حوار| عبد الحق بن زايد لـ"الترا جزائر": كتاب بلزمة يُوثق جرائم الاستعمار الفرنسي من أرشيف قادته
20 فبراير 2026
في مؤلَّف "كتاب بلزمة دراسة تاريخية بوثائق أرشيفية تنشر لأول مرة"، للباحث في التاريخ عبد الحق بن زايد، الصادر منذ أيام باللغة الفرنسية في أكثر من خمسمائة صفحة، بالتوازي مع ترجمة عربية أنجزها البروفيسور الربيع عولمي والدكتور عاشور منصورية في أكثر من ثمانمائة صفحة، يتطرق الكاتب، المتخصص أيضا في اللغة الإنجليزية، إلى مجازر عديدة ظلت مجهولة تماما وواكبت حملة الاحتلال الفرنسي على الأوراس الغربي شرقي الجزائر.
لم يتسن لهذا المحقق التاريخي ذلك إلا بفضل تنقيبه المستمر على مدار عشرين سنة في الأرشيفات الفرنسية، سواء تلك المطمورة في أكس أون بروفانس أو في مركز وزارة الحربية بفِنسان، إضافة إلى اتقانه اللغة الإنجليزية، ما مكّنه من الحصول على مصادر أمريكية اقتناها من حر ماله دون أن يكشف رقمها الخيالي.
يقول عبد الحق بن زايد بصوت مبحوح راجع لآثار عملية جراحية في الحبال الصوتية لـ"الترا جزائر": "احتفظت دوما بشغف خاص للتاريخ؛ فقد سبق لي كتابة أكثر من مائة مقال عن بلزمة. وثمة حادثة حزّت في نفسي طويلا، وهي أني كنت بصدد كتابة بحث عن تاريخ بريطانيا، وقد تجشمت مشرفتي عناء التنقل إلى سفارة بلدها لتوفر لي مراجع قيّمة. أدركت مدى اعتناء هؤلاء بتاريخهم وذاكرتهم. وهذا الأمر قرأته أيضا عن اليهود الذين رفضوا إزالة محتشد أشويتز الذي شهد المحرقة؛ إذ عرض بعضهم مبالغ طائلة لشراء أسلاكه وأغراضه بغرض إبقائه كما هو شاهدا حيا يخدم قضيتهم، حتى وإن كان مأساة. لذلك، وإزاء المآسي الكثيرة التي عرفها شعبنا، قررت أن أفتح بعض الخزائن السرية للأرشيف الفرنسي، وهو متاح للجميع، عدا أرشيف التجارب النووية واستعمال الغازات السامة. وهنا تحضرني قصة؛ لقد رأيت أرشيف الغازات السامة المستعملة في غار أو شطوح، فاتصلت بصديقي كريستوف لافاي الذي أنجز تحقيقا تاريخيا مذهلا اخرجته كلير بييه بعنوان، وحدة الأسلحة الخاصة، ليتفاجأ بإعادة غلقه من جديد".
150 وثيقة تاريخية
اعتمد الباحث على وفرة طاغية من الأرشيفات المكتنزة في أروقة مطامر الوثائق الخاصة بفرنسا، وعلى منهج تحليلي دقيق، كلمة كلمة وسطر سطر، فيضيف: "جمعت ما يقارب 150 وثيقة أصلية، وقسم كبير منها يحتوي فجائع وفظائع يندى لها جبين الإنسانية. بعض الأحداث مروعة للغاية، وهي تنشر لأول مرة بوثائق فرنسية، أي بشهادة أهلها، أي قادة كبار في العسكرية الفرنسية، ما يضفي عليها طابعا رسميا لا يقبل النقض بل يستدعي الإدانة. حتى إني كنت أستبدل اسم الماريشال ماكماهون بمسمى ماكطاعون، لكثرة السكان المبَادين".

