ultracheck
سياسة

زيادة الولايات في الجزائر.. توجه نحو اللامركزية أم عبء جديد على الميزانية؟

19 نوفمبر 2025
wali.png
الولاة في الجزائر (صورة: فيسبوك)
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

أثار قرار توسيع عدد الولايات التي تعد ضمن النطاق الإداري للدولة، الذي أقرَّه مجلس الوزراء هذا الأسبوع، موجةً من الجدل الواسع بين الأطراف السياسية والناشطين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

لخضر آمقران، القيادي في حزب جيل جديد: قرار الحكومة الجزائرية بترقية إحدى عشرة مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات، ليصل العدد الإجمالي إلى 69 ولاية، لا يمكن اعتباره بحدّ ذاته خطوة كافية لتحقيق التنمية أو تحسين ظروف معيشة المواطنين

فبينما يراه البعض خطوةً تقدمية لتخفيف الأعباء البيروقراطية وتحسين كفاءة الخدمات، يحذّر آخرون من أنه يعقّد الهيكل الإداري ويحمل الدولة تكاليف إضافية قد تنعكس سلباً على الموازنة العامة. فهل يشكّل توسيع عدد الولايات حلاً للبيروقراطية أم فخاً للميزانية؟ وهل يُعد التقسيم الجديد خطوة نحو "لا مركزية حقيقية" تمنح الولايات الجديدة صلاحيات أوسع وموارد مالية ذاتية، أم أنه مجرد تقسيم إداري يحمل اعتبارات سياسية يعيد إنتاج نموذج المركزية تحت أسماء وإدارات جديدة، مما يزيد من طبقات البيروقراطية ويعقّد عملية اتخاذ القرار؟

بين الشعبوية والمسؤولية

في هذا السياق، قال لخضر آمقران، القيادي في حزب جيل جديد، إن قرار الحكومة الجزائرية بترقية إحدى عشرة مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات، ليصل العدد الإجمالي إلى 69 ولاية، لا يمكن اعتباره بحدّ ذاته خطوة كافية لتحقيق التنمية أو تحسين ظروف معيشة المواطنين.

وأضاف أن التجارب السابقة، سواء في الجزائر أو غيرها، تؤكد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بمجرد توسيع الهياكل الإدارية، بل تتطلب قبل كل شيء تحسين جودة التسيير، وتكريس الشفافية، واعتماد مقاربة تشاركية.

وأشار آمقران إلى أن إنشاء ولايات جديدة وتعيين مسؤولين جدد سيبقى مجرد تغيير شكلي إذا لم يرافقه إصلاح عميق في أساليب الحوكمة، مشدداً على أن الإدارة الحديثة تقوم على التخطيط الاستراتيجي، والفعالية، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتابع القيادي في حزب جيل جديد أن إشراك المواطن في اتخاذ القرار السياسي من خلال انتخابات نزيهة وشفافة هو الضامن الحقيقي لتحسين أداء المؤسسات وتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة.

رشيد حساني، المكلف بالاتصال والإعلام في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية  لـ "الترا جزائر": رفع عدد الولايات إلى تسع وستين ولاية يبدو قرارًا ذا خلفيات سياسية وانتخابية أكثر منه استجابة لمعايير التسيير العصري والموضوعي ومعايير هذا التقسيم الجديد غير واضحة وتكتنفها ضبابية كبيرة، مشيراً إلى أن العملية تفتقر إلى رؤية عميقة تحدد أهداف الإصلاح الإداري بشكل شفاف.

وأوضح أن الأولى بالحكومة كان تعزيز الحوكمة المحلية، وتمكين المنتخبين من صلاحيات فعلية، ودعم الرقابة الشعبية، وتوفير الموارد اللازمة للمشاريع، وتحسين الخدمات العمومية، قبل التوجه نحو أي توسع في التقسيم الإداري.

وختم آمقران بالقول إن الجزائر لا تحتاج اليوم إلى إعادة رسم الخرائط بقدر حاجتها إلى إصلاح عميق في طرق التسيير، مؤكداً أنه حين تتكرس الحوكمة الرشيدة ويُمنح المواطن حقه الكامل في اختيار ممثليه ومحاسبتهم، فقط عندها يمكن لأي تقسيم إداري أن يحقق أهدافه.

