ultracheck
مجتمع

حين يختنق وادي الحراش... متى يتنفّس الجزائريون؟

29 أغسطس 2025
ضفاف وادي الحراش بالجزائر العاصمة..
ضفاف وادي الحراش بالجزائر العاصمة.. (الترا جزائر)
إيمان عويمر
إيمان عويمر صحافية من الجزائر

في صباح يوم الجمعة، وبينما كانت مصالح الأحوال الجوية تُنبه لجو حار جدا من أيام فصل الصيف بالجزائر، سارت الحافلة  (منتصف شهر أوت 2025) كعادتها على الطريق المحاذي لوادي الحراش بالجزائر العاصمة. تقلّ في وسطها عشرات المواطنين: عُمال أنهكتهم يوميات الأسبوع، وأمهات يَحملن هَمّ الأسرة وفي زيارة لصلة الرحم، طلبة وحالمون بغد أفضل.

حادث الحافلة: تحولت صرخات الفزع إلى صمت ثقيل، بينما كان رجال الإنقاذ ينتشلون الأجساد من عمق الوادي، بعضها لم يتمكن من النجاة.. ولا من خطر التلوث

لم يكن أحد من ركاب الحافلة القديمة، َيعلم أنّ تلك الرحلة العادية ستتحول فجأة إلى مأساة.. ورُبما إلى النهاية. 

ضفاف وادي الحراش.. فاجعة 

انزلقت الحافلة فجأة وهوت نحو مياه الوادي الملوثة، الحادث أسفر عن وفاة 18 شخصا و24 جريحا، تلك المياه التي لطالما تجاهلها الجميع، في مقابل وعود منذ سنوات لأن تكون ضفاف "وادي الحراش" جنة، بعد إعادة التنقية والتهيئة وإزالة السموم. 

لم تكن المياه مجرّد طين، بل كانت مزيجاً ساماً من النفايات الصناعية والصرف الصحي، رائحة خانقة، لون أسود لا يعكس لون السماء الأزرق ولكن ضوء الشمس تسلّل إليه خِفية بعد عصر يوم الجمعة. 

في دقائق معدودة، تحولت صرخات الفزع إلى صمت ثقيل، وبدأ رجال الإنقاذ ينتشلون الأجساد، بعضها لم يتمكن من النجاة ..ولا من خطر التلوث.

حادث سقوط حافلة في وادش الحراش

 

صرخة ضدّ التلوث 

سأل أحد الصحافيين: لماذا الاهتمام بحادِث بالجزائر العاصمة؛ تكرّر مثله في رُبوع ولايات الوطن؟ 

سُؤال جائز في زمن تَنشُر فيه مصالح الحماية المدنية في كلّ تحديث من أخبارها الآنية وعبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي عن حصيلة مُتجددة لحوادث السير.

الجواب: لم تكن فاجعة الحراش الحادثة الأولى، لكنّها كانت الأكثر إيلاماً، لأنها لم تكن مُجرد حادث سير. 

كثيرون قدموا إجابات تدور حول السؤال نفسه: "كانت صرخة في وجه التلوث، لقد كان الوادي يوماً شرياناً أخضر يخترق العاصمة، إلى مستنقع للموت".

هكذا يعُود السؤال القديم للواجهة: "كيف تحوّل وادي الحراش، الذي كان قبل قرنين ينبض بالحياة، إلى نهر يرمز للخطر والموت؟ 

 

أين الهواء النقي؟ 

مع التوسع العمراني الذي شهدته مدن الجزائر، بدأ وادي الحراش بعاصمة البلاد، الذي يمتد على طول 67 كلم، يتغيّر شيئاً فشيئاً وأصبح هذا المجرى المائي يُضرب به المثل في التلوّث بدل الجمال.

للمكان ذاكرة وتاريخ، إذ تسلّلت النفايات إلى مياه وادي الحراش، حتى تغيّر لونه إلى الداكن الغامق، نتيجة التفريغ العشوائي للمخلفات الصناعية من المصانع المُنتشرة على ضفافه. 

بعض الروايات المتداولة بين الجزائريين: كان وادي الحراش من بين الفضاءات الجميلة والمتنفس الطبيعي لسكان أربع ولايات حول العاصمة، ومكانًا يقصدونه للراحة والاستجمام

هذا التلوث لم يُؤثر فقط على الجانب البيئي، بل تجاوز ذلك ليُؤثر على حياة السكان، حيث أصبحت رائحة الوادي لا تُطاق، ما دفع المارة إلى سدّ أنوفهم، في مشهد يومي يُجسّد الإهمال البيئي وغياب الرقابة الصارمة.

