رفع العلاوات والمنح المدرسية..

رفع العلاوات والمنح المدرسية.. "هدنة" مع الجبهة الاجتماعية؟

الحكومات السابقة رفضت رفع المنح والعلاوات للمتمدرسين (Getty)

قرّرت الحكومة الجزائرية بعد سنوات من الانتظار، رفع العلاوة الخاصّة بالطفل المتمدرس، وقيمة المنحة المدرسية الموجّهة للعائلات المعوزّة، في خطوة تفرّقت الآراء بشأنها؛ بين من اعتبرها إجراءً حتميًا طال انتظاره بسبب انخفاض القدرة الشرائية لأغلب العائلات، وبين من صنّفها ضمن محاولات الجهاز التنفيذي المرفوض شعبيًا لامتصاص الاحتقان المتوقّع مع الدخول المدرسي والاجتماعي.

الحكومة أكّدت أن رفع منح وعلاوات التمدرس سيشملُ أكثر من 9 ملايين تلميذ

رغم الصعوبات الاقتصادية التي تواجها الحكومة، بسبب تهاوي أسعار النفط تحت سقف 60 دولارًا للبرميل، وتواصل عجز الميزان التجاري، وتآكل احتياطي الصرف، إلّا أنّ الحكومة الجزائرية قرّرت إضافة أعباء جديدة على الخزينة العمومية، لم يكن يتوقّعها أغلب المحلّلين الاقتصاديين.

اقرأ/ي أيضًا: الدّخول المدرسي في الجزائر.. محفظة مفخّخة بالتقشّف

بعد ربع قرن

عشيّة الدخول المدرسي الذي انطلق الأربعاء الماضي، درست الحكومة الجزائرية في اجتماع ترأّسه الوزير الأوّل نور الدين بدوي، الذي تدعوه مسيرات الحراك الشعبي إلى الاستقالة، مشروع تعديل مرسوم تنفذي يتضمّن رفع مبلغ علاوة الدراسة السنوية إلى ثلاثة آلاف دينار (25 دولار تقريبًا)، وهي التي كانت مستقرّة في مبلغ 400 دينار ( 3.3 دولار) منذ سنة 1994.

كانت الحكومات المتعاقبة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ترفض الاستجابة لمطالب نقابات العمال وأولياء التلاميذ، والمتمثّل في رفع علاوات الدراسة، رغم البحبوحة المالية التي ميّزت فترة حكمة.

 يُشار إلى أنّ هذه العلاوات، تُمنح عن كل طفل متمدرس، في الأطوار التعليمية الثلاثة (ابتدائي، متوسط، ثانوي)، عبر صندوق الضمان الاجتماعي للأولياء المؤمّنين.

في هذا السياق، أكّدت الحكومة أن الإجراء سيشملُ جميع التلاميذ البالغ عددهم أكثر من 9 ملايين تلميذ، لذلك أمرت البلديات بالتكفّل بصرف هذه المنحة أيضًا، على أولياء التلاميذ غير المؤمّنين عبر صندوق الضمان والتضامن للجماعات المحليّة.

كما تقرّر أيضًا، رفع قيمة منحة التمدرس التضامنية التي يستفيد منها حاليًا حوالي 3 ملايين تلميذ، والمقدّرة بثلاثة ألاف دينار (25 دولارًا) إلى 5 آلاف دينار (42 دولارًا)، وهي التي لم تعرف زيادة أيضًا منذ أن تم إقرارها في بداية الألفية الحالية.

إفشال مخططات

وتضمّن القرار الحكومي، تطبيق هذه الزيادات على الفور خلال الدخول المدرسي الحالي، قصد ضمان مستويات متساوية في التكفّل بالتلاميذ، وبالتالي توفير فرص وحظوظ التفوّق نفسها لجميع الأطفال.