تغيير نمط التسيير والإدارة

من جانبه، قال رشيد حساني، المكلف بالاتصال والإعلام في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، إن رفع عدد الولايات إلى تسع وستين ولاية يبدو قرارًا ذا خلفيات سياسية وانتخابية أكثر منه استجابة لمعايير التسيير العصري والموضوعي.

وأضاف في تصريح لـ "الترا جزائر" أن معايير هذا التقسيم الجديد غير واضحة وتكتنفها ضبابية كبيرة، مشيراً إلى أن العملية تفتقر إلى رؤية عميقة تحدد أهداف الإصلاح الإداري بشكل شفاف.

وأوضح حساني ضرورة التخلص من نمط التسيير المركزي والانتقال نحو "نظام الجهَونة la régionalisation"، باعتباره، حسب المتحدث، السبيل الأمثل لتقريب المواطن من مراكز القرار وتعزيز فعالية الإدارة.

وشدد على أن موقف التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لا يقتصر على زيادة عدد الولايات ككيانات إدارية، بل يقوم على قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية لن تتحقق إلا من خلال إعادة توزيع السلطة والموارد بشكل لامركزي يمنح الهيئات المحلية صلاحيات فعلية.

وتابع حساني موضحًا أن "نظام الجهَونة" يمثل نموذجاً لتقسيم إداري يمنح صلاحيات أوسع وأكثر تأثيرًا، وليس مجرد ترقية شكلية لمقاطعات إلى ولايات، مؤكداً أن أي إصلاح إداري يجب أن يرافقه إصلاح عميق في أساليب الحكم والتسيير.

عبد الرحمان هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، لـ "الترا جزائر": قرار الحكومة الجزائرية القاضي بترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات لا يمكن قراءته كإجراء تنظيمي فحسب، بل كجزء من رؤية اقتصادية أشمل تهدف إلى إعادة توزيع النشاط وتصحيح الاختلالات الجهوية

كما أشار إلى أن حزب "الأرسيدي" يستند في رؤيته للتقسيم الإداري إلى المعايير التي اعتمدها قادة الثورة عند تقسيم الولايات التاريخية إلى ست مناطق، حيث راعوا آنذاك عاملي الانسجام الجغرافي والثقافي.

وشدد على ضرورة مراعاة هذه المعايير اليوم أيضاً، لأنها عناصر أساسية تستوجب دراسة معمقة لضمان تحقيق تنمية متوازنة وفعالة.

وأضاف حساني أن اللامركزية الحديثة تقوم على الحكومة الذكية والرقمنة التي تتيح للمواطن الوصول السهل إلى الخدمات الإدارية، مؤكداً أن هذا الخيار أفضل من خلق كيانات إدارية جديدة قد تزيد من مستويات البيروقراطية دون مردود حقيقي على التنمية.

الأثر المالي للتقسيم الإداري الجديد

من جهته، قال عبد الرحمان هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، لـ "الترا جزائر" إن قرار الحكومة الجزائرية القاضي بترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات لا يمكن قراءته كإجراء تنظيمي فحسب، بل كجزء من رؤية اقتصادية أشمل تهدف إلى إعادة توزيع النشاط وتصحيح الاختلالات الجهوية.

رشيد حساني، المكلف بالاتصال والإعلام في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، يقول إن رفع عدد الولايات إلى تسع وستين ولاية يبدو قرارًا ذا خلفيات سياسية وانتخابية أكثر منه استجابة لمعايير التسيير العصري والموضوعي

واعتبر هادف أن هذا القرار يعكس توجهًا نحو بناء خريطة إدارية جديدة تخدم أهداف التنمية المتوازنة، من خلال خلق مراكز محلية تمتلك القدرة على استقطاب الاستثمار وتحسين الخدمات العمومية، مؤكداً أن الاستحداث الإداري يحمل بعدًا اقتصاديًا حقيقيًا يتجاوز البعد الهيكلي التقليدي.

وأشار إلى أن منح هذه المقاطعات صفة ولاية يفتح الباب أمامها لإعادة صياغة مسارها التنموي عبر صلاحيات أوسع، وبرامج مالية مستقلة، وقدرة أكبر على تسريع إنجاز المشاريع العمومية وتجاوز بطء المركزية، مضيفاً أن الولايات الجديدة مؤهلة لبناء نسيج اقتصادي محلي قادر على خلق الثروة واستقرار السكان.

