ضحايا الاستعمار الفرنسي.. جزائريون مهجّرون إلى المحتشدات والمنافي

ضحايا الاستعمار الفرنسي.. جزائريون مهجّرون إلى المحتشدات والمنافي

ما لا يقلّ عن 150 ألف لاجئ جزائري توزّعوا على عدد من المدن التونسية (الصورة: لي جان أنديوندون)

من الملفّات التي لازالت تخبّئ أسرارها في الجزائر، ملف المهجَّرين قسرًا في فترة الاستعمار الفرنسي، إما إلى القرى والمداشر والمحتشدات التي أنشئت خصيصًا لعزل الأهالي عن ثورة التحرير، واستعمال سكانها دروعًا بشرية لحماية الجيوش الفرنسية من بطش الثوّار، أو أولئك الذين هجّروا خارج البلاد مثل تونس وكاليدونيا الجديدة وغويانا، فترسخت تلك المآسي في الذاكرة الشعبية، وأصبحت قصصًا دامية في تاريخ النضال الجزائري ضدّ المستعر الفرنسي.

بلغ عدد المرحّلين إلى هذه المحتشدات أزيد من مليون و600 ألف شخص بعد خمس سنوات من انطلاق الثورة التحريرية

لم تنس السيدة عتيقة رحموني معاناة جدها ووالدها وهي طفلة صغيرة لم تتجاوز السادسة، حيث غادرت منطقة النمامشة بأعالي ولاية خنشلة نحو تونس، رفقة عائلتها وعدد من سكّان القرية التي كانت تقطنها، ولا زالت تتذكر معاناة آلاف من الجزائريين خلال فترة الاستعمار الفرنسي، بسبب أعمال همجية دفهتهم لترك موطنهم أو تشريدهم وتهجيرهم انتقامًا منهم على مساندة الثورة.

اقرأ/ي أيضًا: قانون تجريم الاستعمار.. مساءلة تاريخية لفرنسا عن مجازر الجزائر

لا يُمكن لها هي وغيرها من الجزائريين الذي استقروا في تونس، نسيان قصص الحبس في "محتشدات الموت" للآلاف من الجزائريين ممن كانوا يشكلون خطرًا على فرنسا، بسبب تعاطفهم مع الثورة الجزائرية إبان انطلاقها، وتجنّد كثير من أبنائهم في جيش التحرير الوطني.

كانت الهجرة القسرية أو الحبس في تلك المحتشدات شكلًا من أشكال العنف والبطش التي مارستها قوات الاستعمار، بينما دفعت بالآلاف للهرب إما إلى دول الجوار كتونس والمغرب أو إلى المشرق العربي وأوروبا. قصّص لازالت ليومنا هذا تُروى على الأجيال المتلاحقة.

عانى الجزائريون لسنوات طويلة، بداية من سياسة التّهجير والقمع، كأحد أوجه أنماط سياسة الاستعمار الفرنسي بالإبعاد عن الأرض، فكانت هجرة الجزائريين مفروضة، إذ تعدّ من الملفّات التي لازالت تحسب على الجرائم المرتكبة في حقّ الانسان من طرف الآلة الاستعمارية ولا يمكن اختزالها من صفحات التاريخ الجزائر.

بأعالي منطقة الكاف التونسية، تقطن عشرات العائلات الجزائرية التي ارتبطت بالجزائر، ارتباطًا بالأرض والدمّ، يعودون إليها، في الكثير من المرات منذ استقلال البلاد، إلا أن الماضي كان محمّلًا بالكثير من الدماء والآلام والتّشتيت.

القصة محفوفة بالتعقيدات، حيث عملت السلطات الاستعمارية على تفكيك البنية الاجتماعية للجزائريين، وصادرت آلاف من الهكتارات من الأراضي ودمّرت مصادر عيشهم، وارتكبت مجازر جماعية في حقهّم في إطار عمليات إبادة منظّمة ضدّ الأهالي، وانتهجت سياسة "الأرض المحروقة" لإخماد الانتفاضات الشعبية ضدّ الاستعمار.

هنا، يروي يزيد سراندي، وهو أحد أحفاد عائلة سراندي من دوار بني فتح بين جبال جيجل وسكيكدة، ويقطن حاليًا في بمنطقة المهدية بتونس، أن جده أقدم على الهجرة مع عدد من سكان الدوار (القرية) التي كانوا يقطنونها، بعد اعتداءات الاستعمار الفرنسي، على مستوى العديد من القرى الجزائرية المجاورة لهم، فتركوا أراضيهم، لكن "السلطات الاستعمارية قامت بتجميع الآلاف من سكّان القرى في محتشدات بعد ترحيلهم من مداشرهم، وإحاطتها بالأسلاك الشّائكة ومراقبتها على مدار الساعة، إذ كانت محتشداتهم قريبة من المراكز العسكرية خصوصًا تلك القريبة من تونس.

