"سينيفيليا سوسايتي".. مجتمعٌ سينمائيٌّ يبحث عن وطنٍ لأحلامه

صفحة "سينيفيليا سوسايتي" تعنى بالسينما والنقد السينمائي وصناعة المحتوى (فيسبوك/الترا جزائر)

في الوقت الذي يعاني فيه القطاع السينمائي في الجزائر، من تصحّرٍ غلب على كلّ القطاعات والمؤسّسات التي كان من المفترض أن تُعنى بتطويره، وبعث الحياة في جسد الصناعة السينيماتوغرافية التي تُعاني من "موت سريري" منذ فترة طويلة، وفي زمن الوباء الذي سيطر فيه هاجس كورونا على جميع المجالات، لم تؤثّر هذه الوضعية في قطاع السينما الغائب أصلًا عن المشهد الثقافي، إذ ما تزال تلك المؤسّسات خالية على عروشها إلا من موظفيها.

المشروع الشبابي يُعنى بالسينما والنقد السينمائي وصناعة المحتوى الموجه لعشاق الفن السابع

ظهرت مبادرات عدّة ومتفرّقة، تتمتّع بالاستقلالية عن كل ما هو رسميّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي صارت المتنفّس الوحيد للفرد الجزائري فنيًا وثقافيًا وسياسيًا وحتى اجتماعيًا، وراحت تصنع منصات للمشاهدة وأخرى للنقاش والكتابة والنقد، هذه المجالات التي كانت لوقت قريب جدّ شحيحة، ومهجورة تمامًا، وجدت لها بابًا مفتوحًا عبر هذه المواقع التي عرّت عجز المؤسّسات الرسمية وجعلتها في حرج كبير.

اقرأ/ي أيضًا: تأسيس أول تنظيم نقابي مستقل بعد الحراك الشعبي للمثقفين والفنانين

صفحة "سينيفيليا سوسايتي" هي مشروع فتيٌّ يُعنَى بالسينما وبالنقد السينمائي، وصناعة المحتوى الموجّه لعشاق الفن السابع بكل جوانبه ومجالاته، أسّسها مجموعة من الشباب الشغوفين الذين يحاولون الخروج نحو فضاء أرحب، من مُجرَّدِ صفحةٍ من بين ملايين الصفحات المنتشرة هنا وهناك، ومن خلال العمل على استقطاب الفاعلين في هذا المجال العطِشِ جدًا، من فنانين وأخصائيين عرب وعالميين من مستوى عالٍ، وجزائريين أيضًا، بغية الخروج بالفرد الجزائري من تلك القوقعة التي صنعتها الثقافة الرسمية، وفرضتها قاعات السينما المغلقة إلى حدّ الساعة، حيث تعاني من الدمار والخراب والإهمال، رغم وعود الوزارات المتعاقبة بإعادة فتحها عبثًا.

قطاعٌ مُهملٌ ورسائلُ تشجيع

كتبت وزيرة الثقافة، مليكة بن دودة، منشورًا على حسابها في تويتر شجعت فيه هذه الصفحة والقائمين عليها، وبدا حسب متابعين فإن الوزيرة، قامت بنشر هذا التشجيع بعد نجاح بث مباشر أشرفت عليه المجموعة عبر تطبيق زووم، مع مدير التصوير الأميركي من أصل ياباني م. ديفيد مولن الفائز بـجائزة إيمي لسنة 2019، حيث تحدث عن قطاع التصوير والسينيماتوغرافيا، وحالات أخرى تتعلق بهذا الفنّ، وأجاب عن أسئلة المتابعين بكل احترافية حسب ردود أفعال المشاركين في هذا البث المباشر.

وتساءل متابعون، إذا ما كانت هذه الخطوة ستكون التفاتة جديّة من وزارة الثقافة إلى هذا القطاع المهمّ من خلال هذه الصفحة، أم أن القاعات السينمائية ستبقى مغلقة والمشاريع معلقة لكي تظل هذه الكلمات مجرد "منشورات تشجيعية" كما جرت العادة؟

في سياق آخر، تم تنصيب الأعضاء الجدد للجنة القراءة وإعانة السينما التابعة للصندوق الوطني لتطوير الفنّ والتقنية والصناعة السينيماتوغرافية وترقية الفنون والآداب، بحضور الوزيرة وكاتب الدولة المكلف بالصناعة السينيماتوغرافية يوسف سحيري، ويرأس اللجنة المخرج محمد عبد الفضيل حازورلي، جاء هذا في بيان نشرته وزارة الثقافة، ويأتي هذا القرار تنفيذا لبرنامج الوزارة ومخطط عمل الحكومة.