وأوضح المتحدث أن هذا المسار ينسجم مع الرهانات الوطنية في مجالات الطاقات المتجددة، الزراعة الصحراوية، اللوجستيك، والصناعات الخفيفة، وهي قطاعات تمتلك فيها الولايات الجديدة ميزة تنافسية تجعلها مرشحة لتصبح أقطاباً اقتصادية مستقبلية.

استحداث ولايات جديدة ليس مجرد إعادة رسم للحدود الإدارية، بل خطوة استراتيجية لإطلاق موجة جديدة من النمو الإقليمي، تقوم على اللامركزية والحوكمة الذكية وتمكين الإقليم اقتصادياً

وبخصوص المخاوف المتعلقة بالكلفة المالية، قال المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية إن هذه المخاوف تركز على الجانب المحاسبي ولا تعكس القراءة الاقتصادية البعيدة المدى.

وأوضح أن الإنفاق الأولي هو استثمار تنموي ضروري، وليس عبئاً على الخزينة.

وأضاف أن التجارب المقارنة تظهر أن غياب الإدارة المحلية يكلف الاقتصاد أكثر من تكلفة إنشائها، بسبب تعطيل المشاريع وهجرة السكان وتراجع الجباية.

وأشار أيضاً إلى أن إنشاء ولايات جديدة يخلق ديناميكية اقتصادية مباشرة، ويحسن الجباية المحلية، ويزيد جاذبية المناطق للاستثمار الدولي وبرامج التمويل التنموي.

نحو مقاربة ذكية

وفي بعد استراتيجي أعمق، دعا هادف إلى استغلال هذا التحول لإطلاق نموذج رائد للولاية الذكية ضمن الولايات الجديدة، تماشياً مع مراجعة قانوني البلدية والولاية.

وأوضح هادف أن هذا النموذج يقوم على رقمنة الخدمات، واعتماد أنظمة معلومات جغرافية حديثة، وتتبع المشاريع في الزمن الحقيقي، وتحسين الجباية عبر الرقمنة، مؤكداً أن الإدارة الرقمية تعزز الفعالية وتعيد الثقة بين المواطن والإدارة.

وشدد المتحدث على أن الولاية الذكية ليست ترفاً تقنياً، بل رافعة حقيقية لتحسين أداء المرفق العام وتطوير الحوكمة المحلية، مشيراً إلى أن إحدى الولايات الجديدة يمكن أن تتحول إلى منصة تجريب وطنية لتعميم الإدارة المحلية الرقمية في كامل البلاد.

الخبير الاقتصادي عبد الرحمن هادف يعتبر أن التجارب المقارنة تظهر أن غياب الإدارة المحلية يكلف الاقتصاد أكثر من تكلفة إنشائها، بسبب تعطيل المشاريع وهجرة السكان وتراجع الجباية

وأكد المستشار الدولي بأن استحداث ولايات جديدة ليس مجرد إعادة رسم للحدود الإدارية، بل خطوة استراتيجية لإطلاق موجة جديدة من النمو الإقليمي، تقوم على اللامركزية والحوكمة الذكية وتمكين الإقليم اقتصادياً. واعتبر أن الكلفة المرتبطة بالعملية هي كلفة انتقال نحو نموذج تنموي جديد، تصبح فيه الولاية فضاءً لإنتاج القرار والحلول الرقمية، لا مجرد منفذ للقرارات المركزية.

في الختام، رغم أن التقسيم الإداري الجديد يهدف إلى تنظيم الإدارة المحلية وتحسين الخدمات، يبقى السؤال قائمًا حول فعاليته. فالتغييرات المتكررة لم تترجم دائمًا إلى تحسن ملموس في التنمية الاقتصادية أو الخدمات الاجتماعية. ويبقى تقييم أثر هذا التقسيم الإداري الجديد والسابق خطوة ضرورية لفهم جدواه الحقيقية.