موت بطيء

تجاوز عددهم الـ 400 ألف جزائري ممن هُجِّروا من أراضيهم، ومن أبرز صور الهجرة "المؤلمة والصعبة" هي تلك التي شهدتها الجزائر أثناء الثورة التحريرية، إذ اتّخذت "طابعًا قسريًا" تميزت وقتها بهجرة الآلاف من المناطق الحدودية والداخلية نحو تونس والمغرب، كما تحدث الأستاذ الباحث في التاريخ محمد كراغل، في إفادته الموسومة بـ "الهجرة القسرية للجزائريين إلى تونس اثناء الثورة التحريرية" عن أكبر موجة لجوء شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، هي لجوء الجزائريين إلى دول الجوار.

كانت تونس والمغرب ملاذًا آمنًا للجزائريين، إذ كان الخوف السبب الأول في تدفق الجزائريين نحو الجارة الشرقية والغربية، بعد عمليات القمع والتجويع والتعذيب التي انتهجتها فرنسا الاستعمارية، منذ السنوات الأولى من الاحتلال وخاصة في سنة 1832، لتشتدّ أكثر مع اندلاع الثّورة التّحريرية في الفاتح تشرين الثّاني/نوفمبر 1954.

مع اندلاع الثّورة التحريرية أعلنت قانون الطوارئ والتّهجير كوسيلة للقضاء على الثورة في المهد، إذ يسنّ على عدة تدابير أهمّها مداهمة المنازل في كل الأوقات وتفتيشها، والنفي والإقامة الجبرية، علاوة على محاكمة الأشخاص المدنيين من قبل المحاكم العسكرية والاستثنائية، دون مراجعة أحكمها وغيرها من الإجراءات التي شملت الأطفال النساء والشيوخ.

تُفيد المعلومات المتوافرة لـ "الترا جزائر"، أن المحتشدات كان يُطلق عليها في الفترة الاستعماري "مناطق الأمان" كتمويه حربي ضدّ الثوار الجزائريين، وتمّ تجميع سكان الريف فيها للفصل بينهم وبين جيش التحرير الوطني، إذ استمرّت العملية على فترات وبلغ عدد المرحّلين إلى هذه المحتشدات أزيد من مليون و600 ألف شخص بعد خمس سنوات من انطلاق الثورة التحريرية.

باتت بذلك هذه المناطق عبارة عن قرى جديدة مغلقة عل ساكنيها في ظروف سيئة، منها "محتشد الماء الأبيض" و"الشريعة " بولاية تبسة، و"محتشد سالين" على مستوى ولاية عنابة شرق البلاد.

أقدم الجيش الفرنسي على اجتثاث الناس من مواطنهم ومساكنهم وحياتهم المألوفة وتوزيعهم في بيئات غريبة عنهم في العراء، وحشرهم في معسكرات مسيّجة في ظروف اقتصادية هشة، وبذلك فقد المهجَّرون أرزاقهم وأراضيهم، وضاقت المحتشدات بساكنيها، وعانى الجزائريون بسبب نقص الغذاء وانعدام المرافق الصحية، ما أدى إلى ارتفاع الوفيات بمعدل 500 طفل سنويًا.

ومع تردِّي الأوضاع الصحية والمعيشية في هذه الفضاءات التي تُشبِه إلى حدّ كبير بالسّجون، تضمّ سياجًا شائكًا ومراقبة على مدار ساعات اليوم، فكان الفرار لتونس سوى الطريق المنجية، بحسب شهادات كثيرة يعيدها من يسكنون المدن القريبة من الجزائر من أحفاد المهجّرين في بدايات الاستعمار.

من جهته، ذكر فريد بن عالية لـ"الترا جزائر" أنه حفيد محمد بن عالية الذي قدم الى تونس مشيًا على الأقدام هربًا من بطش الفرنسيين، وهو أحد أفراد الجيل الثالث لعائلته، المنحدرة من دوار عين النّشمة في الحدود الجزائرية التونسية، بين منطقة ساقية سيدي يوسف ومنطقة الكاف التونسية، غير أنه لا زال يحتفظ بالكثير من القصص عن تلك الفترة التي كانت تروى لهم شفويًا أبًا عن جدّ.