وفي مسح شامل لمختلف المقاومات الشعبية التي هزت الأوراس عقب الاحتلال الفرنسي وتأثيراتها الوخيمة على السكان، منذ المعارك الأخيرة لأحمد باي ضد الدوق دومال عام 1844، بثورات أولاد سلطان والزعاطشة، تبرز أحداث تجدر الإشارة إليها رغم تساويها في الفظاعة. وفي هذا الصدد يكشف: "قد يشعر أي باحث بسرور حين يميط اللثام عن حقائق مجهولة يكون سببا في تسليط الضوء عليها، ويسمى هذا سبقا، لكني لم أشعر بذلك؛ فقد كنت أبكي وأنا أكتب بعض الفصول، خاصة مجزرة أولاد سلام لقبالة ضواحي رأس العيون، ومأساة قبيلة البراكتة".
يوضح عبد الحق أنّ هذا "الأمر هنا لا يتعلق بمواجهة عسكرية، بل بإبادة نساء ورجال وأطفال عزل، كما فعل الجنرال ليفاسور عقابا لأولاد سلام لقبالة على استقبال موفد الأمير عبد القادر عام 1845 لغرض التحريض على الثورة."
ويتابع قوله: "لقد أباد ليفاسور وقطع رقاب وأبدان 150 شخصا، حيث نشرت صحيفة لوتولوني في عددها 145 بتاريخ 17/01/1846 رسالة ضابط فرنسي من فرع سطيف جاء فيها حرفيا: "تم تدمير عدد كبير من الخيام، وتجاوز عدد القتلى 150 رجلا، واغتصب الطابور 3000 رأس من الماشية والكثير من الخيام والسجاد يمكن اعتبار هذا اليوم مذلا للعرب بأن دمروا تماما".
ويضيف: "طلب وزير الحربية الفرنسية أنداك إخفاء تقرير ليفاسور عن غارة أولاد سلام لفظاعتها، فيما كتب محرر لو كوريي دافريك — ويرجح أنه إسماعيل أوربان — في العدد 142 الموافق ليوم 7 جانفي 1845 مقالا عنها ختمه بعبارة: ستعود دماء الأبرياء التي سفكت في هذه الغارة وبالا علينا".
ويعقب بن زايد متأثرا: "ولم يتأخر ذلك الوبال القريب من العدالة الإلهية؛ فبين الإبادة التي جرت في الثاني من ديسمبر، وبعد أسابيع قليلة، توغل طابور ليفاسور في جبل بوطالب، لتداهمهم عاصفة ثلجية ورياح قوية أطفأت مواقدهم وحاصرتهم في الوديان الجليدية، فقضى 260 جنديا فرنسيا حتفهم جراء الثلج والجليد والجوع، لأنهم لم يأكلوا غير البسكويت، وسميت الحادثة عندهم بحملة روسيا الإفريقية، أما عندنا فيمكن أن تسمى يوم انتصر الدم والثلج على السيف".
قبيلة ممحية
ومن بين كل مآسي الاستعمار تبدو مصيبة قبيلة البراكتة المرتبطة بثورة القرقور بين أعوام 1859 و1864 واحدة من أبشع الجرائم الخاضعة لمنطق استعماري استئصالي، حين انتهجت السلطات الاحتلالية سياسة إبادة ممنهجة.
يقول الكاتب:"في التقرير الذي أرسله الحاكم العام للجزائر للماريشال ماكمهون بناء على طلب الجنرال ديفو الذي دعا العقيد سيروكا لتقديم مقترحات عقابية ضد قبيلة البراقة جراء ثورتهم ضد الاستيطان وسلب الأراضي، نقرأ عبارة مرعبة يتحدث فيها الحاكم العام بمصطلحات من قبيل: يجب تشتيت هذه المجموعة القبلية ومحو اسمها من الوجود، وهو ما نفذ حرفيا؛ إذ تمت متابعة الأهالي بأحكام الإعدام، ناهيك عن النفي إلى جزيرة كورسيكا، وإبعاد كثيرين نحو مدن ساحلية مثل بجاية والقل وجيجل. وقد فارق كثير منهم الحياة بعيدا عن مسقط رأسهم، أما أهاليهم فعاشوا حياة تعيسة واضطروا لبيع حطب الغابات في المناطق التي رحلوا إليها عنوة. حتى إذا طالب فرنسيون بضرورة إعادة هؤلاء إلى قبيلتهم الأولى لم يكن ذلك متاحا ولا عمليا بعد أن اختفت تلك القبيلة من الوجود ومسحت شأفتها من فوق الأرض".
