حوار| نور الدين تابرحة: الفنان مخلوقٌ شغوف بالتمرّد

حوار| نور الدين تابرحة: الفنان مخلوقٌ شغوف بالتمرّد

التشكيلي نورالدين تاربحة (فيسبوك/الترا جزائر)

يَلِجُ الفنَّان التَّشكيلي نور الدين تابرحة (1967)، عوالِمًا أخرى غير تلك التي نُدركها من خلال أعمال فنية متفردة الثيمة، عوالمٌ فسيحة لا يبلغها سوى محبو الفن الموغلين في أغوارِ الهوية بكلّ أصالتها وتراثها.

يقف نور الدين تابرحة في صف الفنانين الذين يأبون الرضوخ للموت الثقافي والفنيّ 

 نغرَقُ مع تابرحة طوعًا في غياهب موغلة في البهاء والتَّعقيدِ، عبر تلك الطلاسم والألوان المتداخلة في لوحاته، وتلك الوجوه والمنحوتات التي تحاكي، هويّة أمازيغية متحررة من الشعبوية والفلكلور، وتتحدّى الزمن بكل قواها بحضورٍ مُتجدِّرٍ في التاريخ الإنساني لمنطقة المتوسط وشمال أفريقيا.

اقرأ/ي أيضًا: سحيري: عودة عريوات إلى التلفزيون مرتبط بقرار منه

يقف نور الدين تابرحة أيضًا في صف الفنانين الذين يأبون الرضوخ للموت الثقافي والفنيّ الذي تعاني منه البلاد منذ عقود، من خلال نضالٍ يشمَلُ نشاطات شخصية وجامعة للفنانين، تشجّع الفن التشكيلي والفاعلين الثقافيين الجزائريين الذين يعانون من التهميش، ومن "التنكيل" بأعمالهم وفنهم الذي تراكم عليه غبار الإهمال في غياب سياسات ثقافية جادة.

هنا، يخصّنا الفنان بهذا الحوار، الذي سمح لنا من خلاله بالولوج إلى دواخله، لنتعرف فيها على الفنان والإنسان والمناضل الذي يعمل جاهدًا لخدمة الفن التشكيلي وإنقاذه من الموت.

ما الفنّ التشكيلي في حياة نور الدين تابرحة؟ 

إنّ الفن عمومًا هو إمتداد للإنسان فينا، وهو ما يستثمر كل مصادر الإبداع في الذات البشرية، إذ أنه يخترقنا منذ النشأة والتكوين، ويتوغّل في كلّ ما يتعلق بالمحيط الذي ننتمي إليه.  

 أعتبر نفسي كثير الحظِّ إذا ما تعلَّق الأمر بأفريقيتي وانتمائي المتوسّطي، ما يجعلني مُنْفتحًا كبني جلدتي على شَتّى الحضارت الإنسانية، فالنشأة تروينا بعناصر الهوية التي لا يراها سوى المبصرون المتبصّرون، ولا يشعر بها سوى من يمتلك روحًا أرقَّ من المعتاد، وجمعًا من الحواس المرهفة التي تستشعر الفنّ في كل الزوايا.

لقد كان لطفولتي خزانًا من كرمٍ ألقى ببركته على أعمالي الفنية، وقد حدث هذا بعد خوضي لتجربة فنيّة استنفذت خلالها شتى الأساليب المعتمدة والتقليدية، ما سمح لي بمراجعة ذاتي وإدراك ذلك الحظ الكبير الذي أُوتِيتُه

لقد فهمت أن انتمائي لروح أسلافي هو ما فجَّر تلك الروح التي تبنّت هويتي الفنية الحالية، ما أنا ممتنٌّ له بحق، لأن هذه الهوية لا تكمن في التمكن من المهارات وكسب التقنيات وامتلاك أدوات التعبير فحسب، بل إنها توثق روح الفنان في خضمّ كلّ تلك الصّراعات الهوياتية، وتمنح عنوانًا خاصًا لأعماله، ليفك به شيفرة الجينات الفنية.

  ما أثرُ ثِيمَةِ التّراث الأمازيغي وبيئة شمال أفريقيا في أعمالك وتقنياتك الفنية؟

لا شكّ في أنّ التّراث الأمازيغيّ هبة غالية تركها لنا أسلافنا ووجب الإستثمار فيها بشكل ذكيّ، فالقيم الفنية العالية الموجودة في الثقافات الشعبية البصرية، قيمٌ عالية جدًا أوجبت إعادة بعثها بروح جديدة، ومما لا ريب فيه أن بعث الشيء من جديد يمنح حياة أخرى لعناصره الفنية التي تعيش الإحتضار.

إن تراثنا البصريّ يستحق استثمارًا بروح العصر، ولغةً جديدةً، وتشكيلاً متجدِّدًا يُقدّم التراثَ الأمازيغيَّ المتفاعلَ مع كلِّ الحضارات، وأعتقد جازِمًا أنه من شأن الترسّبات الفنية أن تكون مرجعية، إذا أحسنّا طريقة المراجعة.  