هذه التدابير الجديدة، لا تتوقّف عند الجانب التضامني والاجتماعي التي تسهر السلطة الحالية على ضمانه، مع ارتفاع الاحتقان الشعبي، خاصّة بعد أن كشفت التحقيقات الأوّلية للعدالة، عن ضخامة الفساد التي تفشّى في مؤسّسات الدولة خلال فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وبالنسبة لرئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، فإنّ إجراءات الحكومة جاءت في وقتها لإفشال ما يسمّيه العصابة وأذنابها، في إشارة إلى رموز نظام بوتفليقة.

وقال قايد صالح في كلمة له، أمام عدد من قيادات الجيش، خلال زيارة قام بها الناحية العسكرية الرابعة بورقلة جنوب البلاد، "ولإفشال رهان العصابة وعملائها، الساعية إلى التشويش على الدخول المدرسي المقبل، من خلال زرع بذور الشكّ والبلبلة في صفوف التلاميذ وأوليائهم، تتواصل جهود الدولة في توفير الظروف الملائمة لإنجاح هذا الدخول المدرسي، حيثُ اتّخذت الحكومة كافّة الإجراءات، ووفّرت كلّ الإمكانيات الماديّة والبشرية، لضمان دخولٍ مدرسي في أحسن الظروف، لاسيما من خلال رفع علاوة التمدرس بنسبةٍ معتبرة، وهو الإجراءُ الذي من شأنه تعزيز دور الدولة، وحرصها على تخفيف الأعباء على المتمدرسين وأوليائهم".

إجراءات غير كافية

رغم استحسان الجميع لهذه الإجراءات، التي ستساعد على قلّتها في التخفيف جزئيًا من التكاليف الباهظة للدخول المدرسي، إلا أنّ هناك إجماع شعبي على أنّها غير كافية، خاصّة وأن جمعيات أولياء التلاميذ كانت تُطالب على سبيل المثال برفع المنحة المدرسية على الأقل إلى 10 آلاف دينار (84 دولارًا) عن كلّ تلميذ.

ويرجع عدم الرضا عن هذه الزيادة، إلى الارتفاع "الفاحش" الذي عرفته الأدوات المدرسية هذه السنّة، خاصّة وأنّ أغلبها مستورد، فضلًا على انخفاض قيمة الدينار الجزائري في السوق، وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يرفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها.

بالاعتماد على حسابات تقريبية، لتكلفة تجهيز تلميذ واحد لدخول مدرسي عادي، استنادًا إلى تصريحات بعض الأولياء على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن هذه التكلفة قد تصل إلى 15 ألف دينار (125 دولار) على الأقلّ، موزّعة بين لباس وشراء كتب وأدوات مدرسية، في حين أن الحدّ الأدنى للأجور في البلاد، لا يزيد عن 18 ألف دينار (150 دولار)، وهو ما يعني أن تجهيز تلميذ واحد، قد يستنزف أجرة راتب شهري، لعامل من ذوي الدخل المحدود.

يفسّر متابعون هذا الإجراء، بمحاولة شراء السلم الاجتماعي الذي تستمرّ السلطة في ممارسته منذ عهد الرئيس بوتفليقة، وذلك مخافة أن يكون الدخول الاجتماعي محتقنًا بسبب الأعباء المالية التي أرهقت العائلات، ما قد يرفع من درجة غضب الحراك الشعبي، الذي يتزايد عدد مشاركيه في هذه الفترة، مع عودة تلاميذ الثانويات والتحاق طلاب الجامعات أيضًا في غضون الأيّام القادمة.

هل توقّع هذه المنح والعلاوات هدنة مع الحراك الشعبي والجبهة الاجتماعية حتى تلتقط السلطة أنفاسها

مهما اختلفت القراءات لخلفيات هذه الزيادات الجديدة في المنح والعلاوات، فإنّها تبقى مهمّة وضرورية عند العائلات المعوزة، كما أنها تبقى في الوقت ذاته، غير قادرة على امتصاص الغضب الذي يسكن الجزائريين منذ عدّة أشهر لإعلان هدنة مع الحكومة المرفوضة شعبيًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نتائج دراسية "كارثية" خلال الفصل الأول في الجزائر

النقل المدرسي في الجزائر... همّ الطلاب قبل الدرس