حوار |فلورانس بوجي: مأساة لويزات ايغيل حريز فتحت عيني على فضائع الاستعمار المنسية
13 يوليو 2026
تُعد الصحفية والكاتبة الفرنسية فلورانس بوجي من أبرز الأصوات التي كرّست مسارها المهني لكشف خفايا حرب التحرير الجزائرية، من خلال تحقيقات ميدانية وشهادات غير مسبوقة هزّت الرأي العام الفرنسي وأسهمت في إعادة فتح النقاش حول التعذيب والاختفاءات القسرية وجرائم الاستعمار.
تؤكد بوجي أن كشف الحقيقة التاريخية لا يهدف إلى تأجيج الخلافات، بل إلى الإسهام في فهم الماضي وتهيئة الطريق نحو مصالحة تقوم على الاعتراف والعدالة والذاكرة
في هذا الحوار الخاص، تتحدث فلورانس بوجي عن بدايات اهتمامها بملف الذاكرة بعد لقائها بالمجاهدة لويزيت إغيل أحريز، وتستعيد كواليس تحقيقاتها التي نُشرت في صحيفة لوموند، كما تتطرق إلى شهادات كبار الضباط الفرنسيين، وعلى رأسهم الجنرال بول أوساريس، وقضيتها القضائية مع جان ماري لوبان، ورؤيتها لمستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، فضلاً عن مشروعها الأدبي المقبل.
في حديث يتسم بالصراحة، تؤكد بوجي أن كشف الحقيقة التاريخية لا يهدف إلى تأجيج الخلافات، بل إلى الإسهام في فهم الماضي وتهيئة الطريق نحو مصالحة تقوم على الاعتراف والعدالة والذاكرة.
هل كانت قصة ليلى، التي خرجت تبحث عن "ريشو"، هي المنعطف الحقيقي الذي دفعك إلى تكريس جزء كبير من عملك لذاكرة الثورة الجزائرية؟
كانت قصة لويزيت إغيل أحريز، التي نشرتها باسم مستعار هو ليلى، هي التي دفعتني فعلاً إلى مواصلة تحقيقاتي. فمن خلالها اكتشفت أنني لا أعرف شيئاً تقريباً عن حرب الجزائر.
كان ذلك في مطلع سنوات الألفين. لم أكن قد تلقيت أي تعليم حول هذا الموضوع خلال دراستي، وحتى أفراد عائلتي القلائل الذين شاركوا في حرب الجزائر ظلوا صامتين بشأنها.
فلورانس بوجي: كانت قصة لويزيت إغيل أحريز، التي نشرتها باسم مستعار هو ليلى، هي التي دفعتني فعلاً إلى مواصلة تحقيقاتي. فمن خلالها اكتشفت أنني لا أعرف شيئاً تقريباً عن حرب الجزائر
كان ذلك اكتشافاً مؤلماً ومثيراً في الوقت نفسه. قرأت كتاب "المسألة" لهنري علاق، وهو كتاب مرجعي، وأصابني الذهول. كيف أمكن للفرنسيين أن يتصرفوا على هذا النحو؟ وكانت فرصتي الكبرى أنني وجدت منبراً أواصل من خلاله هذا التحقيق، وهو صحيفة لوموند. فقد التحقت بها في جانفي/يناير 2000، ومنحتني الصحيفة حرية كاملة لمواصلة البحث في هذا الملف، الذي كان معروفاً جيداً لدى المؤرخين، لكنه لم يكن معروفاً لدى عامة الناس.
ماذا تتذكرين من المعركة القضائية التي أثارها الجنرال مارسيل بيجار بتهديده بمقاضاة صحيفة «لوموند»، وما أثر ذلك في تحقيقك؟
في الواقع، اكتفى الجنرال مارسيل بيجار بالتهديد برفع دعوى قضائية ضد صحيفة لوموند، لكنه لم ينفذ تهديده في النهاية. ويعود ذلك، إلى حد ما، إلى أن الجنرال جاك ماسو جاء لنجدتي عندما أكد صحة رواية لويزيت إغيل أحريز، التي نشرتها الصحيفة في صفحتها الأولى بتاريخ 20 جوان/يونيو 2000، كما كشف اسم الرجل الذي أنقذها في سبتمبر/أيلول 1957، وهو الرائد فرانسيس ريشو، الطبيب العسكري في الفرقة العاشرة للمظليين المتمركزة على مرتفعات الجزائر العاصمة.
