خلف المدرجات.. كيف تُدار ظاهرة "الألتراس" في الجزائر؟
14 سبتمبر 2026
تصدّرت ظاهرة "الألتراس" واجهة النقاش على منصات السوشيل اميديا في الجزائر مجدداً، بعدما تداولت وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة أنباءً عن مقتل أحد مناصري إحدى الفرق الرياضية، إثر اعتداء تعرض له من طرف مجموعة من أنصار فريق عاصمي منافس، في حادثة أعادت إشعال الجدل حول العنف المرافق للممارسة الكروية.
وعلى إثر الواقعة، تعالت أصوات فاعلين رياضيين وشرائح واسعة من الرأي العام، مطالبةً بضرورة وضع حد لهذه الظاهرة التي تحوّلت، بحسب منتقديها، إلى تجمعات متعصبة تغذي خطاب التفرقة والعنف الرياضي.
وعلى إثر الواقعة، تعالت أصوات فاعلين رياضيين وشرائح واسعة من الرأي العام، مطالبةً بضرورة وضع حد لهذه الظاهرة التي تحوّلت، بحسب منتقديها، إلى تجمعات متعصبة تغذي خطاب التفرقة والعنف الرياضي.
غير أن هذا الطرح يَصطدم بموقف مغاير يتبناه آخرون، يَرون في "الألتراس" إطاراً احتفالياً منظماً يعكس هوية جماهيرية ويضفي حيوية على المدرجات.
وبين الرؤيتين المتقابلتين، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما حقيقة الألتراس في الجزائر؟ وهل هو ظاهرة عنف يجب اجتثاثها، أم ثقافة جماهيرية تحتاج إلى التأطير لا التجريم؟
النشأة وتوسع "الألتراس"
تعود البدايات الأولى لظاهرة "الألتراس" في الجزائر إلى أنصار مولودية سعيدة سنة 2007، الذين يُنظر إليهم بوصفهم أول من أدخل هذا النمط من التشجيع إلى الملاعب الجزائرية، من خلال مجموعة "ميڨا بويز" التي عُرفت باسمها المرتبط بالنادي. ومع مرور الوقت، انتقلت التجربة إلى أندية أخرى، وفي مقدمتها فريق مولودية الجزائر التي شهدت تأسيس مجموعتي "فاردي ليوني" و"توالف بلاير"، ثم توسعت الظاهرة لتشمل جماهير نصر حسين داي عبر مجموعة "داي بويز"، واتحاد العاصمة الذي عرف مجموعتي "آيروسي آلجيري" و"ديابلو"، وشباب بلوزداد من خلال "فاناتيك رادز"، وغيرها من الأندية التي أسست مجموعاتها الخاصة على غرار "كابيلي بويز" لدى شبيبة القبائل و"بولينا" و"راد باور" أو " راد لاينس" لدى جمعية الشلف سنة 2007.
وقد برزت هذه المجموعات من خلال اعتمادها على أساليب تشجيع مستوحاة من النموذج الأوروبي، ولا سيما ثقافة "التيفو" القائمة على استخدام الرايات العملاقة واللافتات والرسائل الرمزية داخل المدرجات، ما منح المباريات طابعًا احتفاليًا وتنظيميًا جديدًا.
غير أن حضور الألتراس لم يعد مقتصرًا على الملاعب، إذ تحولت هذه المجموعات تدريجيًا إلى فضاء اجتماعي يمتد إلى الأحياء والشوارع، وأصبحت تمثل شكلًا من أشكال التعبير عن الهوية والانتماء لدى فئة واسعة من الشباب
الألتراس من الداخل
"دادي"، اسم مستعار يخفي هوية أحد الأعضاء القدامى في ألتراس نصر حسين داي، يفتح أمامنا أبواب عالم ظل لسنوات طويلة بعيداً عن الأضواء: عالم منظم بدقة هرمية، يعمل بمنطق شبه نظامي، ويُدار عبر شبكة معقدة من التواصل الرقمي والولاءات غير المعلنة.
