رفع الدعم الاجتماعي.. بين الاعتبارات الاقتصادية والحسابات السياسية

رفع الدعم الاجتماعي.. بين الاعتبارات الاقتصادية والحسابات السياسية

في سوق بمنطقة الخرايسية بالعاصمة (تصوير: رياض قرامدي/أ.ف.ب)

فريق التحرير - الترا جزائر 

بينما لا تزال تداعيات أزمة كورونا تُلقي انعكاساتها السلبية على الجبهة الاجتماعية والفئات الهشّة والمحرومة، يكشف وزير المالية أيمن عبد الرحمان، أن النصف الثاني من السنة المالية 2021، سيكون ٍآخر أجلٍ لمراجعة سياسية الدعم المقدّم من طرف الدولة على المنتجات، مشدّدًا أن الدعم لابدّ أن يوجّه إلى مستحقّيه والفئات الهشّة الأكثر احتياجًا.

لم تقدّم الحكومة توضيحًا حو ل الإجراءات التي سيتم اتخاذها تطبيقًا لسياسية ترشيد النفقات الاجتماعية

هنا، تجدر الإشارة إلى أن القيمة المالية الموجّهة إلى الدعم الاجتماعي بلغت 17 مليار دولار في إطار ميزانية  سنة 2021.

اقرأ/ي أيضًا: وزير المالية: فاتورة الاستيراد انخفضت بـ 8 ملايير دولار سنة 2020

 وفي سياق الموضوع، يقول الخبير الاقتصادي سعودي محمد في حديثه لـ "الترا جزائر" إنّه يجب علينا أولًا أن نوضح طبيعة الدعم الذي تقدّمه الدولة، موضحًا أن الدعم يشمل  الأسعار الأساسية ودعم منتجات الطاقة ودعم السكن، وفي تقدير الخبير، فإن دعم كل من السكن والأسعار الأساسية سيستمرّ، لكن دعم منتجات الطاقة سيطرأ عليه التغيير.

يستطرد المتحدّث، أنه منذ انخفاض أسعار النفط سنة 2014، سجّلت قوانين المالية المتتالية تخفيضات مستمرّة للدعم الموجه لها، وسيستمر في قوانين المالية اللاحقة.

أولوية السلم الاجتماعي

في السياق ذاته، استبعد الخبير الاقتصادي أن تستمرّ سياسية رفع الدعم المطبق بشكلٍ جذري، مبرّرًا أن السلطة حاليًا ماضية في سياسة السلم الاجتماعي رغم محدودية هذه السياسة في تقليص الفوارق، أو تحسين المستوى المعيشي للطبقات الهشّة نتيجة العشوائية في استخدامها، ويردف سعودي أن جائحة كورونا أدّت إلى بروز مشكلة الفقر من جديد، وهو تحدٍ مرفوع على كافة المستويات.

وبخصوص مراجعة سياسة الدعم دون المساس بالفئات الفقيرة،  قال المتحدّث إن مراجعتها يتمّ بآليات بسيطة، أهمّها خروج الدولة من المنظومة الاقتصادية، وتقليص القيود على السوق من خلال خلق منافسة حقيقية وليست صورية.

ويشكّل عامل المنافسة وتراجع الدولة الريعية ووفرة المنتجات والخدمات سببًا في تراجع الأسعار دون الحاجة إلى دعمها، وتُساهم في تجسييد فكرة مفادها تحول المواطن من متلقٍ للخدمة إلي مشترٍ لها، أي لا مناص من الحرّية الاقتصادية بعيدًا عن الإجراءات الشعبوية المتبعة حاليًا، يقول المتحدّث.

من جهته، بلغ العجز في الموازنة العامة السنة الماضية 1500 مليار دينار، وفي القانون المالية الجديد بلغ العجز 2781 مليار دينار، أي ما يعادل ضعف ميزانية السنة الماضية، ورغم شحٍّ في الموارد المالية وانكماش الاقتصاد وارتفاع الإنفاق الحكومي، إلا أن التحويلات الاجتماعية سجلّت ارتفاعًا قدّر بـ 1920 مليار دينار، أي ما يعادل 17 مليار دولار، أي ما يمثل 9.4 بالمائة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي.

