حوار| مكي دفاس: أرسم على جدران الشوارع لأعيد للمدن أرواحها

حوار| مكي دفاس: أرسم على جدران الشوارع لأعيد للمدن أرواحها

الفنان مكي دفاس (فيسبوك/الترا جزائر)

لطالما شكّلت المدن مصدر إلهام واهتمام الروائيين والفنانين وصنعت نجاحاتهم، وكانوا هم أيضًا وراء شهرتها وذيع صيتها محليًا وعالميًا، فقبلأربع سنوات رفعت أغنية "ديسباسيتو" التي حظيت بمشاهدة بلغت 7.2 مليار على يوتيوب عدد زوار بورتريكو بنحو 45 في المائة، وقبله ذكّرت روايات أحلام مستغانمي العرب بأنه توجد في الجزائر مدينة عريقة اسمها قسنطينة، وساهم الروائي الأمريكي دان براون وروايته "شيفرة دافينشي" في إعادة اكتشاف العاصمة الفرنسية باريس، وذلك لأنّ هؤلاء وغيرهم تحدثوا في إبداعاتهم عن روح المدينة.

مكي دفاس: الرسم في الشارع لا يكون فضاءً للتعبير عن رأيي ووجهة نظري فقط

روحٌ يحاول الفنان الجزائري عبد الله مكي دفاس إعادة بعثها في شوارع الجزائر بتحويل طرقاتها وجدرانها إلى لوحات فنينة تجسّد فلسفته ونظرته للعمران والمشاريع الحضرية عبر الغرافيتي وما يعرف بـ "فن الشارع" مثلما يكشف في هذه المقابلة.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| نصر الدين شرقي: أنا مُستعدّ لأي قدرٍ يواجهني بسبب خياراتي

نحاول أن نقترب من الفنان مكي دفاس في هذا الحوار، ليروي عن تجربته وفلسفسته الفنّية ومسيرته وتتويجاته ومعرفة أهم اللوحات التي حملت توقيعه في الشوارع الجزائرية.

  • بداية، هل يمكننا التعرف على أسباب توجه مكي دفاس إلى الغرافيتي وفنّ الشارع دون باقي فنون الرسم الأخرى؟

ولعي بالرسم والفن التشكيلي كان منذ الصغر، ربّما لانني نشأت وسط عائلة فنية؛ فالوالدة من خريجي المدرسة الوطنية للفنون التشكيلية بالعاصمة، الأمر الذي جعلني أعيش طفولتي وسط المعارض والمهرجانات واللوحات الفنية، وهي ظروف ساهمت في تعلّقي بالرسم وإتقانه، فشاركت في العديد  من المعارض بدوري.

لكن هذه المعارض لم تكن تكفي شغفي، فلقد أحببت منذ الصغر أن أخرج رسوماتي من ضيق الصالونات إلى رحب الشوارع وعبق المدن، ومع مرور السنوات أصبح هذا الشغف هدفًا ومشروع حياة بالنسبة لي.

  •  لكن لماذا هذا الانحياز الكبير للشارع دون الفضاءات الأخرى؟

 ازداد ارتباطي بضرورة عرض رسوماتي وإبداعاتي في الشارع، عند انتهاء تنظيم أيّ معرض أو مهرجان، فأيامه المعدودة تنتهي بسرعة، على عكس الرسومات التي تعرض في الشارع فهي دائمة الحياة ، ولا تموت باختتام المهرجان.

أعتقد أن فلسفتي في الرسم وحبّي للشارع تتقاطع وثقافة الهيب هوب الغربية، لذلك اتجهت لفنّ الغرافيتي، وكنت من الأوائل الذين مارسوا هذا النوع من الفنّ في الجزائر، ففي عام 2010  كانت الانطلاقة، حينما شرعت في الرسم على الجدران، وحاولت أن أفجّر إبداعاتي في العديد من شوارع المدن الجزائرية كجيجل مسقط رأسي التي احتضنت انطلاقاتي الأولى، وقسنطينة وأم البواقي ومستغانم وبجاية وتيزي وزو والجزائر العاصمة.