قبل عقود من الزمن لم يكن هذا الوضع قائمًا، كما يُؤكد أبناء منطقة الحراش – إحدى أشهر المدن الجزائرية – لـ "الترا جزائر".

يضيف أحدهم: "ما أعرفه عن تاريخ الوادي أن مياهه كانت تنساب صافية من أعالي الأطلس البليدة نحو البحر الأبيض المتوسط".
ووفقًا لما تناقلته حكايات الجزائريين، فإن "وادي الحراش لم يكن مجرد مجرى مائي في سنوات مضت، بل كان من بين الفضاءات الجميلة بل المتنفس الطبيعي لسكان أربع ولايات حول العاصمة (بومرداس، الجزائر، البليدة والمدية)، ومكانًا يقصدونه للراحة والاستجمام، لما يزخر به من جمال طبيعي وهدوء بيئي".

 

ذاكرة الوادي.. منبع الحياة

حسب الروايات المتداولة، استخدم الوادي لريّ الأراضي الزراعية، وكانت ضفافه مليئة بالبساتين، حتى أنّه عُرف في العهد العثماني، باسم "وادي الرمان" نظراً لوفرة أشجار الرمان على ضفافه.

بدأ وادي الحراش يفقد جماله مع دخول الاستعمار الفرنسي، حيث تم تشييد العديد من المصانع على ضفافه، وأصبحت مياهه ملوّثة بمخلفات المصانع، والصرف الصحي، مما أدى إلى نفوق الحياة البيئية فيه. 

منذ سنوات الثمانينيات؛ انطلقت دراسة مشروع وادي الحراش، واعتبرت المؤسسات الصناعية المسبب الأول في تلويث مياهه بنسبة تفوق 80 بالمئة وترسب المواد السامة التي تعود إلى قرابة نصف قرن وبصورة أقل النفايات الخاصة (المنزلية).

 

صورة نادرة لوادي الحراش وفقا للدراسات التقنية على المنطقة وسط الجزائر
صورة نادرة لوادي الحراش وفقا للدراسات التقنية على المنطقة وسط الجزائر

 

وتُشير معطيات رسمية، أنّ أزيد من 370 وحدة صناعية كانت تتخلص من فضلاتها (كيميائية، صيدلانية، بتروكيماوية) وغيرها من النفايات السامة، بوادي الحراش عبر العديد من المصبات، التي تقع في أكبر منطقتين صناعيتين في كل من الرويبة والسمار (شرق العاصمة الجزائرية).

ولهذا استهدف مشروع التنقية، تحسيس المؤسسات للتزود بمحطات تطهير ومعالجة نفاياتها الصناعية قبل صبها في الوادي.

أزيد من 370 وحدة صناعية كانت تتخلص من فضلاتها (كيميائية، صيدلانية، بتروكيماوية) وغيرها من النفايات السامة، بوادي الحراش عبر العديد من المصبات

ومنذ انطلاق مشروع إعادة تهيئة الوادي، في الـ 3 من شهر حزيران/ يونيو 2012، التي أسندت لمجمع مؤسستي كوسيدار ودايو (شركة حكومية) بكلفة 38 مليار دينار جزائري، يرقب القاطنون في الحراش خاصة والجزائريين عامة، انتهاء الأشغال لاستعادة هذا الفضاء البيئي.

وبمجرد إلقاء نظرة على الوادي يُمكن لأي أحد أن يلحظ أنّ أشغال التهيئة الخارجية بلغت مراحل مُتقدمة تقريباً لكن لون الوادي لا يزال داكناً، والرائحة تنبعث منه.

وتؤكد منظمة حماية المستهلك الجزائرية أنّ وادي الحراش يُعتبر من المجاري المائية الأكثر تلوثًا في الجزائر، حيث يستقبل، مياه الصرف الصحي غير المعالجة، نفايات صناعية وكيميائية، مخلفات عضوية وبقايا الحيوانات، سوائل راكدة غنية بالملوثات البيولوجية.

