حوار|  محمد الأمين بحري: بعض الروائيين يكتبون من أجل الصالونات والجوائز فقط

حوار| محمد الأمين بحري: بعض الروائيين يكتبون من أجل الصالونات والجوائز فقط

الناقد محمد الأمين بحري (فيسبوك/الترا جزائر)

يتجدّد النقاش في الجزائر عن الرواية الجزائرية وتراجعها مع كلّ إعلان عن نتائج مسابقة دولية أو إقليمية، وهو ما يحدث الآن مع تتويج روائيين جزائريين بعدّة جوائز أدبية عربية. هنا، يتحدّث الناقد وأستاذ الأدب العربي بجامعة بسكرة محمد الأمين بحري، عن واقع الرواية الجزائرية، وهل تطوّرت فعلًا بالنظر إلى فوز روائيين جزائريين بجوائز عربية، وعن ثنائية الأسماء الكبيرة والأسماء المغمورة، ومختلف أسئلة النقد في الجزائر.

محمد الأمين بحري: الأسماء الكبيرة هي فبركة إعلامية لصناعة آلهة رمزية على الأدب والثقافة

يُعلّق بحري في حديث إلى "الترا جزائر"، على وصول روايات جزائرية إلى قوائم بعض الجوائز العربية، بقوله إن "الجوائز ليست معيارًا للجودة، لكون لجانها التحكيمية تتغّير باستمرار"، وبالمقابل، يؤكّد أن الأسماء الكبيرة في الجزائر في كثير من حالاتها، "هي فبركة إعلامية لصناعة آلهة رمزية على الأدب والثقافة، بغير وجه حقّ".

اقرأ/ي أيضًا: حوار| أمل بوشارب.. فتحت عيني على عالم مليء بالكتب

 

  • أربع روايات جزائرية في القائمة الموسّعة لجوائز "البوكر"، هل فاجأك الأمر، خاصّة مع غياب شبه كلي للرواية الجزائرية في طبعات سابقة؟

أولًا، الجوائز ليست معيارًا للجودة، لكون لجانها تتغير باستمرار، ويبقى حضور النصوص فيها رهين مزاجية المعيار المطروح لتلك السنة. ثانيًا، القائمة الطويلة لأية جائزة لا تعدّ مرتكزًا للتقييم، بقدر ما هي مرحلة أولية للغربلة التي تتمخّض عن قائمة قصيرة، وهي التي يمكن تثمين من وصل إليها، ودليل عدم ثبات المعيار ونسبيته في اللجان، أنّ بعض الروايات لا تُرشّح حتى للقوائم الطويلة في بعض الجوائز، بينما تجدها فائزة متوجّة في أخرى.

  • هل تعتبر الأمر دليلًا على تطوّر للرواية الجزائرية؟ أم سنعود في عام مقبل لنتحدّث عن التراجع مع غياب آخر عن قائمة المتوّجين؟

الهبّة التأليفية التي جرفت معظم أقلام الساحة الثقافية من إعلاميين وشعراء وأكاديميين، نحو الكتابة الروائية في هجوم غير مسبوق هذه المواسم الأخيرة، أرادت أن تقول، نه لا بدّ للتراكم السردي المطرد الذي تشهده الساحة الثقافية الجزائرية الحالية أن يؤتي ثماره، وهذه أولى الزخات. بعد ما فعله ثلاثي "كتارا" لهذا الموسم. لا أقول تطوّرًا؛ وإنما من طبيعة التراكم في الإنتاج أن يُفضي إلى توسيع احتمالات وخيارات الترشيح للصفوة، التي استطاعت أن تكتسح نظيراتها على المستوى المحلّي، وها هي تكتسح نظيراتها على المستوى الإقليمي. وهذا بقوّة طبيعة التراكم الإنتاجي المُثمر بالضرورة في منجزنا الروائي.

  • بمناسبة الحديث عن الجوائز، أين يتوقّف الإبداع وتبدأ الاعتبارات الأخرى؟

لا يمكن للإبداع أن يتوقّف إلا في إطارٍ ضيّقٍ جدًا خاص بهذه الجائزة أو تلك، بينما قد نشهد (كما سبق وذكرنا) تتويج عمل في جائزة كان مُقصىً في أخرى سابقة. وهذا أمرٌ عاديٌّ جدًا. بل إن هناك جوائز تراسل أصحاب بعض الأقلام المقصاة في دورة كي يعاودوا الترشّح في دورتها القادمة مانحة إياهم أمل التتويج. وذلك أن معايير التحكيم قد تكون شكلية في عمل يشتغل على العمق الفكري، فيخرج تلقائيًا من حساباتها، بينما قد يصادف معايير لجنة أخرى ترتكز في جلّ معاييرها على العمق والقيم الإنسانية، والبعد الحضاري والثقافي، كما صار بصمة واضحة تسم توجه بعض الجوائز، أمّا الأمور الأخرى التي قد تؤثر في تتويج وانسحاب الأعمال، والتي تحدثت عنها في سؤالك، فإني أمقت تسييس الجوائز والخطوط الافتتاحية المؤدلجة. وهي موجودة في بعض جوائزنا العربية بكلّ أسف.