تنظيم هرمي وقانون داخلي صارم
يكشف "دادي" لـ"التر جزائر" أن الانطباع السائد عن الألتراس بوصفها تجمعات عفوية فوضوية بعيد كل البعد عن الحقيقة. فالمجموعات تَعتمد على تنظيم هرمي دقيق، تتوزع فيه الأدوار والمهام بعناية: فريق مكلف بضبط المدرجات وتقسيم الجماهير حسب المناطق، وآخر متخصص في رفع "التيفو" وتصميمه، وطاقم مسؤول عن اختيار الشعارات، وفريق منفصل مكلف بتأليف الأغاني وكلماتها.
تعود البدايات الأولى لظاهرة "الألتراس" في الجزائر إلى أنصار مولودية سعيدة سنة 2007، الذين يُنظر إليهم بوصفهم أول من أدخل هذا النمط من التشجيع إلى الملاعب الجزائرية
أما التواصل الداخلي، فيتم عبر مستويين: صفحات عامة مفتوحة لعموم الأنصار، ومنصات مغلقة خاصة بالأعضاء المؤسسين، تُستخدم فيها تطبيقات مثل "الواتساب" «التليغرام " لإصدار التعليمات والبيانات وتنظيم التنقلات خلال المباريات خارج الديار.
هناك علاقة غير رسمية مع رؤساء الأندية
وحول العلاقة بين إدارات الأندية وجماهير الألتراس، يوضح "دادي" أن رؤساء الأندية يتعاملون مع هذه المجموعات بشكل غير معلن، وذلك تفادياً لأي احتكاك قد يتحول إلى ضغط أو ابتزاز أو حتى عنف رياضي، في إشارة إلى طبيعة العلاقة الحساسة التي تجمع الطرفين بعيداً عن أي إطار تعاقدي معلن.
جيل جديد أقل انضباطا
يرصد المتحدث تحولاً جوهرياً في طبيعة المنتسبين إلى هذه المجموعات، فبعدما كانت الألتراس في بداياتها إطاراً رياضياً بحتاً يقوم على الانضباط، بات جيل جديد من المناصرين يتسم بالتهور وضعف الالتزام، على عكس الأجيال المؤسسة، مع ارتباط متزايد لبعض عناصره بأنشطة خارج القانون.
ويصحح "دادي" معلومة شائعة، مؤكداً أن شروط الانضمام تتضمن عدم وجود سوابق قضائية أو عدم تعاطي المؤثرات العقلية، لكن يبقى التساؤل مطروحا لماذا تسلل عناصر يتحول لديها التعصب لألوان الفريق إلى مصدر جديد للعنف بدل أن يبقى في إطاره الاحتفالي؟
حرب الجداريات.. حين يتحول الحائط إلى هوية
من أبرز ما كشفه محدثنا، ملف الجداريات الذي تحول إلى مصدر متكرر للتوتر والنزاع، إذ اندلعت مناوشات على خلفيته أكثر من مرة في تجمعات سكانية حديثة النشأة مثل أولاد فايت وسيدي عبد الله، باب الزوار، بخلاف أحياء عريقة كحسين داي وبلوزداد وباب الواد التي لم تشهد احتكاكات مماثلة رغم وجود مجموعات رياضية متنافسة فيها.
ويفسر "دادي" هذا الفارق بأن الجدار وألوانه تحوّلا، في بعض المناطق، إلى رمز انتماء ومساحة لا يجوز المساس بها، حتى إن بعض الأنصار يضعون توقيعهم أو "التاك" TACالخاص بهم على الحائط حتى دون رسم ألوان الفريق، في دلالة على أن الجدار بات يمثل حيازة رمزية للهوية أبعد من كونه مجرد سند لرسم الشعارات.