من بين الضباط الفرنسيين العديدين الذين أجريت معهم مقابلات، أي الشهادات ترين أنها كانت الأكثر أهمية لفهم الثورة الجزائرية؟
أعتقد أن الشخص الذي أسهم أكثر من غيره في تقدم المعرفة التاريخية هو الجنرال بول أوساريس، أحد الشخصيات المحورية فيما سُمّي خطأً بـ"معركة الجزائر".
فلورانس بوجي: كشف لي أوساريس عن اختفاء قسري لـ 3000 جزائري خلال صائفة 1957 .
ففي عام 1957 كان يقود فرقة حقيقية للموت، كانت تستجوب الجزائريين المشتبه فيهم ثم تُخفيهم قسرياً. وقد أكد لي أوساريس أن عدد المختفين في الجزائر العاصمة خلال صيف 1957 بلغ ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص.
وكان يقول إنه لا يشعر "لا بالندم ولا بتأنيب الضمير". لكنه كان يشعر بالملل، وأراد أن يروي لي قصة حياته، ربما لكسر عزلته. وعلى مدى أكثر من شهرين، خلال خريف عام 2000، كان يأتي لتناول الإفطار معي في مقهى صحيفة لوموند، وهناك أدلى باعترافاته.
نشرت الصحيفة حوارين مدويين معه، أثارا ضجة كبيرة. وبعد ذلك طلب مني أن أشاركه في كتابة مذكراته، لكنني رفضت، إذ لم يكن لدي الوقت ولا الرغبة في قضاء أشهر في جمع اعترافاته. فتولى الأمر بنفسه، حيث أدلى بشهادته شفوياً لدى المصلحة التاريخية للجيش البري الفرنسي، ثم قام أحد الكُتّاب بصياغة أقواله في كتاب. كان ذلك أمراً صادماً، لكنه مفيد لفهم الوقائع التاريخية.
ولا تنسوا ما قاله المؤرخ إيرينيه مارو: "إن التاريخ يحتاج إلى كل شيء، حتى القاذورات".
ما الرسالة الأساسية التي أردتِ إيصالها في كتاب "حرب بلا مجد"، ولماذا أثار هذا الكتاب كل ذلك الجدل؟
لم أسعَ إلى إيصال رسالة بعينها، إذ ليست لدي رسالة أريد الدفاع عنها. لكنني أردت أن أضع بين أيدي قراء لوموند، وليس هم وحدهم، ما تعلمته خلال ست سنوات من التحقيقات الميدانية التي أجريتها بين عامي 2000 و2005 .
وقد أُعيد نشر الكتاب في نسخة موسعة ومحدّثة في مارس/آذار 2025 عن دار لو باساجيه كلوندستان، ومن المنتظر أن يصدر هذا العام في الجزائر عن دار برزخ، وهو ما يمثل بالنسبة إليّ مصدر فخر كبير.
فلورانس بوجي:خنجر جان ماري لوبان النازي الذي أخفاه جزائري بعد تعذيب والده كان شاهدا ماديا لإدانته.
فالكتاب لا يروي فقط مساوئ الاستعمار، بل يكشف أيضاً كواليس تحقيقاتي الصحفية في لوموند. ومن خلاله يرى القارئ كيف يجد الصحفي أو الصحفية نفسه منخرطاً، من حيث لا يدري تقريباً، في مغامرة تتجاوز شخصه.
لماذا شكّل الكشفُ عن ممارسات التعذيب، ولا سيما قضية الخنجر المنسوب إلى جان ماري لوبان، محطةً مهمة في النقاش العام الفرنسي؟
لم تكن صحيفة لوموند هي من كشف عن ممارسات التعذيب التي ارتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر، فقد كانت هذه الوقائع معروفة منذ زمن طويل لدى المؤرخين، كما ندد بها صحفيون وأكاديميون حتى قبل اندلاع ثورة نوفمبر 1954، ومن بينهم كلود بورديه الذي كتب: "هل توجد غيستابو جزائرية؟"، وكذلك أندريه ماندوز وفرانسيس جانسون. ثم انضمت إليهم أصوات أخرى، وأخص بالذكر المؤرخ بيير فيدال ناكيه، الذي لا غنى عن إسهاماته.
