حوار |عبد المالك بوشافة: المعارضة مُشتتة.. والمشهد السياسي لن يتغير بعد التشريعيات
17 أبريل 2026
في حوار خاص مع “الترا جزائر”، يستعرض عبد المالك بوشافة، الأمين الوطني السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية (2016–2017)، أبرز التحديات التي تواجه الساحة السياسية الجزائرية، لاسيما ما يتعلق بالمعارضة. ويقدّم من خلال هذا اللقاء قراءة معمّقة لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، إلى جانب تحليله للخريطة البرلمانية المرتقبة في ضوء الانتخابات التشريعية القادمة.
تواجه التعددية السياسية أزمة مُركبة تتجاوز بُعدها الإجرائي لتطال منطق اشتغالها ووظيفتها داخل النظام السياسي، حيث يجري اختزالها في صيغ شكلية بفعل احتكار السلطة التنفيذية لمحددات الحقل السياسي وإعادة هندسة قواعد التنافس
كما يتناول بوشافة الواقعين الاقتصادي والاجتماعي، مسلطًا الضوء على طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن ودورها في تعزيز الجبهة الداخلية، إضافة إلى قراءته للتحولات التي يشهدها المشهد السياسي الوطني.
وفي سياق حديثه، يتطرق أيضًا إلى الأزمة بين الجزائر وفرنسا، محللًا خلفياتها وتداعياتها، قبل أن يحدد شروط نجاح أي مبادرة للحوار الوطني الشامل، بما يفضي إلى بلورة عقد اجتماعي جديد قائم على التوافق.
ورغم استقالته من الأمانة الوطنية، يواصل بوشافة حضوره في المشهد السياسي كعضو في المجلس الوطني للحزب، ومتابع نشط للشأن الوطني والإقليمي والدولي.
برأيكم، ما هي أبرز التحديات التي تواجه التعددية السياسية في الوقت الراهن
تواجه التعددية السياسية أزمة مُركبة تتجاوز بُعدها الإجرائي لتطال منطق اشتغالها ووظيفتها داخل النظام السياسي، حيث يجري اختزالها في صيغ شكلية بفعل احتكار السلطة التنفيذية لمحددات الحقل السياسي وإعادة هندسة قواعد التنافس بما يُكرس الضبط بدل التداول.
بوشافة: الأحزاب تحولت إلى مجرد آلات انتخابية ظرفية تفتقر إلى الهوية السياسية الواضحة والقدرة على الوساطة بين الدولة والمجتمع
في سياق تتسم فيه الأحزاب بهشاشة تنظيمية عميقة تتجلى في غياب الديمقراطية الداخلية، واحتكار القيادة، وضعف تداول النخب، وضمور آليات التأطير والتجنيد، فضلًا عن فقر الإنتاج البرامجي وانفصال الخطاب الحزبي عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ما يحول هذه الأحزاب إلى مجرد آلات انتخابية ظرفية تفتقر إلى الهوية السياسية الواضحة والقدرة على الوساطة بين الدولة والمجتمع.
ويزداد هذا الضعف حدة مع ارتهان جزء معتبر من الأحزاب بدل الارتكاز على قواعد اجتماعية فعلية، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل شرعيتها التمثيلية وتحولها إلى فاعلين تابعين داخل الحقل السياسي بدل أن تكون قوى مستقلة قادرة على إنتاج البدائل.
ويتعمق هذا الاختلال مع انكماش الفضاء العمومي وتقييد قنوات التعبير المستقل، بما يحد من تشكل نقاش عمومي حر، ويُغذي في المقابل نزعات العزوف السياسي كصيغة احتجاج صامت تعكس انفصالا متزايدا بين المجتمع والسياسة، وانهيار الثقة في المؤسسات التمثيلية.