بالنسبة لي، الرسم في الشارع لا يكون فضاءً للتعبير عن رأيي ووجهة نظري فقط، إنما أيضًا أن أجعله منصّة للتعبير عن رأي المجتمع وعموم الجزائريين، وهو ما يظهر مثلًا في غرافيتي الجوكر "كلنا مهرجون"، وغرافيتي "اصنع فنًا لا حربًا" الذي كان بالمشاركة مجموعة من الرسامين الهوّاة.

أعتقد اليوم أن الخطوات الأولى التي قُمت بها ساهمت في انتشار هذا النوع من الفن في الجزائر، فقلد شاهدنا أن العديد من الأحياء و"الحومات" والمدن أصبحت اليوم تتنافس على وضع لمسات الفنانين على جدرانها وتزيين شوارعها.

  • هل اكتفى مكي بالموهبة لتطوير إبداعاته الفنية أم تلقى تكوينًا أكاديميًا لتطويع ملكة الرسم عنده؟

بعد حصولي على البكالوريا، لم احتج لوقت كبيرٍ لتحديد التخصص الذي أدرسه، فتطوير شغفي الفني هو من رسم المجال الذي أردته أن يكون في مشواري الجامعي، لذلك التحقت بجامعة العربي بن مهيدي بأم البواقي، واخترت تخصّص المدن والمشاريع الحضرية، فاكتساب الخلفية النظرية أمر ضروري لضمان تدخل  إيجابي في طابع المدن الحضرية.

  • تحظى الأماكن والمدن دومًا بمكانة خاصة لدى الفنانين والمبدعين لأنهم ينظرون إليها بعين أخرى قد تختلف عن نظرة الإنسان العادي، فكيف يرى مكي المدن الجزائرية؟

كل ما يشدّ انتباهي عند تجولي في أي مدينة من الجزائر هو جدرانها، لأنني أعتقد أنها مظلومة وتفتقد إلى روحها التي تميزها عن باقي الأمكنة الأخرى، التي تجعلها تخبر المارة وزائريها عن هويّتها والواقع الذي تعيشه شوارعها، لذلك أعتقد أن فن الشارع والغرافيتي بإمكانها أن يعطي حياة جديدة للشوارع والأزقة، ويبرز سماتها المحليّة التي قد لا توجد في شارع أو مدينة أخرى.

  • ماذا حقق العشريني مكي دفاس حتى اليوم لينصف هذا النوع من الفن الذي يمارسه ويعشقه؟

 ما أقدمه من فن يلقى إعجابًا من الجمهور ومن المسؤولين المحليين أيضًا، غير أن المشاريع التي أقترحها تكون أحيانا أكبر من اهتمامًا بعض البلديات التي ترى أن توجه انشغالها لمجالات أخرى قد تشكل أولوية لها بالنظر إلى إمكاناتها المحدودة.

ورغم ذلك، أنا أعمل حاليًا على مشروع جديد يتمثل في إنجاز جدارية للفنان الراحل رويشد بببلدية الجزائر الوسطى قرب البريد المركزي، كما استطاعت أعمالي افتكاك التتويج  في عدة مناسبات، منها الفوز بالجائزة الأولى في الفن التشكيلي على المستوى الوطني عام 2016 في سوق أهراس، والتتويج في المهرجان الدولي "احكي الفن" بتيزي وزو 2019، إضافة إلى مشاركات أخرى محليًا وخارجيًا.

مكي دفاس: ما قدمته حتى اليوم يبقى بداية لتحقيق طموحات ليس لها حدود

ما قدمته حتى اليوم يبقى بداية لتحقيق طموحات ليس لها حدود، والتي أرجو أن تمكنني من إيصال إبداعاتي إلى العالمية، للتأكيد أن الجزائر تملك من مستوى متقدمًا في المجال الفنّي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المهرجان الجزائري للمسرح المحترف.. دورة متقشّفة

عبد الله بهلول.. أن تمارس المسرح وتدرسه