ultracheck
مجتمع

رمزية المواد الزراعية.. بعدٌ تاريخي واجتماعي وثقافي في الذاكرة الجزائرية

2 ديسمبر 2025
ي
مزرعة كروم في برج منايل (الصورة: Getty)
عمار لشموت
عمار لشموتكاتب من الجزائر

أثار مقطع فيديو لرئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، منذر بودن، خلال تجمع سياسي، جدلاً واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي. 

 أفرز التنوع الجغرافي والتضاريسي في الجزائر عبر التاريخ ثراءً كبيرًا في الإنتاج الزراعي، تجلّى في اختصاص كل منطقة بمحاصيل معينة وفق طبيعة أرضها ومناخها. فقد شكّلت سهول المتيجة وعين الدفلى، على سبيل المثال، خزّانًا رئيسيًا للزراعات الخضرية مثل الطماطم والخيار والفلفل والجزر، إضافة إلى محاصيل فاكهية شهيرة كالبرتقال

وقد ظهر بودن في المقطع ممسكًا بحبّة تفاح، معتبرًا إياها رمزًا ذا دلالة خاصة لدى سكان منطقة باتنة، ومثالًا على التحوّل الذي شهدته المنطقة؛ فبعدما كان هذا النوع من التفاح يُستورد سابقًا من "الألب الفرنسية"، أصبح اليوم يُمثّل ثمرة الإنتاج الوطني ورمزًا للاكتفاء الذاتي.

هذا المشهد انقسم حوله المتابعون، فبين من رأى فيه خطابًا شعبويًا يسعى إلى استمالة الجمهور، هناك من اعتبر أن الإشارة تحمل بُعدًا رمزيًا أعمق، يربط بين الهوية المحلية وإحياء قيمة المنتجات الفلاحية، مستندةً إلى خلفية تاريخية تجعل من هذه الثمرة أكثر من مجرد منتوج زراعي.

 فقد عرفت عدة مناطق عبر الوطن أنّ بعض المنتجات الفلاحية لم تكن مجرد محاصيل غذائية، بل حملت دائمًا أبعادًا اجتماعية ودلالات ثقافية متجذّرة في الذاكرة الجماعية والتاريخية.

التبادل الزراعي والروابط الاجتماعية

لقد أفرز التنوع الجغرافي والتضاريسي في الجزائر عبر التاريخ ثراءً كبيرًا في الإنتاج الزراعي، تجلّى في اختصاص كل منطقة بمحاصيل معينة وفق طبيعة أرضها ومناخها. فقد شكّلت سهول المتيجة وعين الدفلى، على سبيل المثال، خزّانًا رئيسيًا للزراعات الخضرية مثل الطماطم والخيار والفلفل والجزر، إضافة إلى محاصيل فاكهية شهيرة كالبرتقال.

وفي المقابل، تميّزت منطقة القبائل الكبرى والصغرى، ذات الطبيعة الجبلية الوعرة، بزراعة الزيتون وإنتاج زيته عالي الجودة، إلى جانب بعض الفواكه التي تلائم تضاريسها مثل التين.

ا نستغرب اليوم أن نجد عائلات كثيرة منحدرة من منطقة القبائل مستقرة في سهول المتيجة، كما نقابل أسرًا من المتيجة اختارت الاستقرار في القبائل الكبرى، في امتداد طبيعي لحركة التبادل والهجرة الداخلية التي ربطت بين المنطقتين عبر الزمن

أما المناطق الواسعة في الهضاب العليا كالجلفة وبوسعادة، فقد ارتبط اسمها تاريخيًا بتربية المواشي وإنتاج اللحوم، في حين عُرفت منطقتا أريس وخنشلة بقدرتهما على إنتاج مادتي "الشحم" و"السمن".

اقرأ أيضًا: ثورة الأرض.. هكذا تحوّلت جبال الأوراس إلى سلّة وطنية للتفّاح

هذا التنوع لم يكن مجرد اختلاف في المنتجات، بل كان أساسًا لحركة تبادل واسعة بين مناطق الوطن؛ فكانت الخضر والفاكهة القادمة من سهول المتيجة تُعَوَّض بزيت الزيتون والتين من منطقة القبائل، وهما منتجان قابلان للتخزين طويلًا، بينما كانت اللحوم تُجلب من الجلفة، ويأتي الشحم من الأوراس.

ومع مرور الزمن، لم يقتصر هذا التبادل على التجارة فحسب، بل أسّس لروابط اجتماعية متينة بين مختلف العائلات والقبائل الجزائرية. فقد نشأت بفضله علاقات مصاهرة وتعارف، وانتقل أفراد من منطقة إلى أخرى لممارسة الزراعة أو التجارة، مما سمح بامتداد شبكات التعاون والتحالف بين القبائل، وأسهم في تأمين طرق نقل البضائع وضمان ازدهار النشاط التجاري عبر ربوع البلاد.