كما ساهم تغلغل المال السياسي وتنامي شبكات الزبانية خاصة داخل الأحزاب في إعادة ترتيب الحقل السياسي وفق منطق النفوذ والولاء، لا وفق معايير الكفاءة والتنافس البرامجي، الأمر الذي يقوض مبدأ تكافؤ الفرص ويفرغ العملية الانتخابية من مضمونها التمثيلي.
وفي مستوى أعمق، تنتج هذه الاختلالات ديناميات إعادة إنتاج الوضع السياسي نفسه، حيث تتحول التعددية إلى آلية للضبط وإعادة توزيع المواقع داخل نفس البنية، بدل أن تكون فضاء للتداول والتغيير، وهو ما يعكس وتزيد البيئة الرقمية من تعقيد هذا المشهد، إذ رغم ما تُتِيحه من إمكانات لتوسيع المشاركة، فإنها تسهم في تفكيك المجال العمومي عبر تضخيم الاستقطاب، وانتشار الخطابات الشعبوية، وتسييل الحقيقة، بما يحد من إمكان تشكل رأي عام نقدي وعقلاني.
وعليه، فإن التحدي الجوهري لا يكمن في مجرد الإقرار القانوني بالتعددية، بل في إعادة تأسيسها كمنظومة فعلية قائمة على استقلالية الحقل السياسي، وفعالية الوساطة الحزبية، ومصداقية التمثيل، بما يسمح بتحويلها من آلية لإعادة الانتاج إلى أداة لإعادة بنائه على أسس ديمقراطية حقيقية.
كيف ترون دور المعارضة السياسية في الجزائر، وما مدى قدرتها على مراقبة السلطة وتحقيق التوازن الديمقراطي؟
يطرح دور المعارضة السياسية في الجزائر ضمن سياق يتسم باختلال موازين القوة لصالح السلطة التنفيذية، ما يجعل وظيفتها الرقابية محدودة الأثر رغم حضورها الشكلي داخل المؤسسات التمثيلية.
فالمعارضة تعاني من ضعف التأطير المجتمعي وتراجع قدرتها على التعبئة، نتيجة تآكل قواعدها النضالية وتحول جزء من الفعل الحزبي إلى نشاط موسمي مرتبط بالمواعيد الانتخابية.
كما يزيد انقسامها الإيديولوجي والتنظيمي بين تيارات غير متجانسة من صعوبة بلورة مشروع سياسي جامع، ما يقلص قدرتها على تقديم بديل واقعي ومقنع. وفي هذا الإطار، اندمج جزء معتبر من المعارضة في منطق المشاركة دون تأثير، حيث تتحول إلى فاعل مكمل فقط أكثر مما يشكل قوة ضغط حقيقية.
ويفاقم هذا الوضع ضعف الوساطة الحزبية وتراجع الثقة المجتمعية في الفاعلين السياسيين، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على تمثيل الانشغالات الفعلية للمجتمع أو تأطيرها ضمن قنوات سياسية فعالة.
كما أن غياب التنسيق الاستراتيجي بين مكوناتها، وانخراط بعضها في صراعات هامشية، يعمق حالة التشتت ويسهل احتواءها أو تحييدها.
بوشافة: الوظيفة الرقابية للمعارضة محدودة الأثر، رغم حضورها الشكلي داخل المؤسسات التمثيلية، والمعارضة تعاني من ضعف التأطير المجتمعي وتراجع قدرتها على التعبئة
وهكذا يتشكل نمط من المعارضة المزدوجة، معارضة "مُمأسسة" لكنها محدودة الفعالية، وأخرى احتجاجية لكنها ضعيفة الامتداد والتأثير. وعليه، فإن قدرة المعارضة على مراقبة السلطة وضمان التوازن الديمقراطي تبقى نسبية ومشروطة، رهينة بإعادة بناء ذاتها تنظيميًا وخطابيًا، واستعادة صلتها بالمجتمع، وتجاوز منطق الزعامة الضيق، والانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة عبر إنتاج بدائل سياسية واقعية، بما يسمح بإعادة تشكيل التوازن داخل النسق السياسي.
