صور لمترشّحين تثير السّخريّة.. سلطة الرّداء؟

صور لمترشّحين تثير السّخريّة.. سلطة الرّداء؟

الانتخابات التشريعية امتحان صعب للسلطة (تصوير: فاروق باتيش/ أ.ف.ب)

لست هنا لأناقش جدوى التّرشّح للانتخابات البرلمانيّة القادمة، في ظلّ الوضع السّياسيّ القائم، فذلك متروك لقناعات الطّرفين المشارك والمقاطع معًا، داعيًا إلى أن يكون النّقاش، حين يحصل في سياقاته، حضاريًّا وبعيدًا عن تخوين هذا الطّرف لذاك، ونائيًا عن القاموس الذّي لا يليق بمواطن ناضج يُفترض أنّه قاطع أو شارك بناءً على عقل متأمّل في المعطيات والسّياقات والحيثيات والتّجارب؛ فهو عقل محكوم بقاموس متنزّه وتفكير نزيه، وإلّا أعطى دليلًا صارخًا على عدم جدارته بتمثيل الخيار الذّي اختار السّير فيه ومعه.

يفترض أنّ المواطن الذّي يعرض نفسه على الشّعب ليشرّع له في البرلمان قد وصل إلى عتبة من النّضج 

إنّما سأتناول خيار المشاركة من زاوية تعنيني بصفتي محسوبًا على حقل الجماليّات ومشتغلًا فيه ومشغولًا به هي الصّور التّي اختارها المترشّحون لتدلّ عليهم في المصنّفات الإشهاريّة التّي شرعوا في نشرها على حساباتهم في مواقع التّواصل الاجتماعيّ؛ أيّامًا قبل تعليقها في الأماكن المخصّصة للحملة الانتخابيّة. علمًا أنّنا سنشهد تعليقها أيضًا في الحجر والشّجر والجسور والجدران الخاصّة والعامّة بطرق ونوع من الغراء يتسبّب في تشويه الفضاء العامّ. وهو أوّل انتهاك يقع فيه قطاع واسع من المترشّحين، قبل وصولهم إلى المؤسّسة التّشريعيّة أصلًا. ولو يستشيرونني في أوّل قانون أرى أنّ التّشكيلة البرلمانيّة الجديدة يجب تقرّه لقلتُ إنّه قانون تجريم تعليق الملصقات الإشهاريّة الانتخابيّة خارج الأطر المخصّصة لها رسميًّا.

اقرأ/ي أيضًا: 30 مليون سنتيم للشباب.. جدلٌ حول تمويل الحملات الانتخابية

يفترض أنّ المواطن الذّي يعرض نفسه على الشّعب ليشرّع له في البرلمان قد وصل إلى عتبة من النّضج في المجالات كلّها تؤهّله لأن يُراعي كلّ الزّوايا التّي تضعه في خانة "قابل للثّقة"، من ذلك إدراكه لبديهيّة بسيطة هي أنّ الصّورة التّي ينتقيها لتقدّمه للنّاس يجب أن تكون مدروسة من حيث جماليّاتها وتقنياتها وملامحه ووضعيته وهندامه فيها. فهي أولى العتبات التّي يدخل منها النّاخب إلى معرفة المترشّح. ثمّ إنّ الصّورة في السّياق الجديد، بعد التّحوّلات التّي وقعت على مستوى التّلقّي لدى الجيل الجديد القائم على الثّقافة البصريّة، من حيث دورها في لفت الانتباه وإعطاء فكرة نفسيّة وفكريّة واجتماعيّة وثقافيّة وحضاريّة عن صاحبها، باتت مختلفة تمامًا عن دورها في السّياقات السّابقة التّي يمكن أن نسمّيها السّياقات اللّغويّة، حيث كان النّصّ اللّغويّ طاغيًا على الأذهان والوجدان العامّين. ولم تكن الصّورة إلّا ملحقًا به، حتّى أنّ معظم الموادّ النّصيّة التّي كانت تنشر في المنابر المختلفة؛ أيّامئذ؛ كانت تستغني عن الصّور

لقد كان هذا النّوع المعنيّ بفقر الدم في ثقافة الصّورة قادرًا على معرفة فداحته صوره المستعملة في الحملة الانتخابيّة، من خلال استعمالها ثمّ سحبها لمدّة ربع ساعة فقط في إنستغرام باعتباره فضاءً يشترط ذقيًّا صورًا غير باهتة ولا رديئة ولا نمطيّة

من هنا، فإنّ أوّل رسالة يقدمها مترشّح للانتخابات لا يوفّر المعايير الجديدة في صورته هي أنّه ليس مدركًا للتّحوّلات الحاصلة في الذّوق والهوى العامّين، بالتّالي فهو غير مؤهّل لأن يكون ممثّلًا لجيل جديد ومشرّعًا له. إنّه وقع في تشويه نفسه بنفسه في محلّ التّسويق لها سعيًا منه لحصد الأصوات التّي توصله إلى البرلمان الذّي هو مبتغاه. وهو مقام يعطينا الحقّ في إدراجه ضمن خانة "الجبري" بتعبير الشّباب التّي تعني المتخلّف والعاطل عن الحداثة عوضًا عن خانة "المحلّب" التي تعني المدرك للسّياقات الجديدة والمواكب لها.