بيدَ أنّ اللوحة مساحةُ أهازيجٍ تتطلب الإبصار والتأمّل العميق، إضافة إلى الاستماع المُعمّقِ، عدا ذلك، يغدو الأمرُ اجترارًا لا معنى له.

للأسف، كَثُرَ المُتاجرون بالتّراث البصري، إذ انتشرت إساءات بالجملة لهذه الثروة، مما سبَّبَ نوعا من التقزّز والنفور من كلّ ما هو شعبي، وتغييب فكرة كونِ التراث الجمالي مملكة مقدسة لها أركانها وأصولها التي توجب تفعيل محركات البحث، واستغلال كل المناورات الممكنةِ لإبراز قيمها الساحرة.

  • هل من الممكنِ أن يستمرَّ الفنّان التّشكيليّ في العطاء في ظلّ الظروف السياسية والثقافية المتذبذبة في الجزائر؟

يستمرُّ الحديث في الجزائر عن الفن والإبداع،  يحدثونك عن تجارب فنية سابقة، يرددون شعاراتٍ عن الآفاق ويرسمون لك أحلامًا بأقلام الفحم لتمحوها أصابع الواقع بسهولة، فالقائمون على الثقافة في البلد إضافة إلى المثقفين الموالين لهذا "الجسد المريض"، لا يعملون على تثبيت هذه الأحلام، ما يجعلها آيلة للزوال في كلّ مرة، لهذا، وجب علينا كفنانين أن نوصل رسالة احتجاجٍ تحمل أسلوبًا ساميًا متعففًا من كل شُبهة.

إنّ الفن التشكيلي في واقع الأمر مأزوم ومهزوم في الجزائر، تتبنّى فيه السلطة طرفًا، ليحمل الفنان بعدها على عاتقه بقية الأطراف، فيصبح التورّط واضحًا، ولا حاجة لأيّة شهادة او إدانة موثقة تدين المتهمين الحقيقيين، وما يزال هناك الكثيرون ممّن يقدّسون الموتى، ويعملون على عبادة القبور ويغتصبون حقوق الأحياء، وهذا ما يعكسه واقعنا الفني.

 يعرفون إسياخم  ومحمد راسم  وخدة وباية، لكنهم لا يعرفون الأحياء، لأن تقديس الموتى لديهم، غلب على تمجيد الأحياء أو لنقل أنهم شجعوا العمل على استئصال الإبداع من هذا الوطن، ليصبح استئصالًا ممنهجًا وتمييعًا لكلّ واقع وحاضر عن سبق إصرار.

أرى أن ضحالةَ ما يقدم هو ترجمةً لأزمة الفنّ على مستوى المؤسسات الرسمية والخاصّة، على حدٍّ سواء، فالكلّ يمارس حاليًا ما يسمى "البريكولاج" بعيدًا عن طموح الفن والإبداع، لهذا أعتقد أن مراجعة طرق التسيير صارت حاليًا ضرورة حتمية. في الفن علينا أن نتوقّف عن الاندماج في الشعبويات وعن التوغل في النمطيات الهشة، علينا أن  نتبنى الحداثة والشفافية للوصول إلى غاياتٍ سامية.

  • اعتبرَ الفنّان التشكيلي محمد بوكرش في حوارٍ سابق له، أن الفنّ التشكيليّ لعبة أحسنها منذ الطفولة، هل تعتقد أنكَ أتقنت بدورك قواعد هذا الفن؟

بدايةً، أودّ أن أنوه إلى كونِ الفنان القدير محمد بوكرش صديقًا قديمًا وعزيزًا جدًا، أفتقده كثيرًا، كما أن علاقتي به وطيدة بحقّ، أتمنى له من خلال هذا المنبرِ شفاءً عاجلاً من وعكته الصحية التي طالت قليلًا.

إنَّ الفنَّ لعبةٌ جميلة حقًا، إن أحسنّاها وتشبثنا بها ونحن صغار، كبرت فينا قَطعًا لتصير لعبةَ العمر الكبرى، وعلاقة الطِّفل بالفنِّ وطيدة وعميقة، وكلّما كبرت التجربة عظُمَت النتيجة الفنّية، لهذا تبقى طفولتنا حاضرة  كونهَا بصمةً لا تُمحى في أعمالنا رغم مرور العمر، ليغدو حضورها بلسمًا يُلطّف جفاف سنوات العمر، كما أنَّ اللَّعِبَ في الفنِّ هو شكلٌ من أشكالِ الجدّية.

  • كيفَ كانت تجربتك في رواق جنان لاندو ببسكرة، وما هي العواقب التي واجهت إشرافك على هذا الرِّواق؟

 مدينتي، مدينة بسكرة مسقط الفنون التي تتمتع بتعايشٍ ثقافيٍّ كبير، أنجبت الكثير من الأسماء الفنية، لكن الكثير من المبدعين أيضًا هجروا هذه المدينة بحثًا عن إنعاشٍ للحياة الفنية في مناخ آخر.

