حوار| سليمان بن واري: أبحث عن تطهيرٍ ذاتيٍّ من خلال حرفة التّمثيل
27 فبراير 2026
بدأ المسارُ الفنّيُّ للممثّل سليمان بن واري (1983) تدريجيًّا منذ طفولته في قريةِ حمّامِ قرقورَ بولايةِ سطيف، شرقَي الجزائر، حيثُ التحق خلال دراسته الابتدائيّة بجمعيّة نشاطات "شبابِ البلاغ"، وهناك اكتشفَ متعةَ الوقوفِ على الخشبةِ، وانطلقت بداياتُه الفنيّة. ولم تنقطع صلته بذلك المكان، حيثُ عاد إليه بعدَ احترافه، ليُسهم عبر نشاطه الجمعويِّ والفنّيِّ في تنشيط الحركة الثقافيّة واكتشاف مواهبَ جديدة.
خلال دراسته الجامعيّة، التحق بالمعهد العالي للفنون الدراميّة، المعروف اليوم بالمعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري، ضمن دفعة (2004/2003)، وتخرّج سنة 2007. وخلال عام تخرّجه، شارك في عدّة أعمالٍ بالمسرح الوطنيّ، غير أنّ انطلاقته الفعلية في المسرح المحترف تكرّست سنة 2009 حين عمل مع المخرج العراقيّ في مسرحيّة "مسرى".
بعد ذلك، تنوّعت أدواره في أعمال مثل "كلام" و"شخوص وأحداث"، كما اشتغل مساعد مخرج في مسرحيّة "فوضى" ضمن إنتاجات المسرح الوطنيّ، ثم وسّع نشاطه ليشمل مسارحًا جهويّة، فشارك سنة 2012 في "مرآة" بمسرح معسكر، وقدّم "جرعة حقيقة" بمسرح باتنة، إضافة إلى عروض في مسرحي سعيدة وسكيكدة الجهويّين.
في السّينما، كانت بدايته سنة 2007 من خلال فيلم "ڨبلة" للمخرج طارق تڨية، وبعد انقطاع قصير، عاد للمشاركة في أعمالٍ ثوريّة مع المخرج أحمد راشدي ، حيث لعب دورًا في فيلم "كريم بلقاسم"، وجسّد شخصية الشّهيد العربي بن مهيدي في فيلم "العقيد لطفي"، كما شارك في فيلم "أسوار القلعة السّبعة" للمخرج نفسه.
خاض تجربة التّمثيل في الفيلم القصير عبر فيلم "سيعود" للمخرج يوسف محساس ، و"زهرة الصحراء" للمخرج أسامة بن حسين، وقد لقيت عروضهما إشادة في مهرجانات محلّيّة ودوليّة.
على مستوى الدّراما التّلفزيونية، وسّع حضورَه من خلال مسلسل "عين الجنّة" للمخرج أسامة بن حسين، ومسلسل "انتقام الزّمن" للمخرج ادريس بن شرنين، حيث أتاحت له هذه الأعمال استكشاف شخصياتٍ مُتنوّعة ضمن قالبٍ دراميٍّ مؤثّر.
لكنّ المنعطف الحاسم في مسيرة سليمان بن واري السّينمائية كان قبل ذلك، مع أدائه أوّل دورٍ رئيسٍ في الفيلم الرّوائي الطّويل "أبو ليلى" للمخرج أمين سيدي بومدين، إلى جانب إلياس سالم، وهو الدّور الّذي يُعدّ انطلاقته الحقيقية في احتراف التّمثيل السّينمائي وترسيخ حضوره على الشّاشة الكبيرة.
يتركّز حوارنا اليوم مع سليمان بن واري على دور "محمد" في مسلسل "فاطمة" للمخرج جعفر قاسم، وكذلك مسلسل "مولات الدّار" لداميان أونوري، ضمن الموسم الرّمضاني الحاليّ، حيث يحدّثنا عن اختياره لهذه الأدوار، عن رؤيته لأحوال الدّراما الجزائرية، وعن هواجسه الشّخصية كفنّان وممثّل دائم التّنقيب عن الأدوار المختلفة.