وهو نفسه من قال إن أهم إنجاز حققته صحيفة لوموند في سنوات الألفين تمثل في كشف الحجم الحقيقي لجرائم الاغتصاب التي ارتكبتها القوات الفرنسية في الجزائر منذ بداية الاستعمار سنة .1830
وكان التعذيب بواسطة إدخال الزجاجة في أجساد الرجال إحدى الوسائل المستخدمة أثناء استجواب الجزائريين داخل مراكز الدرك ومخافر الشرطة. وبعد عام 1954 أضيف إلى ذلك اغتصاب النساء. وقد ظل هذا الجانب يمثل "النقطة العمياء" في أعمال المؤرخين الفرنسيين، لأنه لا توجد بطبيعة الحال وثائق رسمية تتحدث عنه في الأرشيف. لذلك لا بد من النزول إلى الميدان وجمع الشهادات الشفوية لفهم حجم هذه المأساة، وهو ما يجعل عمل الصحفيين والمؤرخين متكاملاً.
أما قضية خنجر جان ماري لوبان فقد شكلت منعطفاً حقيقياً، لأنها كانت المرة الأولى التي يخسر فيها زعيم الجبهة الوطنية دعوى قضائية ضد صحيفة. فقد رفع ضدي دعوى بتهمة التشهير بعدما نشرت تحقيقين عن ماضيه كمعذِّب في الجزائر العاصمة سنة 1957. واستأنف الحكم ثم لجأ إلى محكمة النقض، لكنه خسر في جميع مراحل التقاضي.
فلورانس بوجي: جرائم الاغتصاب غير المؤرشفة هي النقطة العمياء لدى مؤرخي حرب الجزائر
ومن المؤكد أن الخنجر النازي المحفور عليه اسمه، والذي أحضرته معي إلى باريس كدليل إثبات خلال المحاكمة، لعب دوراً ضده. لكن الأهم من ذلك كان شجاعة الشهود الجزائريين الذين قبلوا أن يرووا ما تعرضوا له، مثل محمد مولاي وعبد القادر عمور، وكذلك مصطفى مروان ومحمد عمارة ومحمد عبدلاوي. و أكنّ لكل واحد منهم امتناناً عميقاً، وكأنني مدينة لهم بدين لا يمكن وفاءه.
هل ترين أن الاعتراف الرسمي، بل وحتى تقديم فرنسا اعتذاراً، يُعدّان ضروريين لتحقيق مصالحة حقيقية حول الذاكرة بين الجزائر وفرنسا؟
هذا أمر يعود إلى الجزائريين ليقولوا كلمتهم فيه. لكن يبدو لي بالفعل أن الخلفية الحقيقية للأزمة الدائمة بين فرنسا والجزائر هي قضية الذاكرة.
في فرنسا لا يدرك الناس حجم الصدمة التي عاشها الجزائريون طوال فترة الاستعمار، بل إن كثيرين لا يريدون حتى تخيلها، وربما لأنهم يشعرون في أعماقهم بالخجل منها.
لذلك فإن الاعتراف بالوقائع وتقديم الاعتذار قد يشكلان خطوة أولى. لكن تبقى مسألة العدالة. فمن حيث المبدأ، لا تبدو العدالة ممكنة بسبب قوانين العفو التي صدرت بعد عام 1962. غير أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مثل حالات الاختفاء القسري، لا تسقط بالتقادم.
فما الذي يمنع الجزائريين من إيجاد سبيل لتجاوز قوانين العفو والمطالبة بالعدالة، سواء أمام القضاء الفرنسي أو أمام المحاكم الدولية؟
ما هي الدوافع التي أملت عليك التحقيق في قضايا شديدة الحساسية رغم الضغوط والمخاطر؟
دافعي الأول هو أهمية الموضوع نفسه. ثم لا شك أن عملي في صحيفة لوموند منحني فرصة استثنائية، إذ وفرت لي الصحيفة منبراً لا مثيل له لنشر مثل هذه التحقيقات.
هل أنت متفائلة بمستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، رغم الخلافات المرتبطة بالذاكرة والسياق السياسي الحالي في فرنسا؟
على المدى البعيد نعم، أما على المدى القريب والمتوسط فلا.
ينبغي حقاً أن تتخلى فرنسا عن سياسة "الأخذ والعطاء" في تعاملها مع الجزائر، وأن تبادر بخطوة نابعة من القلب، كما يقول المطران جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر.
كما أن الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد اعتذارات رسمية، وإلا فلن تجد صدى لدى الجزائريين.