ما الدور الذي يجب أن تلعبه السلطة لضمان حرية التعبير وتعزيز المشاركة السياسية؟
يتمثل الدور المحوري للسلطة في الانتقال من منطق إدارة المجال السياسي إلى منطق إعادة تأسيسه على قاعدة الشرعية التعاقدية، وذلك عبر إطلاق حوار وطني شامل، تعددي وفعلي، لا يختزل في مشاورات شكلية بل يبنى على إشراك حقيقي لكل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين دون إقصاء، وبضمانات مؤسسية واضحة للشفافية والتكافؤ.
ويهدف هذا المسار إلى بلورة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس سيادة القانون، وعلوية الحقوق والحريات، وتوازن السلطات، بما يجعل حرية التعبير والمشاركة السياسية حقوقا أصلية غير قابلة للتقييد التعسفي.
ويفترض ذلك، في مستواه الإجرائي، تهيئة بيئة سياسية وقانونية ضامنة، عبر مراجعة المنظومة التشريعية بما يرفع القيود عن التعبير والتنظيم، وتكريس استقلال القضاء كحارس فعلي للحريات، إلى جانب ضبط الإعلام.
كما يتطلب تحييد الإدارة ومؤسسات الدولة عن الصراع السياسي، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، بما يسمح بتحول التعددية من وضع شكلي إلى تنافس حقيقي.
بوشافة: يتمثل الدور المحوري للسلطة في الانتقال من منطق إدارة المجال السياسي إلى منطق إعادة تأسيسه على قاعدة الشرعية التعاقدية، وذلك عبر إطلاق حوار وطني شامل
أما في بعده الهيكلي، فإن العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يؤسس لثقافة سياسية قوامها الاعتراف المتبادل، والتداول السلمي على السلطة، وربط الشرعية بالتمثيل والمساءلة لا بالهيمنة. وفي هذا الإطار، تتحول السلطة من فاعل يحتكر المجال العمومي إلى ضامن له، ومن مركز إنتاج القرار الأحادي إلى طرف في تعاقد جماعي يعيد توزيع القوة داخل النسق السياسي، ويؤسس لمشاركة سياسية فعالة ومؤثرة، قادرة على إنتاج الاستقرار عبر الديمقراطية لا على حسابها.
كيف تتوقعون أن تكون الخريطة السياسية بعد الانتخابات التشريعية القادمة؟
أعتقد أنه لا يطرأ على الخريطة السياسية بعد تشريعيات يوليو 2026 أي تغيير ستبقى ضمن منطق الاستمرارية أكثر من منطق التحول، بحيث يعاد إنتاج التوازنات القائمة في صيغة تعددية مدارة.
إذ ينتظر أن تحتفظ الكتل الموالية للسلطة بأغلبية وظيفية داخل البرلمان، مدعومة بحضور لافت للمستقلين كقوة مَرنة قابلة للتموقع ضمن منطق الأغلبية مع حضور نسبي للتيار الاسلامي الوسطي، مقابل معارضة مشتتة تفتقر إلى القدرة على التحول إلى قطب موازن فعلي. ستجسد تنوعا شكليا داخل نسق سياسي يظل مضبوطا.
كما أن نمط الاقتراع وتفكك الحقل الحزبي يعززان إنتاج برلمان موزع تركيبيا لكنه منسجم وظيفيا مع توجهات السلطة التنفيذية. وعليه، فإن الخريطة السياسية المرتقبة ستتسم بازدواجية واضحة: تعددية في التمثيل مقابل محدودية في التأثير، واستقرار مؤسسي قائم على إعادة توزيع الأدوار داخل نفس البنية بدل إعادة تشكيلها.
