكمة اضطرارًا لفرض الحالة الاستثنائية أو حالة الطوارئ والمرور نحو مرحلة انتقالية بشروط السلطة.

ما دامت القوى السياسية والاجتماعية عاجزة عن تقديم البديل السياسي، لملايين الجزائريين الذين خرجوا يوم 22 شبّاط/فيفري للتخلّص من هذا النظام، فإن النظام لن يتزحزح بسهولة ولا بسلمية. الفراغ السياسي يؤدّي للصدام، عاجلًا أم آجلًا.

  • ما هي بنية النظام السياسي في الجزائر؟

النظام السياسي الجزائري يختلف عن بقيّة أنظمة المنطقة، في قدرته على التأقلم مع كثير من الأوضاع السياسية والسوسيو- اقتصادية بالإضافة لانغلاقه على نفسه كعلبة سوداء ما يجعل دراسته مستعصية على الكثير من المحلّلين، خصوصًا الأجانب. إلا أنه، ومتابعة لتاريخ هذا النظام منذ استقلال الجزائر، والتحوّلات السياسية التي مرّ بها البلد، فإنه يمكننا القول إنّ النظام ينقسم إلى أربعة أجزاء، واحد أساسي وثلاثة كدعامة.

أولًا، الأجهزة الأمنية وفي مقدّمتها حاليًا قيادة الأركان. منذ استقلال الجزائر، تمحورت السلطة في يد المؤسّسة العسكرية، فطالما كانت صاحبة القرار الأخير فيما يخصّ كلّ التطوّرات السياسية. داخل المؤسّسة العسكريّة، لطالما كانت هناك اختلافات بين أقطاب ذي مصالح متباينة، وطوال آخر سنوات حكم بوتفليقة، تجلّى هذا الاختلاف في التصادم بين قيادة الأركان وجهاز المخابرات والذي انتهى بتفكيك هذا الأخير وتحوّل قيادة الأركان لمركز السلطة الرئيسي حاليًا. تتميّز هذه الأجهزة الأمنية المسيطرة على القرار السياسي في البلاد، باحتكارها للعنف والذي يتحوّل في يدها إلى آلة قمعية.

تحيط القيادة العسكرية نفسها بثلاثة دعامات أساسية للحفاظ على "النفوذ السياسي، المصالح الاقتصادية، والاحتكار المعلوماتي".

الأجهزة السياسية: تعتمد القيادة العسكرية في تسييرها للبلد، على مجموعة من الأجهزة السياسية التي تمثل واجهة الحكم المدنية، وتضفي بدورها شرعية "ديمقراطية" على قرارات المؤسّسة العسكرية. منذ الاستقلال ولغاية ما يسمّى بالانفتاح السياسي أواخر الثمانينات، لعب الأفلان دور الجهاز السياسي؛ إلا أنه ومنذ إقرار الدستور الذي أجاز التعدّد الحزبي، اتّسعت رقعة الأجهزة السياسية التي تمثل واجهة الحكم المدنيّة، خصوصًا في ظلّ تخمة أصابت المشهد الحزبي الجزائري الذي أصبح يتميّز بأحزاب السلطة المجهرية.

الأجهزة المالية: وراء الأجهزة السياسية الداعمة للسلطة الفعلية في الجزائر، نجد شبكة واسعة ومتشعبة من شخصيات لها ثقلها في مجتمع المال والأعمال. هذه الشخصيات تمثّل الدعامة المالية والاقتصادية للسلطة الفعلية وتكرّس للزبائنية السياسية لضمان دعم أغلبية الفواعل الاجتماعية للسلطة. تتميّز هذه الأجهزة المالية بالفساد، المحسوبية، وقربها من مراكز صُنع القرار، ممّا يسهل عملية ثرائها خصوصًا عبر الاستفادة من المشاريع العمومية.

الأجهزة الإعلامية: آخر أداة للسلطة الفعلية في الجزائر هي القطاع الإعلامي؛ حيث نجد أن السلطة دائمًا ما اعتمدت على مجموعة من وسائل الإعلام والاتصال لإيصال صوتها والدفاع عن مشاريعها لدى الشارع الجزائري. إلى وقت قريب، كان الإعلام العمومي بالإضافة لبعض الجرائد المحسوبة على السلطة هي من تقوم بالدعاية الإعلامية. بعد فتح مجال السمعي البصري، توسّعت كذلك رقعة الإعلام الموالي للسلطة ولعل الفترة السابقة، منذ 22 شبّاط/فيفري، أثبتت للكثيرين حقيقة الإعلام الجزائري.