وتسقط نكبة البراكتة على منطقة بلزمة برمتها، الممتدة بين باتنة ومروانة ورأس العيون ونقاوس وسريانة، حيث يضيف:"تسبب السيناتوس كونسلت، أو مخطط الدوار المشايخي المعتمد في 22 أفريل 1863، في تفكيك الوحدة القبلية لبلزمة من ستة تجمعات سكانية إلى اثنتين وعشرين دوار أو بلدية".
راسينو: قاطع الرؤوس
أدّت سياسة تحطيم البنى الاجتماعية والاقتصادية إلى هشاشة النسيج الاجتماعي والأفراد الذين وجدوا أنفسهم متخلّى عنهم من طرف إدارة الاستعمار غير قادرين على العيش، فانغمسوا في البؤس والتسول والسقوط تباعا في مخالب الطاعون سنة 1867 والمجاعة عام 1862، مع تدهور ديموغرافي، فيشير: "في 1866 كان عدد سكان بلزمة 10.000 نسمة، ليهبط عام 1871 إلى 5000 فرد. تراجع السكان بالنصف، وهذا يعني أن عدد الوفيات كان أعلى من عدد الولادات".
ويستخدم عبد الحق بن زايد مصطلح الجريمة المعنوية، ويرى أنها أقسى من الجريمة المادية في حد ذاتها، ويعلل ذلك مفسرا لـ "الترا جزائر": أنّه "عندما يصبح الثائر مجرما وقاطع طريق، فهذه جريمة معنوية أنكى من القتل والتشريد. يتجه فكري هنا إلى محمد بن دغاش وسليمان بن دروعي، اللذين أُعدما بالمقصلة أمام الملأ وفي الشارع العام قرب موقع دار الثقافة الحالية بباتنة. وقع ذلك في 23 جانفي 1873، لكن مؤرخا فرنسيا كتب بأن بن دروعي هذا الأخير اختفى من الوجود ولم نعد نسمع عنه خبرا. كذلك تم التعامل مع أحمد بن رحمون الذي عُدّ مجرما، بينما كان زمن المجاعة يسطو على الأغنياء لإطعام الفقراء".
وفي الكتاب هامش يشير إلى أن منفذ الإعدام بالسقالة والمقصلة أنطوان جوزيف راسينو قطع 72 رأسا جزائريا، بينهم ستة في يوم واحد بمدينة باتنة، وهو رقم قياسي في عالم الجلادين، لا بل إنه قال في مقابلة صحفية مع صحيفة لا لنتيرن في 8 جويلية/يوليو 1883 هذه الجملة المفاخرة بالإثم: "ليس لقطع رأس تأثير عليّ أكثر من شرب فنجان قهوة".
نداء ورسالة
يحفل كتاب بلزمة بمعلومات دقيقة ذات قيمة توثيقية كبيرة، إذ إن الببليوغرافيا الخاصة به تتجاوز خمسين صفحة. وقد أنفق المؤلف كثيرا من ماله الخاص لجمعها، فيقول: "قضاء أربعة أيام في مركز أرشيف فانسان يكلف قرابة 1500 يورو. لذلك هناك مادة غزيرة في الأرشيفات الفرنسية وتحتاج إلى إعدادها لعمل جماعي ومساعدة الدولة ماديا، لأن البحث يتطلب ذلك لتعزيز وجهة نظرنا في مسائل إدانة وتجريم الاستعمار. ولهذا أرجو أن يصل عملي هذا، الذي كلفني اقتطاع لقمة عائلتي من أجل تجسيده، إلى السلطات العليا في البلاد كي يطلعوا عليه، ذلك أنه عمل مدقق للغاية ومحكم البناء والتوثيق من حيث الأرشيف المستعمل، ويمكن تطويعه في الدفاع عن حقنا التاريخي المهضوم ".