كورونا.. لم يكن بذلك السوء

في تصريح خصه لـ "الترا جزائر"، قال الصحافي ومؤسّس صفحة ومجموعة "سينيفيليا سوسايتي"، رفقة نخبة من الشباب الفاعلين، أن فكرة الصفحة والمجموعة المرافقة لها جاءت خلال الحجر الصحي جراء تفشي فيروس كورونا، الأمر الذي جعل الجميع محتجزين في بيوتهم يقضون معظم الوقت على مواقع التواصل حسبه. وأضاف نسيم براهيمي، أن هذه المبادرة منحت المساهمين فيها فرصة للعودة إلى النشاط وممارسة الهواية التي يحبونها وهي السينما.

من جهة أخرى أراد القائمون على هذه المبادرة حسب المتحدّث، منح الناس فسحة فنية للترويح والمشاركة في نشاط ثقافي مفتوح أمام الجميع، لتمكينهم من الإسهام في إثرائه بطريقة مباشرة.

يوضح براهيمي، أن الصفحة لم يكن لها أي طموح واضح عند انطلاقها باستثناء استغلال الوقت الفارغ خلال فترة الحجر المنزلي، لتقديم محتوى سينمائي لرواد فيسبوك ومنحهم فرصة لكي يتشاركوا شغفهم بالسينما، لكن مع مرور الوقت وتوسّع المجموعة ونجاح بعض فقراتها - خاصّة مناقشة الأفلام في البث المباشر- تجّلت أفكار أخرى وتعزّزت المجموعة بأعضاء محبين للسينما، وفاعلين في المجال، يملكون روح المبادرة وأفكارًا يسعون لتحقيقها، ومع توفّر المادة والمحتوى تعزّزت الصفحة بفقرات أخرى، فيما ستنطلق قريبًا حسبه، فقرات جديدة سينمائية محضة.

وفي سؤال عن طموحات هذا المُتنفس الإلكتروني، الذي فتح لرواد مواقع التواصل، قال المتحدث إن الأعضاء الفاعلين والمسيرين على حدٍ سواء يعملون على تنشيط وتقديم  فقرات سينمائية في مختلف المواضيع حاليًا ومستقبلًا، يختصُّ فيها أعضاء من المجموعة كل حسب تخصصه وميولاته الفنية، على حدّ قوله. 

ما محل السينما الجزائرية؟

يقول، نسيم براهيمي، إن السينما الجزائرية  حاضرة بقوة في الصفحة والمجموعة على حد سواء، خاصة عبر نقاشات تمس الأفلام القديمة والحديثة مع بعض المنشورات النقدية لمحتواها وتقنياتها، لكنها لحد الساعة حاضرة فقط من خلال منشورات الأعضاء.

يحاول القائمون على هذا المشروع الثقافي اليوم حسب ما صرح به براهيمي،  استقطاب أهم الفاعلين في السينما الجزائرية من أجل المشاركة في النقاشات التي تثار على الصفحة، لكن الاتصال بالفنانين الجزائريين بدا أمرًا صعبًا جدًا، نظرًا لعدم تفاعلهم مع هذه الدعوات، في حين  نجحت المجموعة في دعوة ومناقشة الباحث السابق في وكالة ناسا الدكتور نضال قسوم، حول أفلام الفضاء، إضافة إلى محرر الشؤون السينمائية في قناة الجزيرة خليل حنون، والحائز على جائزة إيمي أوارد مدير التصوير الأميركي ديفيد مولن، لكن للأسف يعجز الأعضاء عن دعوة الفنانين الجزائريين، الذين قال نسيم براهيمي إنه مرحّب بهم جدًا، وستتشرف "سينيفيليا سوسايتي"، باستضافتهم حتّى يتفاعلوا مع الجمهور إلكترونيًا، لطرح نقاشات جادّة حول الشأن السينمائي الجزائري بشكل مباشر.

مبادرات خارج المؤسسات الرسمية

من جهته، عبّر الصحفي أبو طالب شبوب، من منظورٍ آخر عن أهمية مثل هذه المجموعة قائلًا في تصريح لـ "الترا جزائر"، أنها تفتقِد واقعيًّا لكل ما يصنع عملًا ثقافيًا وفق ما تفهمُه المؤسسة العمومية، لأنها دون تمويل ولا تمتلك علاقات كبرى ولا هيكلًا إداريًا ضخمًا، ومع ذلك فهي تنشر الثقافة السينمائية، ويمارس أفرادها النقد الفنّي وتؤطِّر الحلقات النقاشية وتُجري لقاءات مباشرة مع بعض أكبر الفاعلين في عالم السينما حسبه.