ما وراء التشجيع.. تعصّب وعقيدة واقتصاد موازٍ
يذهب المتحدث في تحليله إلى ما هو أعمق، معتبراً أن جوهر المشكلة يكمن في تحول التعصب من سلوك مرتبط بالكرة إلى ما يشبه العقيدة أو المبدأ، يتجاوز حدود الممارسة الكروية نفسها ليصبح نمط حياة وهوية قائمة بذاتها.
يوضح "دادي" أن رؤساء الأندية يتعاملون مع هذه المجموعات بشكل غير معلن، وذلك تفادياً لأي احتكاك قد يتحول إلى ضغط أو ابتزاز أو حتى عنف رياضي
يفتح "دادي" ملفاً آخر لا يقل أهمية، وهو التحول التجاري الذي عرفته ظاهرة الألتراس، حيث تحولت إلى نشاط اقتصادي مزدوج، قانوني وغير قانوني، يشمل بيع الألبسة والأوشحة "الشال" والقبعات، إضافة إلى الشماريخ والألعاب النارية، في تجارة يؤكد أنها تدرّ ملايين الدنانير، خاصة لدى الأندية ذات الجماهير الغفيرة.
من الراب إلى السياسة
في مقاربة لافتة، يشبّه المتحدث مضمون أغاني الألتراس بأغاني الراب من حيث ارتكازها على الهموم الاجتماعية، محذراً من أن هذا المضمون قد يتجه تدريجياً نحو أغاني ذات طابع سياسي، وهو تحول يحمل دلالات تتجاوز الشأن الرياضي البحت.
ويختم "دادي" حديثه باقتراح جوهري لإعادة هيكلة هذا الحقل الجماهيري، داعياً إلى الاعتماد على الجمعيات المنظمة والمهيكلة قانونياً بدل ترك المجال لمجموعات الألتراس التي تبقى، بحسب وصفه، كيانات غامضة تستمد ممارساتها وتجاربها من النموذج الأوروبي، رغم وجود فوارق جوهرية في الثقافة والعادات بين المجتمعي
الوجه الإيجابي
وفي السياق ذاته، يجمع أغلب من تحاورت معهم "الترا جزائر" على أن الألتراس، بمعزل عن الصورة النمطية السلبية الملتصقة بها، ساهمت في إحداث نقلة نوعية على مستوى تنظيم المدرجات، من خلال هيكلة صفوف المناصرين، وابتكار الشعارات والهتافات الموحدة التي تمنح المباريات طابعها الاحتفالي. ك
ما يرى هؤلاء أن حضور الألتراس ساهم، في كثير من الأحيان، في احتواء العنف الكروي والحد من المشادات المتكررة مع قوات الأمن، عبر ما توفره من تأطير داخلي للجمهور وقنوات حوار مباشرة مع إدارات الأندية، وهو جسر تواصل لطالما افتقدته العلاقة بين الجماهير والمسيّرين قبل ظهور هذه المجموعات.
غير أن المتحدثين أنفسهم لا يُخفون قلقهم من الانزلاقات التي رافقت هذا المسار، إذ يرون أن الظاهرة السلبية الحقيقية لا تكمن في فكرة الألتراس بحد ذاتها، بل في تحوّلها لدى شريحة من الأنصار إلى عقيدة صلبة وتطرف أعمى تجاه ألوان الفريق، يختزله شعار بات متداولاً بقوة في المدرجات: "نموت على الباش"، وهو تعبير يعكس تصاعد منطق التضحية والانتماء المطلق إلى حدّ يتجاوز البعد الرياضي البحت نحو ما يشبه الولاء العقائدي.
التوأمة الأثر السلبي
من بين الملفات التي أثارها المتحدثون أيضاً، مسألة "التوأمة" التي تربط بعض مجموعات الألتراس الجزائرية بنظيراتها في الخارج، حيث يلاحظ هؤلاء أن هذا النوع من الروابط يبدو منطقياً ومتجانساً حين يتعلق الأمر بألتراس أندية عربية كالزمالك المصري أو الرجاء البيضاوي المغربي أو الترجي التونسي، لتقارب الخلفية الثقافية والاجتماعية بين الأطراف.