ولذلك، لا نستغرب اليوم أن نجد عائلات كثيرة منحدرة من منطقة القبائل مستقرة في سهول المتيجة، كما نقابل أسرًا من المتيجة اختارت الاستقرار في القبائل الكبرى، في امتداد طبيعي لحركة التبادل والهجرة الداخلية التي ربطت بين المنطقتين عبر الزمن.

زراعة الكروم والتوسع الاستيطاني

خلال مشاركته في ملتقى الفكر الإسلامي، أشار المفكّر المغربي عبد الله العروي في كتابه "خواطر الصباح: يوميات 1969-1973" إلى أن الوزير الجزائري طالب الإبراهيمي أبلغه بأن الرئيس هواري بومدين اتخذ قرارًا بالقضاء على زراعة الكروم في البلاد.

ولم يكن هذا القرار، بحسب ما نُقل للعروي، مبنيًا على اعتبارات دينية فحسب، بل انطلق أيضًا من رؤية سياسية وتاريخية، حيث اعتُبرت زراعة الكروم ممارسة دخيلة على البيئة الزراعية الجزائرية ورمزًا من رموز الاستيطان الاستعماري، وكانت آنذاك محتكرة بالكامل من طرف المعمّرين المتطرّفين الذين جعلوا منها قطاعًا موجّهًا للتصدير والربح بما يخدم مصالحهم السياسية والاقتصادية والاستيطانية. ولذلك، رآها هواري بومدين في تلك الفترة تجسيدًا لنهجٍ إمبريالي وإقطاعي يناقض مشروع الدولة الجزائرية المستقلة.

خلال مشاركته في ملتقى الفكر الإسلامي، أشار المفكّر المغربي عبد الله العروي في كتابه "خواطر الصباح: يوميات 1969-1973" إلى أن الوزير الجزائري طالب الإبراهيمي أبلغه بأن الرئيس هواري بومدين اتخذ قرارًا بالقضاء على زراعة الكروم في البلاد.

لقد شكّلت زراعة الكروم إحدى الأدوات الأساسية التي اعتمد عليها الاستعمار الفرنسي في الجزائر لتعزيز مشروعه الاستيطاني والتوسعي، خاصة في منطقة الغرب الجزائري مثل ولايات سيدي بلعباس ومعسكر ومستغانم وعين تموشنت. فقد أدّى التوسع الواسع في زراعة الكروم من قبل المعمّرين إلى طرد العديد من الفلاحين والعائلات المالكة للأراضي من ممتلكاتهم تحت أساليب الترهيب والتخويف وأحيانًا الإبادة، كما جرى اقتلاع الأشجار المثمرة التي كانت مصدر رزق الأهالي واستبدالها بمزارع الكروم الموجّهة أساسًا لخدمة اقتصاد المستعمر.

ونتج عن هذا التحوّل القسري في طبيعة الزراعة اختلالٌ كبير في التوازن الغذائي للسكان في الغرب والجنوب الغربي الجزائري، حيث تراجعت المحاصيل الغذائية الأساسية لفائدة زراعة تخدم مصالح فئة صغيرة من المعمّرين. وقد أدّى ذلك إلى تعريض شرائح واسعة من المجتمع لحالات سوء تغذية وحرمان غذائي، بينما ظلّ المستفيد الأكبر هو المستوطن الأوروبي الذي حوّل الأرض وما تنتجه إلى وسيلة للثراء على حساب السكان الأصليين.

أشجار الزيتون عنوان الأصالة

في مشهد من فيلم "الأفيون والعصا" (1969)، المستوحى من رواية الكاتب الجزائري مولود معمري، يخيّم التوتر على قرية جبلية في قلب منطقة القبائل. يتقدّم الضابط الفرنسي "شوديا"، بوجهه المتجهم، سائلاً سكان القرية عن مكان اختباء المجاهدين. يسود الصمت بين الأهالي، صمت ثقيل يعبر عن الإصرار على الصمود.

حظى مواسم حصاد الزيتون في منطقة القبائل وغيرها من مناطق الوطن اليوم بمكانة رمزية خاصة، حيث تُحتفى بها خلال موسم الحصاد كرمز للانتماء للأرض والتاريخ والصمود، مع تجمع العائلات لإحياء التقاليد والفرح الجماعي المرتبط بالمزارع والهوية المحلية

لكن فجأة، يكسر "الطيب"، الذي يجسد دوره الممثل الراحل الرويشد، حاجز الصمت، معلنًا أن المجاهدين يختبئون وراء أشجار الزيتون. لم تكن هذه الأشجار مجرد نباتات، بل رمزًا للحياة والمقاومة، امتدادًا لجذور القرية وذاكرة أجدادها.