ما قراءتكم وتقييمكم للوضع الاقتصادي الحالي في الجزائر؟
يشهد الوضع الاقتصادي في الجزائر مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها مؤشرات التحسن الظرفي مع تحديات التحول الهيكلي العميق؛ فمن جهة، تعكس المشاريع الكبرى على غرار غار جبيلات، وتطوير استغلال الفوسفات، ومد شبكات السكك الحديدية، توجها استراتيجيا نحو بناء قاعدة إنتاجية جديدة خارج قطاع المحروقات، بما يوحي بإرادة رسم معالم اقتصاد وطني أكثر تنوعا واندماجا في منطق الإنتاج والنقل والتحويل.
بوشافة:أعتقد أنه لا يطرأ على الخريطة السياسية بعد تشريعيات يوليو 2026 أي تغيير ، ستبقى ضمن منطق الاستمرارية أكثر من منطق التحول.
غير أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يزال محكوما بإكراهات هيكلية تتمثل في ضعف النسيج الصناعي التحويلي، واستمرار منطق الاستخراج بدل خلق القيمة، إضافة إلى هشاشة البيئة المؤسسية التي تحدّ من فعالية هذه الاستثمارات في إحداث قفزة نوعية مستدامة. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع المهيكلة، بل في قدرتها على تفكيك النموذج الريعي وإعادة تركيب اقتصاد وطني قائم على الإنتاجية والتنافسية.
برأيكم، هل توجد استراتيجية وطنية واضحة لتحقيق تنمية مستدامة وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن المحروقات؟
أعتقد أنه مرتبط بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه الذي لم يحسم بعد انتقاله من منطق إدارة الثروة إلى منطق إنتاجها؛ فالمشاريع المُهيكلة، وعلى رأسها غار جبيلات، تظل رهينة قدرة المنظومة ككل على خلق حلقات قيمة مضافة داخلية (تحويل، تصنيع، تصدير)، بدل الاكتفاء بدور المورد الأولي للمواد الخام.
كما أن محدودية التكامل بين القطاعات الصناعة، الفلاحة، الطاقة، التعليم، والمالية تحول دون تشكل منظومة اقتصادية متناسقة، حيث تبقى كل سياسة عمومية تعمل بمعزل عن الأخرى، ما يضعف الأثر التراكمي المطلوب لأي تنويع حقيقي.
وإلى جانب ذلك، يظل مناخ الحوكمة الاقتصادية، بما فيه استقرار القواعد، وضوح الرؤية التشريعية، وفعالية التنفيذ، عنصرا حاسما لم يتحقق بعد بالشكل الكافي لجذب استثمارات نوعية وبناء ثقة طويلة المدى لدى الفاعلين الاقتصاديين. لذلك، فإن الحديث عن استراتيجية وطنية لا ينبغي أن يختزل في وجود مخططات أو مشاريع، بل في وجود منظومة متكاملة منسجمة تحول الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة، والقيمة إلى تنمية مستدامة، بما يضع الجزائر على مسار خروج فعلي من التبعية للمحروقات نحو اقتصاد متنوع ومتين.
كيف يمكن للجزائر الحفاظ على استقلاليتها وسيادتها في ظل الضغوط الإقليمية والدولية الراهنة؟
يمكن للجزائر الحفاظ على استقلاليتها وسيادتها في ظل الضغوط الإقليمية والدولية الراهنة والمتقلبة والجيوسياسية المتسارعة، ضمن مقاربة مركبة تجمع بين تحصين الداخل وإدارة الخارج بذكاء استراتيجي؛ فسيادة الدولة في السياق الدولي الراهن لم تعد تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ مواقف سياسية مستقلة، بل بمدى امتلاكها لمقومات القوة الصلبة والناعمة، وفي مقدمتها اقتصاد متنوع أقل ارتباطا بتقلبات أسواق المحروقات، ومنظومة إنتاج وطنية قادرة على توليد القيمة المضافة، مثلما تسعى إليه مشاريع كبرى كاستغلال غار جبيلات وربطها بشبكات نقل وسلاسل تحويل صناعي.
