رئاسيات الجزائر.. وسائل إعلامية تتخندق سياسيًا

رئاسيات الجزائر.. وسائل إعلامية تتخندق سياسيًا

الحملة الانتخابية عرفت تجاوزات إعلامية (تصوير: باتريك باز/أ.ف.ب)

تُعتبر هذه المرّة الثانية التي يجتاز فيها الإعلام الجزائري امتحان الانتخابات الرئاسية، في ظلّ وجود قنوات خاصّة، غير أن الفرق الوحيد بينهما، هو أنه في الانتخابات السابقة، أيّ استحقاقات نيسان/أفريل 2014، كانت السلطة تدعم مرشّحًا واحدًا وهو الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لكن ضبابية المشهد السياسي عمومًا هذه المرّة حول اسم مرشّح النظام تجعل وسائل الإعلام الجزائرية أمام رهانٍ جديد، يبدو أن الخاسر فيه هو المهنة الإعلامية نفسها.

محمد بلخير: "تتجنّب بعض وسائل الإعلام تناول الحراك الشعبي كل جمعة وثلاثاء أو المرور عليه بطريقة عابرة  كأنّه لا حدث"

في قراءة شاملة للمشهد الإعلامي الحالي في الجزائر، يُلاحظ أن هناك تخبّطًا كبيرًا في تناول المعلومة والتعامل مع المرشّحين بموضوعية، رغم توقيعهم على ميثاق أخلاقيات الممارسة الانتخابية، خصوصًا مع موجة الحراك الشعبي وغضب الشّارع من الإعلام بوجهٍ عام، واتهامه بالانحياز للسلطة.

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات الرئاسية.. ملفّات حارقة وأخرى عالقة

 

ظاهريًا، أبانت أطوار الحملة الانتخابية عن مساحة من الحرّية في التعامل مع كل المرشحّين الخمسة للانتخابات الرئاسية، والتعاطي مع تجمّعاتهم الشعبية بمهنية، والوقوف على مسافة واحدة مع الجميع، غير أن هناك ما يُعاب على الإعلام الجزائري، وهو تغطية الحدث السياسي بطريقة "مبتورة" بحسب الباحث في مجال الاتصال السياسي محمد بلخير، وهناك ما يسمّى إعلاميًا بطريقة "تأطير الأخبار والمعلومات المتدفقة يوميًا"، والاعتماد على الانتقائية واختيار حدث على حساب آخر، على حدّ قوله.  ويوضح بلخير في حديث مع "الترا جزائر": "تتجنّب بعض وسائل الإعلام تناول الحراك الشعبي كل جمعة وثلاثاء أو المرور عليه بطريقة عابرة  كأنّه لا حدث".

الحياد والانحياز

في الموعد السياسي الحاسم الذي تعرفه الجزائر، يُواجه كثير من الصحافيين صعوبة في التعاطي مع الحملة الانتخابية إعلاميًا ومهنيًا، ولا يمكنهم معالجة الحدث تحت مظلّة "الحياد" في هذا الظرف السياسي المتأزّم، كما قال الإعلامي إيدير دحماني لـ"الترا جزائر"، معتبرًا "اصطفاف الصحافي حول هذا المرشّح أو ذاك لا ينزع عنه صفة الصحافي، لكن دون شكّ يُفقده أهمّ ما يمتلكه من يمتهن الصحافة وهو الحياد"، موضحًا أن "الصحافي هو في آخر المطاف كغيره، مواطن له خيارات سياسية وميول نحو مشروع سياسي ما، و يدعم في قرارة نفسه مقاربة معيّنة أو طرحًا يدّعي أنه يملك حلولًا لمشكلات الدولة و المجتمع".

يعتقد المتحدّث أن للصحافي الحقّ في مساندة أي مرشّح يعد بتجسيد تلك المقاربة أو ذلك الطرح؛ لكن "ما لا يحقّ له هو أن يوظف ذلك عبر نشاطه الصحافي من خلال وسيلته الإعلامية"، لأنه بذلك يساهم في تكريس منافسة غير عادلة، و "يؤثّر على الناخب لصالح المرشّح الذي يتّفق معه في الطرح وضدّ المرشّحين الآخرين".