منظمة حماية المستهلك الجزائرية: وادي الحراش يُعتبر من المجاري المائية الأكثر تلوثًا في الجزائر، حيث يستقبل مياه الصرف الصحي غير المعالجة، نفايات صناعية وكيميائية، مخلفات عضوية وبقايا الحيوانات

واعتبرت ذات المنظمة، أنّ هذا الخليط يُشكل بيئة مثالية لتكاثر الجراثيم والفيروسات والمواد السامة، ما يجعل السباحة أو الغوص فيه تصرفًا عالي الخطورة.

 ويُعتبر مشروع تقنية "وادي الحراش" من أكبر التحديات التي تُواجه الحكومة، فهو بالنسبة للجزائريين نقطة سوداء، ومن بين أخطر الأودية، حيث ارتبط بالتلوث والفيضانات. بالإضافة إلى أنّه، وخلال سنوات التسعينيات -فترة حساسة عاشتها الجزائر-كانت المساحات القريبة من وادي الحراش قِبلة للسكان القادمين من الولايات المجاورة والذين فروا من ويلات ما عُرف إعلاميا بـ "العشرية السوداء"، فشيدوا سكنات فوضوية على ضفافه فاقت الـ 11 ألف بيت من الصفيح، واستمرت لسنوات قبل أن تقوم السلطات بالقضاء عليها ضمن برامج ترحيل السكان إلى بيوت وأحياء لائقة.

الجزائر العاصمة

مفرغة "وادي السمار".. تجربة تُنعش الآمال

تحويل وادي الحراش إلى فضاء بيئي نظيف، لا يزال مشروع الحلم الكبير الذي يراود الكثيرين في الجزائر، خاصةً في أعقاب النجاح في تحويل المفرغة العمومية بوادي السمار (طيميط) إلى حديقة خضراء ومركزٍ للراحة والترفيه للعائلات.

ويهدف مشروع إعادة التأهيل، إلى تحويله من وادي الموت إلى متنفس حضري لسكان العاصمة، على أمل استرجاع جزء من ماضيه الجميل.

   الباحث في علم الاجتماع محمد الزاوي: أتذكر في سنوات الثمانينات والتسعينات كنا نغلق أنوفنا ونحن نمر على جسر هذا الوادي، لكن يبدو أن صورته وملامحه بدأت تتغير بفضل التهيئة العمرانية الجديدة

وفي السياق يقول الباحث في علم الاجتماع محمد الزاوي إنّ وادي الحراش، كان في الماضي واد خصبا تحيط به الحقول والبساتين، لكن مع توسع العمران والصناعة أصبح مجري ملوثا، رمزا للإهمال البيئي. بدأت مياهه تفقد نقاءها، وتنبعث منه روائح كريهة بفعل النفايات.

ويُضيف الزاوي في تدوينة له “أتذكر في سنوات الثمانينات والتسعينات كنا نغلق أنوفنا ونحن نمر على جسر هذا الوادي. لكن يبدو أن صورته وملامحه قد بدأت تتغير بفضل التهيئة العمرانية الجديدة.

وأضاف أنّ الأمر الحزين والمفجع أنّ هذا الوادي أصبح اليوم مسرحا لمأساة وطنية، بسقوط حافلة خاصة يقال إنها "ما زالت في الخدمة وهي في الواحد والعشرين عاما" منذ سنة 2004 وهي تعمل وأنها كانت تحمل أكثر من ثلاثين شخصا فوق الطاقة الاستيعابية للحافلة، ما أضفى على المشهد بُعدا رمزيا مؤلما".

تتجاوز تطلعات الجزائريين تجاه مشروع "وادي الحراش" مجرد أشغال التهيئة، لتصل إلى رغبة عميقة في تصحيح مسار حضري، والتصالح مع أزمة بيئية تفاقمت بفعل الإنسان، نتيجة غياب الحس بالمسؤولية تجاه الطبيعة.

 

الكلمات المفتاحية

عطلة الصيف

أين يسافر الجزائريون هذا الصيف؟ وجهات جديدة تفرض نفسها في 2026

ومع اقتراب كل صيف، لا يتغير المشهد كثيرا سوى في التفاصيل، رغبة في السفر، مقارنة بين الأسعار، بحث عن وجهة مناسبة، ومحاولة لإرضاء الأطفال دون إرهاق ميزانية العائلة، بين من يفضل البقاء داخل البلاد بحثا عن البحر القريب والراحة البسيطة، ومن يغامر نحو وجهات أبعد بحثا عن تجربة مختلفة، تتشكل اختيارات متعددة، لكنها لا تحسم دائما بسهولة.