من المعيبِ أن يبقى عددٌ كبير من الفنانين دون أماكن للعرض، فهذا لا يخدم بتاتًا فنّ الإبداع التشكيليّ، وحين تمتلكُ مرسمًا خاصًا دون إمكانية الخروج بأعمالك للناس، فإنَّ هذا يخل  بمنظومة العرض والطلب الفنية، وبالتالي حرمان التجارب  الجادة من البروز وعرض أعمالها في مناخ مناسب ومعارض محترمة.

شخصيًا، لا أنكر أن الحظ خدمني أحيانًا رفقة العديد من الفنانين، لأننا مجموعةٌ منسجمة، نتعامل كأصدقاء بكُلِّ شفافية واحترام، ومن هنا كانت لنا تجربةٌ واعدة في رواق المحطة، وبعدها تجربة رواق الفنون بالمركز التجاري الخير.

نقدم حاليًّا تجارب في رواق لاندو للفنون، وهو مزارٌ فنيّ يتوسّط حديقة جميلة جدًا، وقد حاولنا أن نخلق أجواءً تتماشى مع طقوس الفنانين، وأن نشجّع كلّ تجربةٍ جادّة من شأنها أن تضيف الجمال لمدينتنا، ما يعني أننا قاومنا بمناعة وبشدَّة كلّ أسباب التثبيط، وانتصرنا، لأننا نمثل الصّدق والفن والجمال. انتصرنا لأننا لا نتبنى أي أغراض شخصيّة، بل كنا أسرى الجدية والتسيير المحكم فقط، نقدمّ معارضنا دون تمويل ودون رعاية، ورغم ذلك، أثبت الحضور تشجيعه لنا، وأضحى في نمو مستمر، وهذا ما يثبّت أقدامنا على خطى الأمل، ويشجعنا من أجل خوض تجارب جديدة.

 لقد ساندَنا أهل بسكرة الواعون في معاركنا الفنية ووقفوا بجانب الفنانين، لهذا نعمل دون هوادة  للحفاظ على هذه المكتسبات وترقيتها وتقديمها بشكل مشرّف ليظل رواق لاندو  منارة تشكيلية تضيء درب الإبداع  في بسكرة والجزائر عمومًا.

  • هل يمكن أن يتملّص الفنّان من روح تسكنه لسنوات بغية التجلي في ثيمةٍ أخرى؟

إنّ الفنان عمومًا، مخلوقٌ شغوف بالتمرّد على تلك المسؤوليات التي رُسمت له وأُريدَ له أن يتبعها، وتكمن ماهية هذا الإنسان في كونه شخصًا متملصًا من المساحيق الإجتماعية، وهذا ما يضع الفنان الحق تحت العِقابِ بجفاء ودون تردد من طرف مجتمعه نفيًا وقهرًا، كما يخضع للإقصاء والإبعاد كأساليب  تعنيفٍ وتنكيل، لكن المجتمعات تستدرك نفسها أحيانًا وتقدم اعتذاراتها الممزوجة بالإعتراف وحفظ الجميل للفنان.

لكن، ليس في مقدور الفنان التشكيلي أن يتملّص كليًا، ولا قدرة له على الهروب أو التخلي، وإن فعل ذلك فقد انتحر، لأن المواجهة تصنعك وتزيدك مناعة وقوة، مع ذلك، لا يمكن أن تُدارى بعض أساليب التخفي التي يمارسها البعض.

شخصيًا، أجد في الفن متعتي ونشوتي، أمارس طقوسي  كما  أشتهي لأشارك  عشاق فني في معارضٍ محترمة لها أسس ومقومات للنجاح، لتظلّ روح الفن فيّ نافرة من  كل نشاز، تعتنق كل جميل حيثما وُجد. 

  • ما الذي يحتاجُه الفنّان التشكيلي في الجزائر؟

لا أحد ينكِرُ الظروف الآنية بكُلِّ مآسيها وجفائها على  المبدعين، فأنا أطّلع بكلّ حسرة وحزن منذ فترة على رسائل التعازي وبيانات التأبين، لأنَّ أخبار المرض والموت صارت تصنع كل الحدث.

​ لقد ساندَنا أهل بسكرة الواعون في معاركنا الفنية ووقفوا بجانب الفنانين

مع ذلك، ورغم كل هذه الظروف التي تعصف بنا، إضافة إلى سوء التسيير الثقافي المتفشّي في كل ربوع الوطن، يبقى إيماننًا أقوى من سلطة  الضبط الثقافي، يتغذى بزاد الجمال وعظمته، وكلما تجلت روح الفن فينا نزداد جسارَة في المقابل لمناهضةِ الفساد والمحسوبية والتفضيل، ولن أنكر أبدًا ما حييت جميلَ الفنِّ على شخصي، فهو ما شحن روحي  بود الآخر المختلف عني في أي توجه أو رأي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عثمان عريوات.. "الجنرال" يعود إلى التلفزيون الجزائري

السينما الجزائرية تفقد ملاكها الأبيض