تستجيب القوات الفرنسية للقصف، وتهوي القنابل على الأشجار، تاركة وراءها دخانًا كثيفًا وأرضًا ممزقة. وفي زاوية المشهد، يظهر الطيب مبتسمًا، ليس فرحًا بالنصر، بل لأنه لا يملك أشجار الزيتون ليخسرها؛ ابتسامة تعكس خيانة شخصية.

يحمل هذا المشهد من فيلم "الأفيون والعصا" إيحاءات عميقة أرادها مولود معمري أن تصل إلى المشاهد والقارئ. فالأشجار، وخصوصًا الزيتون، ليست مجرد نباتات، بل رموز الانتماء التاريخي للأرض والصمود فيها. هناك علاقة عضوية بين جذور الشجرة وصلابة الأرض وصلابة أهلها؛ فالصمود والمقاومة يرتبطان بالتراب الذي يعيشون عليه وبالأشجار التي تحميهم وتروي ذاكرتهم.

اقرأ أيضًا: من الغصن إلى المعصرة.. حكايات موسم جني الزيتون في الجزائر

وفي المقابل، يجسد "الطيب" وجه الخيانة والاغتراب عن الأرض. فهو لا يملك أي ارتباط بالأرض أو أشجارها، ولا يشعر بانتماء حقيقي للقرية أو أهلها. هذا الفراغ جعله ينقاد وراء المستعمر الفرنسي، متحديًا أهالي القرية وساعيًا للانتقام، ليصبح أداة للتدمير والخيانة في مواجهة الصمود الطبيعي والتاريخي لأرض القبائل وسكانها.

وتحظى مواسم حصاد الزيتون في منطقة القبائل وغيرها من مناطق الوطن اليوم بمكانة رمزية خاصة، حيث تُحتفى بها خلال موسم الحصاد كرمز للانتماء للأرض والتاريخ والصمود، مع تجمع العائلات لإحياء التقاليد والفرح الجماعي المرتبط بالمزارع والهوية المحلية.

الموز وسنوات الندرة والوفرة

لا تزال فاكهة الموز حتى يومنا هذا موضوع اهتمام واسع في الجزائر، خصوصًا كلما ارتفع سعرها أو شهدت ندرة في الأسواق، حتى أصبحت مادة تثير تدخل السلطات لضبط الكميات والأسعار، ليس فقط لقيمتها الغذائية، بل لما تحمله من رمزية في المخيال الاجتماعي المرتبط بسنوات الندرة والوفرة.

مع فترة الانفتاح الاقتصادي وشعار "الحياة من أجل الأفضل" الذي رفعه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، أصبح توفر الموز علامة على مرحلة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، حيث تحول إلى رمز للرخاء والاستهلاك، ومادة تحتل اهتمام المجتمع وتُخزَّن في ذاكرة الأجيال

في سنوات الغلق الاقتصادي، كان الموز عنوانًا للفوارق الاجتماعية؛ فالعائلات المحظوظة التي كانت تسافر إلى الدول الأوروبية كانت تتباهى باستهلاك هذه الفاكهة المستوردة، وكمشهد للتمييز الاجتماعي كانت قشور الموز تُرمى عبر النوافذ. كما كانت العائلات المقيمة في فرنسا تعود خلال الصيف محمّلة بكميات كبيرة من مادتي الموز والتفاح، لتوزيعها بين أفراد العائلة الجزائرية، بدايةً بالمرأة ما بعد الولادة وكبار السن، ثم الأطفال، وغالبًا ما تُجزّأ حبة الموز على الصغار أو تُوزع حسب ما تبقى من الحصص، في مشهد يبرز الموز كرمز للرفاهية والامتياز الاجتماعي للعائلات المهاجرة.

ومع فترة الانفتاح الاقتصادي وشعار "الحياة من أجل الأفضل" الذي رفعه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، أصبح توفر الموز علامة على مرحلة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، حيث تحول إلى رمز للرخاء والاستهلاك، ومادة تحتل اهتمام المجتمع وتُخزَّن في ذاكرة الأجيال، يرويها جيل الستينيات والسبعينيات، ويعيشها جيل الثمانينيات والتسعينيات كجزء من تجربتهم مع مراحل الوفرة والازدهار الاجتماعي وشاهدة على محطات سياسية واقتصادية.