الكلمات المفتاحية

الحراك الشعبي.jpg

من بومدين إلى الحراك الشعبي.. ناصر جابي يفكك سوسيولوجيا الاحتجاج في الجزائر

تُشكّل دراسة أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي حول الحركات الاحتجاجية في الجزائر مسعى تحليلي وتأويلي للحركات الاحتجاجية في الجزائر وارتباطاتها بمسار الدولة الوطنية والمجتمع منذ الاستقلال إلى غاية الحراك الشعبي سنة 2019، من خلال ربط التحولات السياسية بالبُنى الاجتماعية والثقافية للنخب الحاكمة والفئات المجتمعية، من خلال معاينة ميدانية واحتكاك بالفاعلين الأساسيين من صناع القرار السياسي إلى مختلف…


المادة 200 من قانون الانتخابات

مترشحو الجالية بالخارج أمام عراقيل إدارية.. حزب "جيل جديد" يطالب بتدخل عاجل لسلطة الانتخابات

وجّه حزب جيل جديد رسالة إلى الرئيس بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، دعا فيها إلى التدخل العاجل من أجل معالجة الصعوبات التي يواجهها مترشحو الدوائر الانتخابية للجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، وذلك في سياق التحضير للانتخابات التشريعية المقررة يوم 2 جويلية 2026.


تبون وأردوغان

زيارة الرئيس تبون إلى تركيا.. ما أبعادها الاستراتيجية؟

تكتسي زيارة الرئيس تبون إلى تركيا، وهي الثالثة منذ توليه الرئاسة، أهمية خاصة باعتبارها محطة جديدة لتعميق التعاون الثنائي والارتقاء به إلى مستويات أوسع


فارس بدحوش

حوار| رئيس "أمنيستي" الجزائر : ندعو السلطات لاعتماد الحبس المؤقت كإجراء استثنائي

أجرت "الترا جزائر" حوارًا مع فارس بدحوش، رئيس منظمة العفو الدولية بالجزائر، لاستجلاء أبرز ما جاء في التقرير، وفهم دلالاته في السياقين الدولي والإقليمي

عميد مسجد باريس
أخبار

مسجد باريس يرد على اليمين المتطرف بعد جدل "لحم الخنزير".. ما القصة؟

أوضح المسجد في البيان أن النص، المنشور بتاريخ 29 أبريل/نيسان الماضي، لم يتناول المطبخ الفرنسي أو العادات الشعبية أو استهلاك لحم الخنزير،

هانتا فيروس
أخبار

فيروس "هانتا".. ماذا كشف الهلال الأحمر الجزائري عن الأعراض والوقاية؟

أوضح الهلال الأحمر أن هذا الفيروس ينتقل إلى الإنسان غالبًا عبر استنشاق جزيئات ملوثة في بيئات غير نظيفة، مرتبطة بوجود القوارض، مشيرًا إلى أنه قد يسبب أمراضًا خطيرة تمسّ الجهازين التنفسي والكلى.


الغاز الجزائري
اقتصاد

الجزائر ثاني أكبر مورّد للغاز إلى إسبانيا.. ماذا تكشف الأرقام؟

وبلغت صادرات الغاز الجزائري إلى إسبانيا نحو 9.79 تيراواط/ساعة خلال أبريل/نيسان الماضي، ما يمثل 34.1 بالمائة من إجمالي واردات مدريد من الغاز، مقابل 11.37 تيراواط/ساعة في مارس 2026 و9.87 تيراواط/ساعة في أبريل 2025.

حرارة
أخبار

أمطار ورعود ورياح قوية بعدد من ولايات الوطن

بحسب ديوان الأرصاد الجوية "الأمطار ستخص ولايات: سوق أهراس، أم البواقي، باتنة، غرداية، الأغواط، البيض، النعامة وبشار، سوق أهراس، أم البواقي، باتنة، الأغواط والنعامة."

الأكثر قراءة

1
أخبار

الصحفي كريستوف غليز يتلقى أول زيارة قنصلية فرنسية في الجزائر.. ما جديد قضيته؟


2
سياسة

من بومدين إلى الحراك الشعبي.. ناصر جابي يفكك سوسيولوجيا الاحتجاج في الجزائر


3
أخبار

فرنسا.. تفاصيل مثيرة خلال محاكمة المؤثر الجزائري "عمي بوعلام"


4
أخبار

فيروس "هانتا".. كيف تحركت وزارة الصحة في الجزائر؟


5
أخبار

فوربس 2026.. ما ترتيب عائلة ربراب ضمن أثرياء العرب؟