أثار المتحدثون مسألة توأمة بعض مجموعات "الألتراس" الجزائرية مع نظيراتها في الخارج، معتبرين أن الروابط مع "الألتراس" العربية تبدو أكثر انسجامًا بحكم التقارب الثقافي والاجتماعي.
أما حين يتعلق الأمر بتوأمات مع مجموعات أوروبية، على غرار أنصار مارسيليا الفرنسي أو روما الإيطالي، فإن الأمر يطرح إشكالية أعمق، ذلك أن الفوارق في الذهنيات والمعتقدات والثقافات بين الطرفين تبقى شاسعة، ما يجعل من هذا النوع من الروابط مثار تساؤل حول مدى انسجامه الفعلي مع خصوصية المجتمع الجزائري.

الكلمات المفتاحية
حملات أكتوبر الوردي في الجزائر.. إعادة قراءة في واقع صحة المرأة
يكتسي شهر أكتوبر اللّون الورديّ كلّ عام عبر مختلف أنحاء العالم. وفي الجزائر، تجتاح حملات التوعية وسائل الإعلام والعيادات والمساحات العمومية، كما تنتشر المنتجات الغذائية والتّجميلية الّتي يتسابق أصحابها على وسمها بحملات التّوعية والوقاية من سرطان الثّدي لدى النّساء.
معهد الحياة بالقرارة.. مدرسة صانت الهوية في زمن الاستعمار وخرّجت نوابغ الجزائر
يكفي أن تدخل إلى معهد الحياة، هذه الثانوية المهيبة، حتى تشعر أن المكان يحمل أكثر من عمر بناياته. هنا مرت أجيال من الطلبة، وتعاقبت أسماء المعلمين، وتبدلت المناهج والظروف السياسية، لكن فكرة واحدة ظلت تعود في كل مرحلة: التعليم بوصفه مشروعا لبناء الإنسان، بشعار يجمع بين التربية للفرد، والتعليم للجميع، وكلاهما في خدمة: الوطن والمجتمع.
الجامعة الجزائرية حتى التاسعة ليلًا.. من يؤطر الطلبة ومن يضمن عودتهم؟
أكدت الوزارة وفق الوثيقة أن الهدف من هذا الإجراء هو "ترشيد استغلال الهياكل البيداغوجية والعلمية وتنشيط الحركة البيداغوجية والعلمية والحياة الثقافية في الوسط الجامعي"
مراكز العناية الجسدية في الجزائر.. طب بديل أم احتيال على المرضى؟
في مركز للعناية الجسدية بمدينة القليعة في ولاية تيبازة، ينتظر عدد من الزبائن دورهم للاستفادة من بعض العلاجات التقليدية التي يقدمها هذا المركز والتي تتمثل غاليا في الحجامة والتدليك والإبر الصينية، في مشهد يمكن ملاحظته في عدة ولايات من البلاد التي أصبحت تغص بهذه المراكز التي تثير التساؤل إن كانت تقدم علاجا بديلا حقيقيا أم أنها مجرد احتيال صحي يستثمر في معاناة المرضى؟.
محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟
في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.
أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي
تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.
بعد 14 سنة.. نعيمة صالحي تلوّح بالرحيل وتبحث عن خليفة لها على رأس حزبها
لوّحت نعيمة صالحي، مؤسسة ورئيسة حزب العدل والبيان، بإمكانية تسليم مسؤولية قيادة الحزب إلى قيادة جديدة، بعد مسيرة سياسية انطلقت سنة 2012، مؤكدة أنها تبحث عن كفاءات قادرة على تجديد الهياكل وإعادة بناء الثقة ومواصلة المشروع السياسي.
طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تصل إلى 60 ملم عبر 4 ولايات
حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية من تساقط أمطار رعدية غزيرة عبر عدة ولايات من الوطن، بكميات قد تصل إلى 60 ملم أو تتجاوزها، وذلك ابتداءً من مساء السبت إلى غاية مساء الأحد.