الكلمات المفتاحية

أمراض الكلى في الجزائر

مرضى الكلى في الجزائر.. بين تصاعد أعداد المصابين وتحديات التكفل الصحي

تُعدّ أمراض الكلى من المشكلات الصحية المزمنة المتزايدة في الجزائر، لما لها من تأثير مباشر على نوعية حياة المرضى وعلى المنظومة الصحية بصفة عامة. فقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد المصابين بالقصور الكلوي، خاصة القصور الكلوي المزمن، نتيجة عوامل متعددة.


الشيخوخة في الجزائر

تحولات صامتة في المجتمع.. هل الشيخوخة في طريقها إلى الجزائر؟

بعد ربع قرن من الآن؛ هل توقفنا لنطرح السؤال التالي: إلى أين تتجه ه الأسرة الجزائرية؟مواليد 2026 سيطرقون أبواب العمل بعد التخرج من الجامعات، بينما يقف مواليد الـ 1970 والـ 1980 على عتبات سن التقاعد، وبين جيل وآخر تتغير التركيبة السكانية للمجتمع الجزائري في صمت.


روضات الأطفال في الجزائر

تشريعٌ جديد لدور الحضانة في الجزائر..هل ينهي التجاوزات داخل بعض الروضات؟

لقي النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات استقبال الطفولة الصغيرة التي تشمل دور الحضانة وروضة الأطفال والمؤسسات متعددة الاستقبال الذي كشفت عنه وزارة التضامن مؤخرًا ردود فعل مختلفة لدى أصحاب الروضات، وبالخصوص فيما تعلق بتمديد التوقيت إلى 12 ساعة ولسبعة أيام كاملة.


وزارة التربية الوطنية صورة أرشيف 1.jpg

شهادات عليا خارج حسابات التوظيف في قطاع التربية.. ما القصة؟‎

لم يتوقع عشرات المترشحين لمسابقة التوظيف في قطاع التربية في أطوار التعليم الابتدائي والمتوسّط والثانوي، إقصاء شرط التكوين المكمّل لشهادة الليسانس سواء ماستر أو دكتوراه من ملف التقدم للترشح، وجاء ردّ وزارة التربية غير متوقعا خصوصا بعد عدم قبول الشهادتين في التوظيف والاكتفاء فقط بالليسانس.

أمطار رعدية ورياح
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار غزيرة ورياح قوية تمس عدة ولايات

تشهد عدة ولايات شمال الوطن، ابتداءً من ليلة الخميس إلى غاية يوم الجمعة 23 جانفي 2026، اضطرابًا جويًا فعّالًا يتميّز بتساقط أمطار غزيرة أحيانًا تكون رعدية، مرفوقة برياح قوية، مع تسجيل تساقط للثلوج على المرتفعات.

ثلوج.jpg
أخبار

طقس الجزائر.. ثلوج وأمطار غزيرة بعدة ولايات

الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الخميس، نشرية خاصة حذّر فيها من تقلبات جوية معتبرة، تتمثل في تساقط للثلوج وأمطار غزيرة تمس عدداً من ولايات الوطن.


f
أخبار

التقلبات الجوية.. الحماية المدنية في حالة تجند قصوى عبر أكثر من 20 ولاية

أكدت مصالح الحماية المدنية دخولها في حالة تجند تام عبر أكثر من 20 ولاية من الوطن، على خلفية التقلبات الجوية الحادة التي تشهدها عدة مناطق، والتي تميزت بتساقط معتبر للأمطار، بلغت كمياتها في بعض الولايات نحو 120 ملم.

الثلج_0.jpg
أخبار

طقس الجزائر.. ثلوج كثيفة وأمطار غزيرة في عدة ولايات

أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الأربعاء، نشرية خاصة حذّر فيها من اضطرابات جوية شديدة، تشمل تساقط ثلوج كثيفة وأمطارًا غزيرة جدًا، مرفوقة برياح قوية، تمس عددًا من ولايات الوطن.

الأكثر قراءة

1
أخبار

بـ 10 مقترحات.. التعديل التقني للدستور في الجزائر يدخل مرحلة التشاور السياسي


2
اقتصاد

شطبُ السجلات التجارية في الجزائر.. لهذه الأسباب فضل آلاف التجار مغادرة السوق


3
سياسة

شمس الدين بريك: الحراك الشعبي أفضى إلى حالة من الإحباط و"التغيير الأفقي" أظهر محدوديته في الجزائر


4
أخبار

قانون تجريم الاستعمار.. إلى أين يتّجه بعد تحفظات مجلس الأمة؟


5
مجتمع

مرضى الكلى في الجزائر.. بين تصاعد أعداد المصابين وتحديات التكفل الصحي