الأضاحي

شكاوى وتحقيق رسمي.. ماذا حدث فعلا في ملف الأضاحي المستوردة؟

وجاء هذا القرار على خلفية تسجيل جملة من الانشغالات والشكاوى التي رفعها مواطنون خلال مختلف مراحل العملية، حيث أكد بعض المسجلين عبر المنصة الرقمية أنهم أودعوا طلبات اقتناء الأضاحي دون أن يتم الاتصال بهم، بينما اشتكى آخرون من تفاوت أحجام الخرفان المعروضة للبيع، ووصف بعضهم الأضاحي التي تحصلوا عليها بأنها هزيلة مقارنة بتوقعاتهم


عيد الأضحى في الجزائر

طقوس في الذاكرة .. كيف تغيرت أجواء عيد الأضحى في الجزائر؟

"حنا بكري"... عبارة يرددها الجزائريون يوميًا، تختصر المسافة بين جيل وآخر كما تحمل بين حروفها الحنين العميق إلى زمن مضى، حين كانت المناسبات تُعاش بروح مختلفة.


الأضحية والأطفال

عيد الأضحى.. كيف تؤثر مشاهد الذبح على نفسية الأطفال؟

وبين من يرى أن مشاهدة الذبح تساعد الطفل على فهم الشعائر الدينية والتعرف على معاني التضحية والتكافل، ومن يعتبر أن بعض الأطفال قد يتأثرون نفسياً بهذه المشاهد، يؤكد مختصون في علم النفس أن طريقة تقديم الحدث للطفل، وسنه، وشخصيته، والبيئة المحيطة به، كلها عوامل تحدد طبيعة استجابته. فكيف يتفاعل الأطفال مع مشاهد الذبح؟

تشريعيات 2026
سياسة

تشريعيات 2026.. لماذا تراهن الأحزاب على النقابيين والجمعويين؟

ورغم أن القانون الجزائري يقيد المزاوجة بين النضال السياسي والحزبي والعمل النقابي والجمعوي، إلا أن المواعيد الانتخابية تجعل الأحزاب على الدوام تتقرب من النشاطين العماليين والجمعويين وترشيحهم في صفوفها حتى ولو كانوا لا ينتمون سالفا إلى صفوفها، نظرا لاعتقادها أن رصيدهم الجماهيري قادر على حجز مقاعد إضافية لأي تشكيلة سياسية تحظي بترشيحهم.

سكالوني
رياضة

أكد مشاركة ميسي.. ماذا قال سكالوني عن المنتخب الجزائري؟

وخلال مؤتمر صحفي حضره إلى جانب المدافع نيكولاس أوتامندي، تحدث سكالوني عن استعدادات حامل اللقب للدفاع عن تتويجه العالمي، مؤكدًا أن البداية أمام الجزائر تتطلب تركيزًا كبيرًا بالنظر لقوة المنافس.


طقس الجزائر
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار ورعود مرتقبة بعدة ولايات

وأشار البيان إلى أن المناطق الشمالية ستشهد أجواء صافية إلى مغشاة جزئيًا، مع تطور سحب رعدية على المناطق الداخلية والهضاب العليا ومنطقة الأوراس خلال فترتي الظهيرة والمساء، قد تتسبب في تساقط زخات مطرية تمتد محليًا نحو بعض السواحل الغربية.

بيتكوفيتش
رياضة

تصريحات مثيرة لبيتكوفيتش حول مواجهة الأرجنتين.. ماذا قال عن بن سبعيني؟

أكد الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش أن المنتخب الوطني استكمل تحضيراته النفسية والفنية تحسبًا للمواجهة القوية التي ستجمعه بمنتخب الأرجنتين، في افتتاح مشواره بدور المجموعات لكأس العالم، مشيرًا إلى جاهزية اللاعبين لخوض هذا التحدي.

الأكثر قراءة

1
أخبار

الجزائر ترحب باتفاق وقف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران


2
أخبار

قصة أب وابنته تثير الجدل في الجزائر.. سلطة السمعي البصري تتدخل وتمنع بث الحلقة


3
رياضة

علم جزائري عملاق يزين ساحة حديقة في كانساس سيتي.. ما قصته؟


4
أخبار

هل يُقصى السفر البري من المنحة السياحية في الجزائر ابتداءً من 20 جويلية 2026؟


5
رياضة

نجوم الخضر يتحدثون لـ"الترا جزائر" عن ملحمة "بورتو أليغري".. يوم صمد المحاربون أمام "المانشافت"