تُجسّد في مسلسل "فاطمة" شخصيةً وقورةً تتحرّك داخل توتّرٍ دراميٍّ كثيف ينتقل إلى ذاكرةٍ فنيةٍ وتاريخيةٍ مُشتركة، كيف اشتغلتَ على البُعد الدّاخلي لهذا الدّور لتجنّب أيّ افتعال، والحفاظ على صدقٍ عضويٍّ في الأداء أمام الكاميرا؟
أعترف بوجود صعوباتٍ في تخيّل دواخل الشّخصية التّاريخية وشكلها الخارجيّ، خاصّةً تلك المُرتبطة بتاريخ بلدك وعاداتك وتقاليدك المُتوارثة، وهذا ما جعلني في البداية حذرًا بصفتي ممثّلًا يهوى اكتشاف الأدوار المختلفة.
عملتُ من النّاحية الجسدية والحركية لهذا الدّور على إنقاص ما يمكن تسميته "الشّوائب" في حركات وطباع "سليمان "، وهذا مكّنني من تقمّص حركات وأساليب شخصية "محمّد" الّتي تتميّز بالاتّزان والرّصانة المفرطة والغموض، وذات سيرةٍ محترمةٍ في محيطها.
أمّا من الجانب الدّاخليّ والنّفسيّ، فقد كان الأمر أصعب بكثير، لأنّ شخصية محمّد حملت عبئًا كبيرًا وأسرارًا عديدة، إضافةً إلى عدم القدرة على البوح بما يخالجها وما تعاني منه، ما جعل الاشتغال على الجانب النّفسيّ لهذه الشخصية مهمّةً مركّزةً جدًّا. وأتمنّى أن أكون قد وُفّقت في ذلك ولو قليلًا.
يبدو أنّ مسلسل "فاطمة" يطرح سؤال موقع الفنّانة المرأة في مواجهة المجتمع والزّمن والتّاريخ، إلى أيّ مدى تردّد صدى هذا العمل في حساسيّتك كممثّل، وفي علاقتك الشّخصية بفكرة الحلم الفنّي والذّاكرة والمرأة؟
تطرح قصّة هذا العمل الدّرامي في حدّ ذاتها معاناة المرأة والفنّانين مع المجتمع والمُحيط، وهذا ما يزيد من حساسيّتنا كممثّلين تجاه هذه المسألة، فبصفةٍ أو بأخرى نحن معنيّون بذلك، سواء كان الأمر في الماضي أو في الحاضر أو حتّى في المستقبل.
نحن نعرف جيّدًا تركيبة مجتمعنا وتقاليدنا وأعرافنا، وكلّ ما يطرح حساسيّةً كبيرةً تجاه هذا الموضوع، لهذا تظلّ مُعالجة قضية مقاومة المرأة الفنّانة الّتي تكافح كثيرًا من أجل فنّها، خاصّةً في فتراتٍ تاريخيةٍ سابقة، معضلةً قارّةً ورهانًا حقيقيًّا في الزّمن الحاضر. إنّها مسؤوليّةٌ كبيرةٌ علينا تحمّلها كفنّانين وكأفرادٍ في مجتمعٍ ما زال يحتضن سلبيّاتٍ فكريةً مماثلةً تجاه المرأة، والفنّ والفنّانين. علينا تقديم الكثير من الأعمال من هذا النّوع بغية القضاء على تلك النّظرة وتلك الأحكام، أو الحدّ منها قدر المُستطاع.
تنتقل في مسلسل "مولات الدار" نحو سجلٍّ أقرب إلى الرّيتم اليوميّ الاجتماعيّ والعلاقات العائلية في الزّمن الحاضر، ما الذي استهواك في هذه اللّوحة الإنسانية، وفي النّبرة التي يقترحها العمل؟
إنّ دوري في مسلسل "مولات الدّار" مختلفٌ تمامًا، وهو في الحقيقة أقرب إلى ريتم الحياة العادية اليوميّة الّتي نعيشها، لكنّ فيه طرحًا مختلفًا نوعًا ما.