عذاب نفسي

ما علق في أذهان المرحلّين أن هروب البعض لتونس، كان نجاة من المناطق المحرمة التي أقامتها السلطات الاستعمارية، لمنع بناء حلقة وصل بين الشّعب وجيش جبهة التحرير الوطني، يقول بلعالية: "إذا تمكن أي شخص من اجتياز الحدود والأسلاك الشائكة والموت، فهو كمن ولد من جديد".

اللّجوء كان مهربًا حقيقيًا في بدايات الثّورة التحريرية، إذ أفادت الباحثة نورية أوجاني لـ "الترا جزائر"، أن العملية مست سكان من مناطق الأوراس، ونواحي قسنطينة ومنطقة القبائل بوسط الجزائر، وكانت حسبها "عشوائية، ما بين سنوات 1957 إلى 1959، إذ توزّع ما لا يقلّ عن 150 ألف لاجئ جزائري في عدد من المدن التونسية أهمها: الكاف، سبيطلة، توزر وقابس، وبنزرت فضلًا عن تونس العاصمة، "بحثًا عن الأمن، كما هربوا من جحيم الحرب والمحتشدات التي هي أشبه بسجون كبيرة، يلفها الرعب والخوف".

اجتماعيًا، واجهت قوافل المهاجرين قسرا من الجزائر نحو تونس، مشاكل توفير المساعدات الغذائية والرعاية الصحية، إذ يصل غالبيتهم في حالة مزرية وإصاباتهم بأمراض عديدة وصفت بـ"أمراض الفقر".

لكن اللافت للنظر أن عشرات العائلات التونسية قدمت المساعدات للجزائريين واستقبلتهم في بيوتها، فضلًا عن تبرّعهم بالمؤونة والغذاء والألبسة والأفرشة، في صورة تضامن بين الشعبين في فترة عصيبة من التاريخ الجزائري.

لم تكن ممارسات السلطات الفرنسية إبان احتلال الجزائر متوقفة في الحرب والقتل والتنكيل والإعدام والسجن، بل جمعت الجزائريين في تجمعات الموت البطيء، ثم تحريم بعض المناطق على الجزائريين وإلا سيكون الجزاء هو القتل بالرصاص والقنابل التي ترميها الطائرات العسكرية بشكل عشوائي.

الخطّ القاتل

لحدّ اليوم مازال "خطّ موريس "على الحدود الشرقية الجزائرية و"خطّ شال" على الحدود الغربية الجزائرية يشكّل موتا مُتّمًا للجزائريين في تلك المدن، إذ يمتدّ الأول على مسافة 320 كيلومترًا من مدينة عنابة مرورا بمنطقة بن مهيدي فالذرعان، ثم شيحاني فمنطقة دريان، ثم يتفرّع مع الطريق والسكة الحديدية ويمتدّ حتى مدينة بوقموزة، وبوشقوف إلى تبسة باتجاه مدينة الكويف التونسية، ثمّ بئر العاتر، فثم مدينة سوق أهراس، ليمتدّ مرة أخرى نحو الصحاري، بينما امتدّ الخطّ الغربي على مسافة 700 كيلومترا، من منقطة بورساي حتى ولاية تلمسان، فعين الصفراء والمشرية والقصور ليصل بعدها إلى إيقلي جنوب منطقة بشار.

وما يمكِن الإشارة إليه، أن عرض الخطّ يتراوح ما بين ستة أمتار إلى 25 مترًا، وارتفاعه مترين، حسب ما أوردته الوثائق التاريخية، بينما شبكة الأسلاك الكهربائية فتصل قوتها إلى 12 ألف فولط، وهذا لمنع أيّ اتصال بين الثوار أو مرورهم نحو تونس والمغرب من أجل الدعم بالسلاح أو لأغراض التقاء قيادات الثورة التحريرية.

لا يزال المطلب الجزائري الرئيسي هو إمداد السلطات بخرائط خطي شال وموريس لتمكين الجيش الجزائري من إزالة ألغام الموت

لا يزال المطلب الجزائري الرئيسي هو إمداد السلطات بخرائط خطي شال وموريس لتمكين الجيش الجزائري من إزالة ألغام الموت، وإنقاذ الأجيال القادمة من خطر محدق في حياتهم اليومية، لتبقى ملفات الماضي الجريح مفتوحة إلى غاية اعتراف واعتذار وتعويض، رغم أن كل ما عاشه الجزائريون في تلك السنوات المريرة لا يمكن لأي شيء اختزاله أو محوه.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عاصفة دبلوماسية وشيكة بين الجزائر وباريس

ماكرون: النظام الجزائري أنهكه الحراك الشعبي