ولم يشهد قانون المالية الجديد لسنة 2021، زيادات في الضرائب سواءً على المؤسسّات الإقتصادية أو على المواطنين، وهو ما يدفع الحكومة إلى إيجاد سبلٍ للتقليص من العجز عبر رفع الدعم الإجتماعي وتقليص فاتورة الاستيراد.

آلية الدعم الموجّه

في المقابل، لم توضّح الحكومة ما هي الإجراءات التي سيتم اتخاذها تطبيقًا لسياسية ترشيد النفقات الاجتماعية، وما هي الفئات التي ستستفيد من الدعم الاجتماعي، وما هي الصيغ المتبعة، بيد أن وزير المالية أيمن عبد الرحمان قال في تصريح سابق، إنّ الحكومة تتعاون مع البنك العالمي قصد ايجاد سبل ترشيد أموال التحويلات الاجتماعية وترشيد النفقات.

في مقابل ذلك، يرى خبراءٌ في الشأن الاقتصادي أن عملية إحصاء المستفيدين من الدعم المطبق يحتاج إلى عملية إحصائية طويلة، يتمّ من خلالها تحديد الفئات الاجتماعية والمهنية المعنية أو الأكثر احتياجًا، متسائلين في الوقت نفسه، عن تكلفة الاحتياجات وصيغ الدفع.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي سليمان ناصر أن رفع الدعم لا يمكن أن يكون في فترة قصيرة بل يأخذ فترة أطول، مقترحًا المرحلية والتدرّج في التطبيق، ويتساءل محدثنا عن صيغة الدعم، هل بالمقارنة مع الأسعار في العالم؟  فمادة الخبز مثلاً ليس سلعة إستراتيجية تُباع في البورصات العالمية، حيث يحدّد سعر المادة حسب الظروف الاقتصادية لكل دولة بالإضافة إلى سعر الصرف.

الدور الاجتماعي للدولة

في هذا الشأن، طالب سليمان ناصر بشفافية الخطاب الرسمي حول الدعم، موضحًا أنه "في الوقت الذي يؤكّد فيه مسؤولون استمرار الدور الاجتماعي للدولة، فإننا نتحدّث هنا عن رفع مبلغ التحويلات الاجتماعية من 1797.6 مليار دج (8.4 % من الناتج الداخلي الخام) في موازنة 2020، إلى 1927.5 مليار دج (9.4 % من الناتج الداخلي الخام) في موازنة 2021".

 وعن آليات إصلاح نظام الدعم الاجتماعي، يقول الخبير الاقتصادي سليمان ناصر، إنّه لابدّ من توجيه ذلك الدعم لمستحقيه؛ بمعنى عندما تُقرّر الدولة بيع الخبزة بـ 10 دنانير، فإنه لا يمكن أن يتناولها الفقير المعدوم أو صاحب الحدّ الأدنى للأجور (18000 دج) بهذا السعر، وفي الوقت نفسه يشتريها فندق فاخر بهذا السعر ليقدّمها لزبونه ضمن وجبة عشاء تقدر بـ 3000 دينار.

هنا، يشدّد المتحدّث على إجراءات مرافقة، كزيادة في أجور الطبقات الهشة والفقيرة، إذ أن رفع الدعم في تقدير الخبير الاقتصادي، هو نتيجة ضغوطات مؤسّسات مالية دولية، خاصة صندوق النقد الدولي، ليختم حديثه، بأن "رفع الدعم مصيرٌ لا مفرّ منه، وتبعًا لذلك لابدّ أن نطبّقه بعقلانية ومرحلية".

التوجّه نحو  سياسة السلم الاجتماعي من المهام الأساسية للسلطة ولو على حساب ميزانية الدولة

و على العموم يشكّل البعد السياسي ضمن حسابات حكومة تبون بقيادة عبد العزيز جراد، وفي ظلّ هشاشة الوضع السياسي والاجتماعي والانكماش الاقتصادي، يبقى التوجّه نحو  سياسة السلم الاجتماعي من المهام الأساسية للسلطة ولو على حساب ميزانية الدولة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأكثر تقشفًا.. نواب الغرفة السفلى يصوّتون على قانون المالية 2021

بن عبد الرحمان: قانون المالية 2021 يُحارب التهرّب الجبائي وتضخيم الفواتير