ويُضيف المتحدّث، أن "مجموعة فتية كهذه، هي برهان حقيقي على أن ما يفتقده العمل الثقافي العمومي في بلادنا، ليس المال ولا العلاقات ولا الهيكل الإداري، بل الإرادة والشغف وحب الفن ذاته"، وتمنّى أبوطالب، أن يصنَع شأننا الثقافي الوطني شبابٌ من طينة أعضاء "سينيفيليا سوسايتي".

من جهة أخرى، كتب الصحافي أبو طالب في منشور تشجيعي خصّه للمجموعة، أن الدولة إذا ما كانت قد أنشأت سابقًا مؤسّسة جبارة التمويل وأطلقت عليها اسم "الوكالة الوطنية للإشعاع الثقافي"، فهو يعتبر أن هذه الصفحة الفيسبوكية بمثابة الوكالة الفعلية التي أنجزها شباب الشعب بصفر ميزانية، وصفر علاقات وصفر موظفين.

كما تساءل المتحدث في ذات السياق، عمّا إذا كانت الثقافة بحاجة لموارد إدارية ضخمة، وجيوش جرارة من الموظفين واجتماعات لا نهاية لها، ليجيب بأن هؤلاء الشباب العاملين في المجموعة، ربما لم يتقابل يوما في غالبيتهم في أي اجتماع كلاسيكي، ولا قاموا باستئجار صالة محاضرات في أي من الفنادق الفاخره، كما لم يكتبوا أي "مشاريع" أو "قرارات"، وأضاف الصحافي أن هؤلاء هم أبناء الرغبة فقط، الرغبة في إنجاز شيء جميل، ثم إن عددهم جميعًا أقل من عدد الموظفين في أي مؤسّسة ثقافية محلية، ومع ذلك كانت فعاليتهم أكبر.

"سينيفيليا" بعين ناقدة

أمّا الناقد السينمائي، عبد الكريم قادري، فيقول في تصريح لـ "الترا جزائر"، إنه يجب الاعتراف بأن هناك قحطًا في الساحة السينمائية الجزائرية، ويعود هذا حسبه لـ "غياب الفعل السينمائي، الذي يولد من خلال الأندية والجمعيات والصفحات في الجرائد والمجلات والقنوات، والصفحات والمجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي".

ويضيف قادري، أن كلّ ما ذكره هو ما يحقق فسيفساء السينما الجزائرية، ومن خلالها تولد النقاشات التي تساهم في تطوير هذه السينما وتهذيب ذائقة الجمهور، وهذا ما وقف عليه المتحدث من خلال مجموعة "سينيفيليا سوسايتي" وهي المجموعة الفيسبوكية التي بدأت تؤسس لنشاط سينمائي محترم حسب ما أضاف.

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية.. نكهة جزائرية

يردف الناقد، عبد الكريم قادري، أنه "في ظرف وجيز استطاع أن يصل هذا المشروع إلى مجموعة كبيرة من عشاق هذا الفن، ولم تجعل منهم كمتلقين فقط، بل أصبحوا فاعلين في الصفحة، يقدمون تصوراتهم وانطباعاتهم حول المواضيع المطروحة"، ويعود هذا حسبه دائما إلى مؤسس المجموعة، نسيم براهيمي، الذي استطاع أن يلقي "بسنيفليتهم" إلى كل من في الصفحة، خاصة وأنه بدأ في استضافة أسماء سينمائية محترمة لها حضورها القوي، وهذا ما يزيد في جديتهم.

ويعتقد المتحدث، شخصيًا أنه استشرف خيرًا بهذه المجموعة، ويرى بأنها "ستساعد في خلق أقلام نقدية جزائرية وستغطي العجز الذي نعيشه، لأننا تقريبًا الدولة العربية الوحيدة، التي تملك ماضيًا سينمائيًا مشرفًا، لكنها لا تملك نقاد سينما فاعلين ويكتبون باستمرار، كما أنها ستسهم بشكل آخر في تطوير السينما الجزائرية والدفع بها إلى الأمام".

 

اقرأ/ي أيضًا:

متى ستُوثق السينما الجزائرية لجزائر الحاضر؟

فيلم بابيشة.. نساء العشرية السوداء يحاربن التطرف في مهرجان كان