غير أن هذه المشاريع، مهما كانت أهميتها، لن تترجم إلى استقلال فعلي إذا لم تدمج ضمن رؤية شاملة تعزز التكامل بين القطاعات، وتدعم الابتكار، وتبني رأسمالا بشريا مؤهلا، لأن السيادة الاقتصادية هي الشرط المادي للسيادة السياسية.
بوشافة: سيادة الدولة في السياق الدولي الراهن لم تعد تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ مواقف سياسية مستقلة، بل بمدى امتلاكها لمقومات القوة الصلبة والناعمة، وفي مقدمتها اقتصاد متنوع أقل ارتباطا بتقلبات أسواق المحروقات.
وعلى المستوى الخارجي، تفرض التحولات الجيوسياسية الراهنة بما تحمله من إعادة تموضع للقوى الكبرى وتزايد التنافس على الموارد والممرات اعتماد سياسة خارجية مرنة ومتوازنة، تقوم على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان. غير أن هذه القدرة على المناورة تظل محدودة إذا لم تستند إلى جبهة داخلية متماسكة، قوامها مؤسسات قوية، وحوكمة فعالة، وتوافق وطني حول الأولويات الاستراتيجية. فالدول التي تملك استقلال قرارها الحقيقي هي تلك التي تراكم عناصر القوة داخليا، وتحولها إلى أدوات تأثير خارجي بما يضمن توازنا دائما بين متطلبات الداخل وإكراهات الخارج.
ما تصوركم لدور الدولة والمواطن في تعزيز الأمن الوطني ووحدة البلاد؟
يتحدد الحفاظ على الأمن الوطني وتعزيز وحدة البلاد في إطار معادلة مركبة تقوم على تلازم فعالية الدولة ونضج المواطنة؛ فالدولة ليست مجرد جهاز ضبط أمني، بل هي منظومة مؤسساتية مسؤولة عن إنتاج الشرعية عبر سيادة القانون، وتكريس العدالة، وضمان تكافؤ الفرص، وبناء سياسات عمومية منصفة تُعالج الاختلالات الاجتماعية والجهوية، لأن الشعور بالإنصاف هو أحد أهم روافع الاستقرار الداخلي.
وفي المقابل، لا تكتمل هذه المعادلة دون مواطن واع بدوره الحقوقي والواجباتي، يشارك إيجابيا في الحياة العامة، ويحترم القواعد المشتركة، ويسهم في حماية الفضاء العمومي من مظاهر التفكك مثل خطاب الإقصاء والتجييش، ويغلب منطق الانتماء الوطني على الهويات الضيقة أو الصراعات الثانوية. إن العلاقة بين الطرفين يجب أن تتجاوز منطق الوصاية أو التوجس المتبادل إلى منطق الثقة المتبادلة، حيث تلتزم الدولة بالشفافية والنجاعة في التسيير، ويقابلها مواطن فاعل يدعم الاستقرار عبر السلوك المدني والمشاركة الواعية.
وفي هذا السياق، يصبح الأمن الوطني نتيجة مباشرة لتوازن دقيق بين قوة المؤسسات وعدالة السياسات ووعي المجتمع، بما يحول الوحدة الوطنية من مجرد شعار إلى ممارسة يومية تُبنى بالتراكم، وتصان بالمسؤولية المشتركة، وتحصن بإدراك جماعي أن استقرار البلاد هو رهان جماعي لا يتحقق إلا بتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع.
كيف تقرؤون التوتر الحاصل في العلاقات الجزائرية الفرنسية وما خلفياته؟
يمكن تفسير التوتر الدبلوماسي الأخير بين الجزائر وفرنسا باعتباره نتيجة تراكب عوامل تاريخية وسياسية واستراتيجية متداخلة، تتجاوز الخلافات الظرفية إلى اختلالات في طبيعة العلاقة الثنائية؛ فثقل الذاكرة الاستعمارية ما يزال حاضرا بقوة، حيث تظل ملفات مثل الذاكرة، الأرشيف، والاعتراف التاريخي مصدر حساسية متبادلة، تدار بتباين في المقاربات فالجزائر تطالب بإنصاف رمزي وتاريخي، بينما فرنسا تتجنب فتح هذا الملف بشكل كامل.