سؤالٌ يُطرح بإلحاح حول تغطية الحملة الانتخابية، إذ يُشير دحماني، إلى أنّ مهمّة الصحافي تتعدّى تغطية الحملة الانتخابية إلى  معاينتها ونقل حيثياتها بأكبر قدر من الموضوعية وبلا زيف للمواطن الناخب، وبعد ذلك يكون للناخب حرّية الاختيار دون تأثير إيجابي أو سلبي قد يكون الصحافي مصدره، كما يضيف المتحدّث.

من الصعب أن يتمسّك الصحفي بخيط المهنية وأخلاقيات المهنة خلال المواعيد السياسية الكبرى. هنا، يعلّق دحماني بالقول إنه "حتى لا يزيغ الصحافي في مثل هذه المناسبة، يكفي له الالتزام بميثاق أخلاقيات المهنة الصحافية"، مشيرًا إلى أن "دعم بعض الصحافيين في الجزائر لمرشّحهم هو فساد يضرّ بالمهنة، يدّعي البعض أنهم يحاربونه في حين أنهم لا يفعلون".

وسائل إعلامية تتخندق

يلاحظ متابعون لمسار اشتغال الإعلام في الجزائر، أن القنوات تمرّ عبر تذبذبات مهنية تؤثّر بشكل كبير على مساحة الحرّية وممارسة المهنة، هي المساحة التي ربحها المهنيون خلال ثلاثة عقود من الزمن، تأرجحت بين صعود في الفضاء الحرّ منذ بداية التعدّدية الإعلامية في تسعينات القرن الماضي، ونزول في مختلف الأحداث السياسية الكبرى، وهو ما لفت إليه أستاذ الإعلام مصطفى بن عودة، معتبرًا أن الإعلام بصفة عامة يخوض امتحان الموضوعية والمصداقية وتجنّب الانحياز الصارخ في تغطية الحملة الانتخابية للمرشّحين لانتخابات قصر المرادية والتغطية برمّتها، على حدّ تعبيره.

على خلاف ذلك، يعتقد البعض أن عدم اتضاح الرؤية حول مرشّح السلطة في مجريات الاستحقاقات الرئاسية، أتاح هامش للقنوات في متابعتها للحدث، "لعدم وجود قرار جبري لدعم مرشّح السلطة"، بحسب الإعلامي محمد سليماني، معتبرًا أن هذا المعطى قدّم للقنوات هامشًا أكبر لنقد برامج المرشّحين وخطاباتهم، موضحًا في تصريح لـ"الترا جزائر" أن الهيئة المستقلّة تجنّبت تكرار بعض الانحراف الإعلامي والتهجّم علي المرشّحين مثلما حدث في انتخابات 2014، بين قناة "النهار" والمرشّح علي بن فليس.

وأضاف المتحدّث أن القنوات أُلزمت بإصدار ميثاق أخلاقيات المهنة، لكنها تحاول مع ذلك أن تكون عادلة مع المرشّحين، غير أن هناك "تضييقًا في هامش المعارضين والحراك الرافض للانتخابات".

اختارت كلّ قناة بشكل واضح مرشّحها للرئاسيات، فقامت إمّا بإخفاء التقارير السلبية عنه أو تلميع صورته مباشرة

رغم كل المحاذير، هناك دعمٌ إعلامي خفيٌّ لمرشّح على حساب المرشحين الآخرين، إذ أوضحت بعض التقارير الصحافية عن ميلها لمرشّح دون آخر، واختارت كلّ قناة بشكل واضح مرشّحها للرئاسيات، فقامت إما بإخفاء التقارير السلبية عنه أو تلميع صورته مباشرة أو مهاجمة خصومه. دعمٌ يكشف عن توقعات صندوق التحرير داخل القنوات وقاعات التحرير، أن ذلك المرشّح هو من سيكون الحصان الرابح في انتخاباتٍ الأكيد أنها لا تشبه الانتخابات الأخيرة، غير أنها في آن واحد ستكشف الثمن الذي ستدفعه المنظومة الإعلامية نظير اصطفافها مع الرقم الحاسم في منافسة الرئاسيات، في مشهدٍ يبدو أنه غير مكتمل، حتى وإن توفّرت حوله عديد  المؤشّرات.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشارع الجزائري يحتفظ بورقة الحراك.. السلطة المستقلة ليست كافية؟

تعيين موعد الانتخابات الرئاسية في الجزائر.. تباين وقلق