ويختم عبد الحق قائلا: "لقد فضلت كتابته بالفرنسية ليكون متاحا للفرنسيين الاطلاع على حقيقة الاستعمار عبر وثائقهم وأرشيفهم، وكي يراجعوا نظرتهم للحقائق التاريخية، وأملي أن يكون مفيدا لأنصار الجزائر الفرنسية من المعمرين القدامى لعل ذهنيتهم وذهنية أبنائهم تصبح أكثر إدراكا للجرائم الإنسانية المرتكبة ضد المدنيين والأبرياء على مدار ليل الاستعمار الطويل".
الكلمات المفتاحية
ثاني أقدم زيتونة في العالم.. هنا مهد القديس أوغسطين ومحراب خلوته الروحية
دأب سكان مدينة سوق أهراس منذ عقود طويلة على مشاهدة سياح أجانب يداومون على زيارة هده الزيتونة في تتبع لمسار أوغسطين الخالد عبر هذه الربوع المقدسة لديهم، والممتدة عبر الزيتونة المباركة، وتاورة، ومادور
تزامنًا مع زيارة البابا.. الجزائر تتحرك لتصنيف المسارات الأغسطينية لدى اليونسكو
تضم "المسارات الأغسطينية" مجموعة من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية المنتشرة عبر شرق ووسط الجزائر، من بينها هيبون (عنابة)، كالاما (قالمة)، تيبيليس (سلاوة عنونة)، توبيرسيكو- نوميداروم (خميسة)، مادور (مداوروش)..
الجزائر تودع ملفات البلوزة وأغاني المداحات لدى اليونسكو
بحسب بيان وزارة الثقافة والفنون "جاء في مقدمة هذه الملفات التراثية ملف فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري الكبير: معارف، ومهارات ومراسم
المدرب بيرة يطالب بتدخل الرئيس تبون.. ما القصة؟
أكد بيرة في رسالته أن الوضع الحالي لكرة القدم الوطنية لم يعد يحتمل المعالجات الجزئية أو الردود الظرفية، بل يتطلب رؤية شاملة ومؤسسة على أعلى مستوى في الدولة،
لبلوغ النهائي.. شباب بلوزداد يبحث عن "ريمونتادا" أمام الزمالك
ويدرك الفريق البلوزدادي أن المهمة لن تكون سهلة أمام منافس بحجم الزمالك، حيث سيكون مطالبًا بتسجيل هدفين على الأقل لقلب الطاولة، في لقاء ينطلق على الساعة السادسة مساءً بتوقيت القاهرة، وفق قرارات السلطات المصرية المتعلقة بترشيد استهلاك الكهرباء.
سيناتور فرنسي: الحوار بين باريس والجزائر ضرورة لتجاوز الأزمة
وأضاف ملولي أنّ "الحل يكمن في الحوار المتوازن والاعتراف المتبادل بالمصالح بين الجزائر وباريس، داعيا في معرض حديثه إلى تعزيز الحوار والتقارب بين الشعبين الجزائري والفرنسي
حوار |عبد المالك بوشافة: المعارضة مُشتتة.. والمشهد السياسي لن يتغير بعد التشريعيات
في حوار خاص مع "الترا جزائر"، يستعرض عبد المالك بوشافة، الأمين الوطني السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية (2016–2017)، أبرز التحديات التي تواجه الساحة السياسية الجزائرية، لاسيما ما يتعلق بالمعارضة. ويقدّم من خلال هذا اللقاء قراءة معمّقة لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، إلى جانب تحليله للخريطة البرلمانية المرتقبة في ضوء الانتخابات التشريعية القادمة.