كما تسهم التحولات داخل الساحة السياسية الفرنسية، خصوصا تصاعد الخطابات المرتبطة بالهجرة والهوية والأمن، في تغذية مناخ غير مواتٍ للعلاقات مع الجزائر، يقابله تشدد جزائري في تأكيد الندية ورفض أي خطاب يفهم على أنه وصاية أو ضغط.
بوشافة: لعب صعود اليمين المتطرف الفرنسي دورا ملحوظا في تأجيج التوتر بين الجزائر وباريس،ويزيد من تعقيد اي تقارب دبلوماسي
كما لعب صعود اليمين المتطرف الفرنسي دورا ملحوظا في تأجيج التوتر، من خلال تبنيه خطابا يقوم على تشديد القيود على الهجرة، وإعادة طرح سرديات سلبية مرتبطة بالجزائر، واستثمار القضايا الثنائية في الصراع السياسي الداخلي داخل فرنسا، ما ينعكس على المزاج العام ويؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في توجهات جزء من النخبة السياسية والإعلامية، ويزيد من تعقيد أي تقارب دبلوماسي.
كما تتداخل عوامل أخرى مرتبطة بتباين المصالح في ملفات إقليمية مثل الساحل والأمن والطاقة، حيث تختلف الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين، إلى جانب حساسية التوازنات الجيوسياسية في المتوسط. وعليه، فإن هذا التوتر لا يفهم كحادث معزول، بل كنتاج منظومة من التفاعلات التي تجمع بين التاريخ والداخل السياسي، وتباين المصالح الإقليمية، وتأثير الفاعلين السياسيين داخل فرنسا، بما في ذلك اليمين المتطرف، الذي يسهم في رفع منسوب التوتر عبر تغذية خطاب غير تصالحي ينعكس على مسار العلاقات الثنائية ويجعلها أكثر عرضة للتقلب.
سبق أن دعوتم إلى الحوار الوطني الشامل، كيف ترون الخطوات الملموسة لتجسيد هذا المشروع؟
يتطلب تجسيد مشروع الحوار الوطني الشامل الانتقال من مستوى الدعوات العامة إلى مسار سياسي تأسيسي منظم وتوافقي، وذو ضمانات سياسية واضحة، يكون هدفه النهائي بلورة عقد اجتماعي جديد قائم على التوافق ؛ فتبدأ الخطوة الأولى بتهيئة مناخ الثقة عبر إجراءات تهدئة سياسية وقانونية تشعر مختلف الفاعلين بأن المشاركة ممكنة وآمنة، يتبعها إطلاق إطار حواري جامع يضم ممثلين عن الأحزاب، والمجتمع المدني، والنقابات، وكفاءات مستقلة، مع تحديد قواعد واضحة للنقاش وآليات اتخاذ القرار، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص وعدم الإقصاء.
ثم تأتي مرحلة تشخيص جماعي دقيق للإشكالات الكبرى التي تواجه البلاد: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على أن يبنى هذا التشخيص على معطيات موضوعية لا على تقديرات ظرفية، تمهيدا لصياغة عقد اجتماعي جديد توافقي يتكفل بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتكريس فصل وتوازن السلطات، وتعزيز الحكم الرشيد.
نجاح مشروع الحوار الوطني الشامل مشروط بإرادة سياسية حقيقية، والتزام جماعي من مختلف الأطراف بتغليب المصلحة الوطنية،
وفي هذا السياق، يشكل الوصول إلى عقد اجتماعي جديد تتويجا لهذا المسار، باعتباره اتفاقا ضمنيا وصريحا حول قواعد العيش المشترك، يحدد حقوق وواجبات الدولة والمواطن، ويؤسس لشرعية سياسية مستدامة قائمة على المشاركة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، بدل منطق الإقصاء أو الاحتكار.