  • رغم كل التحوّلات العالمية، لا تزال معادلة أولوية السياسي على العسكري تُطرح في المسرح السياسي الجزائري منذ نصف القرن، لماذا في رأيك؟

يعود السبب الأساسي لطبيعة نظام الحكم في الجزائر، وسنداته الدستورية والمؤسّساتية؛ أولًا، السلطة الفعلية تعود للمؤسّسة العسكرية التي تمتلك سلسلة من الخطوط الحمراء التي لا يتمّ السماح لأيّ كان بتعدّيها. يعني هذا أن المؤسّسة العسكرية لا تتقاسم نفوذها ولا امتيازاتها السياسية كركيزة لنظام الحكم مع أيّ كان، ولا تسعى لكسب ودّ أي طرف سياسي، بل عادة، تسعى الأطراف السياسية المختلفة لكسب ودّ المؤسسة العسكرية طمعًا في النفوذ. لهذا، لا يزال العسكري صاحب الأولوية في المعادلة السياسية في الجزائر.

أيضًا، ضعف المؤسّسات الأخرى، من برلمان، ورئاسة، وجهاز قضائي، يؤدّي إلى توغّل المؤسّسة العسكرية في كل مراكز صنع القرار وانفرادها بالحكم، ويُصعّب من مهمة إيجاد فهم جديد للعلاقات المدنية-العسكرية، لأنّ الأمر يتطلب تغييرًا في موازين القوى داخل النظام الجزائري.

  • حاول نظام بوتفليقة السيطرة على المؤسّسة العسكرية، لكنه في الأخير فشل في ذلك على ما يبدو، وعادت مؤسّسة الجيش إلى الواجهة السياسية والإعلامية بقوّة، ما هي قراءتك؟

حاول بوتفليقة فعلًا، ممثلًا لمؤسّسة الرئاسة، في بسط نفوذه على المؤسّسة العسكرية، وبدا ذلك جليًا، خصوصًا حينما أبعد الكثير من الأسماء الثقيلة طوال فترة العشرية السوداء من رواق وزارة الدفاع في عهدته الأولى والثانية. إلا أنّه لم يتمكن على الإطلاق من الحصول على كافة مفاتيح السلطة وسحب البساط من تحت القيادة العسكرية. بل قد تحوّل بوتفليقة، ومعه مؤسّسة الرئاسة، لورقة تم استغلالها خلال تصادم بين قيادة الأركان والمخابرات والتي رسمت واقعًا جديدًا لنظام الحكم الجزائري، تمثّل فيه قيادة الأركان الطرف القوّي الوحيد.

أعتقد أن إرجاع المؤسّسة العسكرية لمهامها الأمنية دون أيّ تدخل سياسي مرتبط أساسًا بشرعية الرئيس الذي يتولّى مهمّة كهذه. كل رؤساء الجزائر منذ الاستقلال منتوجًا لمنظومة التزوير، وهم فاقدون، حتى وإن كانوا ذي نيّة حسنة، لأي شرعية شعبية يستطيعون من خلالها تمدين نظام الحكم وتفادي عسكرة القرار العسكري.

  • بعد قرابة 8 أشهر من الحراك الشعبي، لم يستطع الحراك صناعة أي قوّة تنظيمية تمثيلية، لماذا في رأيك؟

طبيعة الحراك الشعبي التي لا تملك تمثيلًا ولا تأطيرًا واضحًا كانت لزامًا في البداية، وخصوصًا خلال الشهر الأوّل، لتفادي قتل الحراك باعتقال رؤوسه، وهو ما كانت السلطة ستفعله لا محالة. في البداية أيضًا، كان المطلب الرئيسي المناهض للعهدة الخامسة مطلبًا لا يحتاج آليات دقيقة لتحقيقه، وبالتالي تأطير الحراك كان مبكّرًا. اليوم، ولأنّ تغيير النظام يتطلّب آليات أكثر تعقيدًا، وتوافقًا سياسيًا على أكبر مستوى وطني، فإنّ تأطير الحراك، انطلاقًا من القواعد الشعبية، أمرٌ مهمُّ في مواجهة السلطة الفعلية. إيماني أنّه من غير المعقول أن تتفاوض السلطة الفعلية مع أربعين مليون جزائري، والمستبعد أن تترك هذه السلطة مكانها دون أن يقدّم المتظاهرون بديلًا سياسيًا يحشر هذه السلطة في الزاوية.