  • الحديث عن الرواية الجزائرية يقودنا حتمًا إلى الإصدارات الكثيرة التي نسمع عنها في كل مرّة بمناسبة ما يسمّى بـ "الدخول الأدبي"، لكننا لا نجد لها أثرًا بعد ذلك، ألا ترى أن العيب في المتابعة النقدية كما يقول كثير من الكتّاب الشباب؟

العيوب متعددة الآن، ولعل أبرزها الكتابة المناسباتية، وظاهرة أخرى سأسمّيها النادلية.

فعن الكتابة المناسباتية، أجد من السلبي أن يتعلّق الكتاب بمناسبات ثقافية معيّنة، سواءً الكتابة من أجل الصالونات الأدبية، أو الكتابة من أجل الجوائز. وهذا ما يفرغ العمل من محتواه وقيمته، وهو ما أفرز ظاهرة الكتابة الاستعراضية التي صار الكثير يتبناها، ويصرّح بأنه في كل موسم أدبي عليه أن يدخل بعمل مهما كان مستواه، وكأنه يكتب للاستعراض الصوري والكرنفالي، وليس لقارئ ومثقّف وناقد وطالب يتقبّل عمله كرؤية جمالية وفنية وظاهرة أدبية تضيف إلى فنّها وتجدد فيه.

لا عجب أن تتحوّل الكتابة المناسباتية لدى الكثيرين إلى ظاهرة نادلية. أي الكتاب النادل الذي لم يعد يكتب عن همّ شخصي وفكر جذري عاناه في حياته ويومياته، ولم تعد أنت بين معادلاته الموضوعية في أيّ إبداع أدبي يقدّم رؤيته الفنية للعالم، بل انحدر إلى ذلك المستوى الذي صار فيه نادلًا يكتب حسب الموضة الرائجة بين أبناء العصر، وأحيانًا تحت الطلب، حين تروّج ظاهرة ثقافية ما، أو من أجل أن يقلد عنوانًا لاقى رواجًا، فيستعير شكله ويكتب على منواله عملًا مسيخًا على شاكلة التيك توك.

  • كثيرًا ما تفاجئنا بـ "تشريح" روايات لأسماء مكرّسة وإظهار أخطائها الكثيرة وتناقضات متونها، هل الأسماء الكبيرة جوفاء إلى هذا الحدّ؟

أولًا، عبارة الأسماء الكبيرة هي فبركة إعلامية لصناعة آلهة رمزية على الأدب والثقافة، بغير وجه حقّ، ثانيًا لا يمكن لكاتب ما أن يكون أجوفًا لمجرّد ظهور عيوب فنيّة أو تناقضات أو اختلالات جذرية في بناء عمله. فالإبداعية قد تحالفك في عمل وتخونك في آخر، وهذه طبيعة الميدان. لكن يبدو أن ثقافة "الفانز" التي انتقلت من جماهيرية الغناء والطرب إلى مجال الأدب، جعلت من بعض الأسماء التي كرسّها الإعلام، تتوهّم بأنها ستنجح إن كتبت أيّ شيء، وهذا ما أسقط كثيرين في فخّ النجومية الفضفاضة، التي جاءت تحت هالتها المسكرة أعمالٌ متهالكة بنية ومحتوى، معتمدين على المتابع "الفان" الذي يشجّع الكاتب لشخصه دون أن يقرأ عمله. وما أظهر عورات أعمالهم هو وجود قرّاء حقيقيين، ومثقفين جذريين، لم يحسبوا حسابهم، حين أطلقوا العنان لمؤلفاتهم الفضفاضة المنشورة على طريقة: كيفما اتفق.

  • وماذا عن الإعلام الثقافي الجزائري؟ هل ساهم فعلًا بطريقة أو بأخرى بتكريس "العملات المزيّفة" على حساب المواهب الحقيقية التي تختفي في صمت؟

هذه حقيقة نراها في كل وسائل الإعلام التي لا تساهم في الحركة النقدية من خلال تشريح الأعمال، بل تهمّها الأسماء وحسب، مما جعل النقاش الثقافي غائبًا ومغيبًا، وأضحت المنابر الثقافية تستضيف اسمًا مكرّسًا ليتحدّث عن عمله الذي يمتدحه، دون تشريح أو قراءة فاحصة أو بعد فكري. لأن رأس المال الذي يخدم رواج الحصة أو المنبر الثقافي هناك هو الاسم وليس المنجز.

محمد الأمين بحري: وسائل الإعلام تستضيف الأسماء المكرّسة لامتداح أعمالهم

هنا، لم تتم الجناية على بقية الأسماء وتهميشها وحسب؛ بل إنّ الجناية على العمل الأدبي للضيف نفسه، قبل أن تقضي على قيمة ذلك المنبر الثقافي الإعلامي، الذي يؤمن بأنّه يروّج لذاته بالأسماء اللامعة للضيوف لا بالمنجزات، وقد خلقت هذه الممارسات الترويجية ظواهر عدّة، لعلّ أبرزها شكلية المساهمة النقدية للإعلام الثقافي، وخلق طبقية زائفة بين أسماء المبدعين. ولا نتفاجأ هنا إن رأينا عربة الإعلام الثقافي بكلّ محمولها تسير إلى الوراء، نتيجة تكريس ثقافة (الأسماء الكبيرة)، التي انتقلت من السلع الإشهارية إلى تعليب الأسماء الأدبية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حوار| سمير قسيمي: زاد الحراك أسئلتي وأوقفني على عبثية الوجود

حوار| محمد ساري: الكتابة بالفرنسية واقعٌ لا بدّ منه