غير أن نجاح هذا المشروع يظل مشروطا بإرادة سياسية حقيقية، والتزام جماعي من مختلف الأطراف بتغليب المصلحة الوطنية، والقبول بنتائج الحوار حتى وإن لم تكن مطابقة بالكامل لتوقعات كل طرف، بما يجعل من الحوار الوطني ليس مجرد محطة ظرفية، بل آلية دائمة لإدارة الاختلاف وبناء التوافق الوطني.

الكلمات المفتاحية
تشريعيات 2026.. هل يصنع "الترند السياسي" المشهد الانتخابي في الجزائر؟
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في الجزائر، يشهد الخطاب السياسي لدى عدد من قادة الأحزاب تحوّلاً لافتاً نحو أساليب يعتبرها البعض أقرب إلى "الشعبوية السياسية"، فيما يرى آخرون أن طبيعة الاستحقاق الانتخابي تفرض خطاباً أكثر قرباً من المواطن وارتباطاً بانشغالاته اليومية.
المال السياسي في الجزائر.. بين القانون ونفوذ "الشكارة" في الانتخابات
في خضم الاستعدادات للانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 2 يوليو/تموز المقبل، أثار مقطع صوتي متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد أن كشف عن مكالمة هاتفية بين مسؤول محلي في أحد الأحزاب السياسية ومرشح انتخابي، تضمنت شبهات تتعلق ببيع وشراء القوائم الانتخابية.
دارمانان في الجزائر لفتح "صفحة قضائية جديدة".. ملفات حسّاسة على الطاولة
وصل وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، مساء الأحد، إلى الجزائر في زيارة عمل تستمر يومين، في خطوة تعكس استمرار مسار التهدئة بين الجزائر وفرنسا بعد أزمة دبلوماسية غير مسبوقة دامت قرابة عامين، وسط رهان مشترك على إعادة بناء الثقة وإحياء قنوات التعاون القضائي والأمني بين البلدين.
بشرق البلاد.. الجيش الجزائري ينفذ تمرينين تكتيكيين بصواريخ مضادة للسفن
حسب بيان لوزارة الدفاع الوطني، فقد تضمن التمرين البحري تنفيذ رمي بصاروخ مضاد للسطح نفذه غراب متعدد المهام تابع للواجهة البحرية الشرقية، فيما شمل التمرين الجوي رميًا حقيقيًا لصاروخ مضاد للسفن نفذته مقاتلات جوية متعددة المهام.
هل انتهت رحلة يوسف بلايلي مع الترجي التونسي؟
ومن المنتظر، أن يصبح بلايلي لاعبًا حرًا بداية من 1 جويلية/يوليو المقبل، ما يمنحه حرية التفاوض مع أي نادٍ دون قيود، في حال عدم التوصل إلى اتفاق لتمديد العقد مع فريق الترجي التونسي.
ستورا يحذّر من صعود اليمين المتطرف في فرنسا.. ماذا توقّع بشأن العلاقات مع الجزائر؟
وقال ستورا، إن التحدي الأكبر في المستقبل لن يكون سياسياً أو اقتصادياً فقط، بل ثقافياً بالأساس، في ظل محاولات متزايدة لإعادة قراءة التاريخ الاستعماري من منظور يرفض الاعتراف أو الاسترجاع.
الجزائر تشتري كمية جديدة من القمح.. ماذا عن الأسعار والكميات؟
أشارت التقديرات الأولية إلى أن سعر القمح تراوح بين 284 و285 دولاراً للطن شاملاً تكاليف الشحن إلى ميناء مستغانم، فيما بلغ نحو 292 دولاراً للطن بالنسبة للشحن نحو ميناء تنس،