السلطة مدركة لهذا الأمر، ولذلك، فقد تزايدت وتيرة الاعتقالات والقمع طوال الأشهر الأخيرة. تُحاول السلطة منع الجزائريين عن مناقشة مصير وطنهم في جوٍّ ديمقراطي ومدني لأنها تعلم أن هذا النقاش سيُفضي لبديل سياسي. الحراك هو ضحيّة الظروف التي ولد فيها ولا زال يسعى من خلالها لتغيير النظام. عجزه عن صناعة قوّة تنظيمية يعود لمناخ القمع، التعسّف، وتقييد الحريّات الذي نعيشه منذ أشهر وبوتيرة متسارعة. كذلك، لا يجب أن ننسى أننا لا زلنا نتعامل مع مجتمع ما بعد-بوتفليقة، بكل ما يحمله من تفكّك، انقسامات أيديولوجية، واستقطابات سياسية. اعتقادي أن الحراك يُمكنه تقديم البديل ويحتاج مزيدًا من الوقت رغم كل القمع.

  • في رأيك لماذا لم تستطع الأطر والأحزاب التقليدية استغلال الحراك الشعبي لخلق ميزان قوى في مواجهة السلطة؟

خروج الجزائريين يوم 22 شبّاط/فيفري كان بطبيعة الحال ضدّ العهدة الخامسة لكنه تطوّر إلى رفض للساحة السياسية السائدة منذ سنوات. من بين مميزات هذه الساحة هي أحزاب "المعارضة الكلاسيكية" التي لا يرى فيها الكثيرون إلا امتدادًا لحالة التصحّر السياسي وخطاب "الصالونات". فقد الشعب ثقته في الطبقة السياسية لأنّها على مدى عشرين سنة، لم تستطع تقديم البديل بل وذهب الكثيرون من هذه الطبقة لحضن النظام لسنوات قبل لعب ورقة "المعارضة". الأطر والأحزاب التقليدية تُعاني من الانقسامات الأيديولوجية والسياسوية، وفاقدة للدعم الشعبي مما يجعلها عاملًا غير مؤثّر في التغيير في الجزائر. الجزائريون ينتظرون البديل ممن لم تتلطّخ يداه بممارسات النظام، وهو ما يفقده كثير من الأحزاب السياسية. باعتقادي، تغيير نظام الحكم في الجزائر يلزمنا كذلك بتغيير الطبقة السياسية وفتح المجال لأحزاب جديدة، تقودها كفاءات شابة، للمساهمة في تقرير مصير الجزائر.

  • هل تُشكّل الأحداث في الجزائر جزءًا من التحوّلات والصراعات الإقليمية وتموقعات المناطقية؟

الجزائر غير منفصلة عمّا يحدث في المنطقة إلا أنّ هناك ميزة جوهرية لما يحدث في الجزائر: الحراك الشعبي هو منتوج جزائري قد يحمل آثارًا إقليمية. يعني هذا أنّ تغيير نظام الحكم في الجزائر قد يحمل تغييرات إقليمية مهمّة تصنع واقعًا جديدًا خصوصًا فيما يتعلّق بموازين القوى. غير أن استمرار الحال على ما هو عليه من ضبابية سياسية قد يؤدّي لتحويل الجزائر من مصدر تغيير إقليمي إيجابي إلى حلبة صراع لنفوذ قوى كثيرة؛ وبالتالي نتيجة لصراعات دولية أكبر من الجزائر.