كيف فات هؤلاء المترشّحين؛ والمقام غير قابل للتّعميم تجنّبًا للتعسّف، أنّهم في زمن فيسبوكيّ يُمَكّن من نشر صورهم وطنيًا وحتّى دوليًّا، فتصبح محلّ سخريّة الجميع بطرقٍ قد تحرمهم حتّى من أصوات أسرهم وحوماتهم؟ فقد بدأنا نقرأ تعليقاتٍ ساخرة عن صور بعض المترشّحين تنطوي على جرعة رائعة من الطّرافة والذّكاء ذكّرتنا بما كان يبدعه الفسابكة الجزائريّون في الزّمن القريب تهكّمًا ببوتفليقة وبعض وجوهه مثل جمال ولد عبّاس؟ هل يعقل أن يترشّح الواحد لأعلى مؤسّسة تشريعيّة، بما يجعل صورته محلّ تداول واسع إعلاميًّا وفيسبوكيًّا وشعبيًّا، فلا يدرك أنّه يجب أن يستعين بمصوّر محترف ومستشار في الجماليّات؟ كيف سيتمكّن من فرض معايير الاحترافيّة، إذًا؛ حين يصبح محلّ تشريع ومراقبة؟

إنّ ما يُميّز دورة 2021 من الانتخابات التّشريعيّة؛ مقارنةً  بالدّورات السّابقة، بغضّ النّظر عن نسبة المشاركة فيها، كونُها استقطبت نسبة كبيرة من الشّباب، بما يوحي بكون البرلمان القادم سيكون شبابيًّا؛ وهو ما يضعنا أمام هذه الأسئلة: ما الذّي منع من أن تكون الصّور المستعملة في هذه الدّورة وما يتبعها من مصقات إشهاريّة ذات أناقة مختلفة ودالّة على الرّوح الشّبابيّة؟ هل انسحب جيل قديم من السّياسيّين تحت طائلة القانون الذّين رفض أن يترشّح ذوو عهدتين سابقتين، وتحت طائلة بعض الحرج الذّي خلقه الحراك الشّعبيّي، فخلفه جيل جديد عمريًّا لكنّه شبيهه في القدامة فكريًّا وذوقيًّا؟ هل سنكون بصدد برلمان مشبّب لكنّه أكثر قابليّةً لشراء الذّمم بحكم الحاجة الماليّة لكثير من أعضائه القادمين من العَوَز؟ 

ثمّ ما بال نسبة لا بأس بها من المترشّحات تركت خانة الصّورة خاليةً أو وضعت شريطًا على العينين حتّى لا تُعرف  وجوهها؟! هل هنّ في مقام ترويج أم تعتيم؟ هل ينسجم هذا التّعتيم مع مبدأ الشّفافيّة الذّي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة بين النّاخب والمنتخَب؟ والغريب في الأمر أنّ معظم تلك القوائم التّي تضمّ هذا النّوع من المترشّحات تحمل شعاراتٍ لا تنطبق عليها مثل "الجزائر الجديدة" و"العهد الجديد" و"التنوير" و"البديل الحقيقيّ".

كان على السّلطة  أن تنتبه إلى قدرة رداءة ونمطيّة صور المترشّحين على تخفيض نسبة المشاركة الشّبابيّة

كان على السّلطة التّي يبدو أنّها مرعوبة من هزال نسبة المشاركة، فهي تعوّل على نسبة كبيرة في مسعاها إلى استكمال الشّرعيّة النّاقصة، بعد شبه المقاطعة في انتخابات الرّئاسة نهاية عام 2019 وانتخابات التّعديل الدّستوريّ نهاية عام 2020، أن تنتبه إلى قدرة رداءة ونمطيّة صور المترشّحين على تخفيض نسبة المشاركة الشّبابيّة، فتفرض عليهم اعتماد صور محترفة وذكيّة ومثيرة للإعجاب تلتقطها لهم هي نفسها في استوديوهات خاصّة! هكذا تبدأ رعايتها للنّوّاب الجدد، حتّى قبل وصولهم إلى قبّة البرلمان!

 

اقرأ/ي أيضًا:

التشريعيات الجزائرية.. ماهي فرصة أحزاب بوتفليقة في دخول البرلمان؟

بعجي: قوائم "الأفلان" في التشريعيات لن تفتح أمام الفاسدين