بصراحة، إنّ ما جعلني أتحمّس لخوض هذه التّجربة كان اتّصال صديقي المخرج السّينمائي داميان أونوري الّذي سبق لي أن تعاملتُ معه، إضافةً إلى ميولي الكبير للعمل مع القادمين من المجال السّينمائيّ، وهذا ما استهواني حقيقةً حتّى قبل الاطّلاع على سيناريو العمل، لأنّ المخرج شرح لي في اتّصاله كلّ الخطوط الكبرى لهذا المسلسل، فقبلتُ الدّور قبل قراءة السّيناريو. أي إنّ وجود داميان أونوري هو ما جعلني ألعب ذلك الدّور محبّةً منّي لشخصه ولمشواره السّينمائيّ.
تتطلّبُ الدّراما الاجتماعية دقّةً شبه موسيقيةٍ في الإيقاع والأداء، كيف تبني هذا التّوازن بين الخفّة الظّاهرة والعمق الإنسانيّ للشّخصية دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
شخصيًّا، أحاول دائمًا وفي كلّ مرّة أن أبلغ درجة الإصابة والاتّزان في أدائي التّمثيليّ، وفي بعض المرّات لا ألجأ إلى تعقيد طريقة عملي.
كلّ ما في الأمر أنّني أعمل في ما أقدّمه من أعمال على محاكاة الواقع بكلّ حقيقته وعُريه، كما أحاول على أن أكون جيّدًا كفايةً في أدواري بكلّ ما أوتيتُ من قدرةٍ على الاشتغال والتّشخيص، وهذا ما يصنع الممثّل الّذي أكونه.
يحوّل رمضان الدّراما التلفزيونية إلى موعدٍ جماعيٍّ واسع التأثير، كيف تعيش هذا التّكثيف للأعمال في فترةٍ زمنيةٍ قصيرة؟
قبل أن أكون ممثّلًا، أنا متلقٍّ ومُشاهدٌ وفردٌ من المجتمع أيضًا، وكمشاهد، لاحظتُ وفرةً كبيرةً في الأعمال الدّرامية مؤخّرًا، لكنّني دائمًا ما أختار دائمًا عملًا أو عملين لأتابعهما بشكلٍ جيّد خلال الموسم الرّمضانيّ، كما أحرص على مشاهدة أعمالٍ أخرى غير تلك الّتي شاركتُ فيها، حتّى أستمتع وأتابع الزّملاء بعيدًا عن العين التّقنية والنّقدية للفنّان داخلي.
أحرص على تقديم عملٍ أو عملين في كلّ فترة، وأعترف أنّني مُقلٌّ في الأعمال الدّرامية. إنّه خيارٌ شخصيّ يُريحُني.
تَحضُرُ في عملين خلال الموسم نفسه، هل تشعر بمسؤوليّةٍ مضاعفةٍ تجاه الجمهور الّذي يكتشفك عبر وجهين مختلفين في ذات الوقت؟
في الواقع، دائمًا ما أحاول أن أكون جيّدًا في الاشتغال على أدواري، وأن أمنح من روحي بكلّ صدقٍ وإخلاص في كلّ عمل، لكنّني بصراحة لم أعد أشتغل لإرضاء الجمهور منذ مدّة، فهناك كثيرون ممّن يقدّمون أعمالًا "يطول الحديث عن مدى سوئها" ومع ذلك، يجدون صدى لدى المشاهدين. لهذا لم أعد أكترث، كما أنّني لا أعاني من أيّ ضغطٍ من هذا الجانب.
بعيدًا عن الأدوار وبريق الظّهور الرّمضانيّ، عمّ تبحث اليوم في مهنة التّمثيل؟ عن اعترافٍ أوسع، عن تحوّلٍ داخليٍّ متجدّد، أم عن تلك المسافة الغامضة الّتي تدفع الفنّان إلى إعادة اكتشاف ذاته مع كلّ تجربةٍ جديدة؟
منذ البداية، كان حبّي للتّمثيل بعيدًا عن حبّ الظّهور والنّجومية، كما لم أحبّ الأضواء يومًا، لأنّني إنسانٌ بسيط وأحبّ العيش البسيط أيضًا.