نحن لا زلنا في فترة تسمح لنا بحلّ مشكلتنا بطريقة جزائرية، إلا أن عجزنا عن إيجاد توافق سياسي، سيؤدّي إلى الانسداد ومنه إلى أزمة تهدّد استقرار المنطقة، وتستدعي بالتالي، تدخّل الأطراف الفاعلة في السياسة الدولية.

من جهة أخرى، أظن أنّ ما يحدث في الجزائر هو طرف في تغيير مهم في السرديات والأطروحات الغربية. لوقت قريب، كانت السياسة الغربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قائمة على دعم الاستقرار، ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية. بعد ما حصل في سوريا وليبيا، وتأكّد الغرب أنّ أي مشكلة في هذه المنطقة ستحمل آثارها لأوروبا خصوصًا، فهمت دول غربية كثيرة أن وهم "الاستقرار" في ظل حكم دكتاتوري وقمعي لن يدوم، ولهذا من الأفضل للمصالح الغربية أن يكون هناك دعم للتيارات الديمقراطية والليبرالية في المنطقة لتفادي أيّ انفلات أمني أو أزمة حكم.

  • ما مدى مصداقية النفوذ الفرنسي في الجزائري على المستوى القرار السياسي والتواجد الاقتصادي؟

الجزائر، كدولة حديثة الاستقلال، هي بكلّ تأكيد أضعف من أن تملك مفاتيح كل سيادتها في ظرف وقت وجيز خصوصًا ما دامت في طور مرحلة بناء مؤسّسات ديمقراطية. إلا أنّ الحديث عن وصاية متكاملة لفرنسا على كل مقاليد الحكم في الجزائر أمرٌ مبالغ فيه لسبب بسيط: فرنسا ليست القوّة العالمية الوحيدة التي تملك مصالحًا في الجزائر. بطبيعة الحال، تملك الدولة الفرنسية، كغيرها، مصالحًا تحافظ عليها وتدافع عنها في الجزائر، وهذا ليس عيبًا، بل هو أساس العلاقات الدولية وهو ما يفترض بكل التمثيليات الدبلوماسية الجزائرية فعله في الخارج أيضًا، بما في ذلك في فرنسا. غير أن الجزائر، ولموقعها الاستراتيجي، وثرواتها الطبيعية، تمثل كنزًا أيضًا لقوى أخرى في مقدّمتها روسيا، الولايات المتحدة، وبصفة متزايدة، الصين ودول الخليج.

 باريس ليست العاصمة الوحيدة التي لها تواجد في كواليس السياسة الجزائرية

من السذاجة الاعتقاد أن هذه القوى ستسمح لفرنسا بالتوغّل والتحكّم في الجزائر، ما سيهدّد فعليًا مصالح هذه القوى. القرار السياسي في الجزائر تتخذه القيادة العسكرية حسبما يحفظ مصالحها. تحالفات الجزائر الاستراتيجية تتبع منذ مدّة طويلة القطب الروسي وحلفاءه أحيانًا ضد الرّغبة الفرنسية. اقتصاديًا، شريك الجزائر الرئيسي في مبادلاتها التجارية هو الصين التي تمّ الدخول معها في مشروع "طريق الحرير"، ما قد يكلّف كثيرًا من القوى، ومن بينها فرنسا، أرباحًا كبيرة في الجزائر.

عسكريّا، لا تزال روسيا المورد الأساسي للأسلحة نحو الجزائر. لهذا، شخصيًا، لا أرى سببًا لتضخيم "الدور الفرنسي" إلا من طرف من يريد أن يستخدم فرنسا كمصطبة لخطاب شعبوي. الجزائر أخذت استقلالها الرسمي في 1962 وقطعت كل رابطة وصاية كانت تمارسها فرنسا. تربطنا بطبيعة الحال علاقات اقتصادية، ثقافية، تاريخية، واجتماعية مع فرنسا نتيجة لاستعمارنا لفترة 132 سنة، إلا أن باريس ليست العاصمة الوحيدة التي لها تواجد في كواليس السياسة الجزائرية، بل إن عواصم أخرى كموسكو وواشنطن ومستقبلًا بيكين، تجعل الدور الفرنسي محتشمًا في مسائل وأحيان كثيرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجزائر..الانتخابات البرلمانية تبدأ من الفيسبوك

الانتخابات التشريعية الجزائرية.. تأمّلات من الواقع