إن تحقيق المصالحة أصبح أكثر إلحاحاً لأن شعبي البلدين مترابطان بشكل وثيق. وهناك أمور كثيرة تجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وأنا أؤمن بذلك إيماناً عميقاً.
بعد كتاب "حرب بلا مجد"، ما الموضوع الذي سيتناوله كتابك المقبل؟
لا أعلم بعد. لكن قد أميل إلى كتابة نوع من الجزء الثاني لكتاب "الجزائر... حرب بلا مجد".
أود أن أتساءل: كيف تعيش الأجيال اللاحقة في الجزائر؟ وكيف يعيش أبناء ضحايا لوبان وشميت وغيرهما؟ فكثير منهم يقيمون اليوم في فرنسا.
هل تمكنوا من التسامح؟ والأهم من ذلك، كيف يشعرون اليوم وقد أصبح لديهم أبناء وأحفاد فرنسيون؟
لا بد أن يكون هذا الانقسام الداخلي، وهذا التمزق بين الانتماءين، أمراً بالغ الصعوبة في حياتهم.
الكلمات المفتاحية
حزب "جيل جديد": إقصاء الأحزاب من الحكومة يُفرغ الانتخابات من معناها السياسي
عاد النقاش بشأن طبيعة الحكومة المقبلة إلى الواجهة مع انطلاق العهدة التشريعية الجديدة، بين من يدعو إلى تشكيل حكومة تعكس نتائج الانتخابات التشريعية، ومن يتمسك بأولوية الكفاءة في اختيار أعضاء الجهاز التنفيذي.
كرسي رئيس الغرفة الثانية للبرلمان.. نقاش يتجاوز حدود المنصب
بالتوازي مع الخطاب السياسي بالجزائر الداعم لتعزيز مشاركة المرأة في مواقع المسؤولية؛ انتُخبت النائب خليدة بوفدش رئيسة للمجلس الشعبي الوطني لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان منذ الاستقلال.
وزراء بلا عطلة في عز الصيف.. هل اقترب التعديل الحكومي في الجزائر؟
ويأتي هذا النشاط المتواصل للوزراء في وقت تتصاعد فيه التكهنات داخل الأوساط السياسية والإعلامية بشأن احتمال إجراء تعديل حكومي، لا سيما بعد استكمال المسار المؤسساتي المرتبط بالانتخابات التشريعية وتنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد
الجزائر تتجه نحو "حكومة تكنوقراطية" جديدة وحوار سياسي مع الأحزاب مع الدخول الاجتماعي
تتجه الجزائر إلى فتح مرحلة سياسية جديدة عنوانها تشكيل حكومة تقوم على معيار الكفاءة وإطلاق حوار سياسي مع مختلف الأحزاب خلال الدخول الاجتماعي المقبل، في وقت تتزايد فيه الدعوات السياسية إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بما ينسجم مع نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وسط ترقب لطبيعة الخيارات التي ستطبع المرحلة المقبلة.
انحراف قطار بين جسر قسنطينة والحراش.. تعديل مؤقت في الرحلات
أكدت الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية أنها ستُعلم المسافرين بكل المستجدات المتعلقة بموعد استئناف الحركة والعودة إلى البرنامج العادي
طقس الجزائر.. حرارة قياسية تصل إلى 45 درجة وأمطار رعدية في عشرات الولايات
حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، في نشرية خاصة حول حالة الطقس ليوم السبت، من موجة حر شديدة وأخرى قياسية، بالتزامن مع تساقط أمطار رعدية على عدد من ولايات الوطن.
عبد الله مايغا: لا قطيعة دبلوماسية بين مالي والجزائر والعلاقات تتجه نحو التهدئة
أكد رئيس الوزراء المالي، عبد الله مايغا، عدم وجود أي قطيعة دبلوماسية بين مالي والجزائر، مشددًا على أن العلاقات بين البلدين تشهد تقاربًا في الرؤى بين قيادتيهما، رغم التوترات التي طبعت المشهد خلال الأشهر الماضية.
لوكا زيدان يغيّر ناديه.. تجربة جديدة لحارس "الخضر" في إسبانيا
فتح الحارس الدولي الجزائري لوكا زيدان صفحة جديدة في مسيرته الكروية، بعد مغادرة غرناطة والانتقال إلى نادي ليغانيس، في خطوة ينتظر أن تُحسم خلال سوق الانتقالات الصيفية الحالية.