أظنّ أنّ الشّيء الّذي يدفعني إلى المواصلة في مهنة التّمثيل هو أنّ كلّ تجربةٍ تمثيلية تمنحني شيئًا من المُتعة الدّاخلية، وفي كلّ مرّة يغدو الأمر وكأنّه نوعٌ من الإدمان. فأنا أبحث عن تطهيرٍ ذاتيٍّ من خلال حرفة التّمثيل، عن راحةٍ تمنحني إيّاها أدواري المُختارة.
أمّا من النّاحية العملية، فأنا دائمًا في رحلة بحثٍ عن أشياء جديدة، واكتشافاتٍ ولقاءاتٍ مختلفة، كما أجد فُرصًا لتجريب قدراتي التّمثيلية والإنسانية وتطويرها، حتّى أعرف إلى أيّ مدى أستطيع التّحكّم في أدواتي. ويبقى أهمّ شيءٍ بالنّسبة لي هو تلك المتعة المُكتسبة خلال هذه الرّحلة وإدماني المتواصل عليها.

الكلمات المفتاحية
ثاني أقدم زيتونة في العالم.. هنا مهد القديس أوغسطين ومحراب خلوته الروحية
دأب سكان مدينة سوق أهراس منذ عقود طويلة على مشاهدة سياح أجانب يداومون على زيارة هده الزيتونة في تتبع لمسار أوغسطين الخالد عبر هذه الربوع المقدسة لديهم، والممتدة عبر الزيتونة المباركة، وتاورة، ومادور
تزامنًا مع زيارة البابا.. الجزائر تتحرك لتصنيف المسارات الأغسطينية لدى اليونسكو
تضم "المسارات الأغسطينية" مجموعة من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية المنتشرة عبر شرق ووسط الجزائر، من بينها هيبون (عنابة)، كالاما (قالمة)، تيبيليس (سلاوة عنونة)، توبيرسيكو- نوميداروم (خميسة)، مادور (مداوروش)..
الجزائر تودع ملفات البلوزة وأغاني المداحات لدى اليونسكو
بحسب بيان وزارة الثقافة والفنون "جاء في مقدمة هذه الملفات التراثية ملف فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري الكبير: معارف، ومهارات ومراسم
المدرب بيرة يطالب بتدخل الرئيس تبون.. ما القصة؟
أكد بيرة في رسالته أن الوضع الحالي لكرة القدم الوطنية لم يعد يحتمل المعالجات الجزئية أو الردود الظرفية، بل يتطلب رؤية شاملة ومؤسسة على أعلى مستوى في الدولة،
لبلوغ النهائي.. شباب بلوزداد يبحث عن "ريمونتادا" أمام الزمالك
ويدرك الفريق البلوزدادي أن المهمة لن تكون سهلة أمام منافس بحجم الزمالك، حيث سيكون مطالبًا بتسجيل هدفين على الأقل لقلب الطاولة، في لقاء ينطلق على الساعة السادسة مساءً بتوقيت القاهرة، وفق قرارات السلطات المصرية المتعلقة بترشيد استهلاك الكهرباء.
سيناتور فرنسي: الحوار بين باريس والجزائر ضرورة لتجاوز الأزمة
وأضاف ملولي أنّ "الحل يكمن في الحوار المتوازن والاعتراف المتبادل بالمصالح بين الجزائر وباريس، داعيا في معرض حديثه إلى تعزيز الحوار والتقارب بين الشعبين الجزائري والفرنسي
حوار |عبد المالك بوشافة: المعارضة مُشتتة.. والمشهد السياسي لن يتغير بعد التشريعيات
في حوار خاص مع "الترا جزائر"، يستعرض عبد المالك بوشافة، الأمين الوطني السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية (2016–2017)، أبرز التحديات التي تواجه الساحة السياسية الجزائرية، لاسيما ما يتعلق بالمعارضة. ويقدّم من خلال هذا اللقاء قراءة معمّقة لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، إلى جانب تحليله للخريطة البرلمانية المرتقبة في ضوء الانتخابات التشريعية القادمة.