عبد القادر هاني لـ"الترا جزائر": 600 طن من الوثائق هرّبتها فرنسا قبيل استقلال الجزائر
7 فبراير 2026
في هذا الحوار يكشف عبد القادر هاني، الباحث في التاريخ والإطار المتقاعد المتخصص في الأرشيفات، بعض محطات وحقائق الحرب الصامتة بين الجزائر وفرنسا في موضوع الأرشيف، بناء على تجاربه الميدانية وأعماله المتخصصة في المجال، فهو صاحب دراسات أكاديمية ومؤلفات تدور موضوعاتها حول تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر والثورة ضمن منهج علمي يستند الحقائق المدعومة، حصرا بالوثائق الأرشيفية.
كثر في السنوات الأخيرة مصطلح حرب الأرشيف الجزائرية الفرنسية المتعلقة بالذاكرة، بدايةً ما هي أهمية الأرشيف من الناحية النظرية؟
تُعرِّف العلوم الوثائقية الأرشيفَ بأنه مجموعٌ منظَّم من الوثائق التي تُنتَج تلقائيًا نتيجة نشاط شخص طبيعي أو معنوي، عامًّا كان أو خاصًّا، وتُحفَظ بوصفها ذاكرةً لنشاطه أو دليلًا على حقوقه ومصالحه. ويجري حفظ هذه الوثائق بطريقة مقصودة ومنهجية لتحقيق جملة من الأهداف الإدارية، القانونية، والتاريخية.
وباعتبارها موادَّ خامًا (وثائق مكتوبة، مخطوطات، وسائط رقمية)، تُشكِّل الأرشيفات المصدرَ الأول والأساسي لكتابة التاريخ، إذ تُمكِّن من توثيق الوقائع، وتأريخها، وتفسيرها، وتُعد أدوات تقنية لا غنى عنها لعمل المؤرخ. ولهذا تُوصَف الأرشيفات بحق بأنها "مخزن التاريخ" أو "مطمورة الذاكرة".
غير أنّ الاهتمام بالأرشيف لا يقتصر على التاريخ وحده، بل يشمل مجالات متعددة كالإدارة، والاقتصاد، والسياحة، بل وحتى الأيديولوجيا الوطنية.
عبد القادر هاني: تُشكِّل الأرشيفات المصدرَ الأول والأساسي لكتابة التاريخ، إذ تُمكِّن من توثيق الوقائع، وتأريخها، وتفسيرها، وتُعد أدوات تقنية لا غنى عنها لعمل المؤرخ. ولهذا تُوصَف الأرشيفات بحق بأنها "مخزن التاريخ" أو "مطمورة الذاكرة"
ففي بولندا، على سبيل المثال، يستند مؤرخوها إلى إشارة وردت في كتابات التاجر العربي إبراهيم بن يعقوب، الذي جاب شمال أوروبا سنة 966م، بوصفها أول ذكر لكيان سياسي بولندي، لتأكيد قِدَم الدولة البولندية وشرعيتها التاريخية.
كما أن للوثائق وظيفة إدارية أساسية؛ إذ لا يمكن لأي إدارة أن تعمل دون حفظ وثائقها، تمامًا كما لا يستطيع ربّ الأسرة تسيير شؤونها دون الاحتفاظ بعقود الملكية، وفواتير الماء والكهرباء، وشهادات الميلاد، والديبلومات.
أشرت في كتابك " لمحة عن تاريخ الأرشيف في الجزائر"، إلى أن عمليات تهريب واسعة تمت بين آخر ليالي الاستعمار وفجر الاستقلال، فما حجمها؟
تشير مصادر متعددة إلى أن حجم الأرشيفات التي نُقلت بين سنتي 1961 و1962 يتراوح بين 150 و600 طن. وقد قدّم فوّاد صوفي، أحد إطارات الأرشيف الوطني الجزائري، تقديرًا يستند إلى ما تم العثور عليه في أربعة مراكز إيداع رئيسية، حيث قدّر الكمية بـ 20 ألف متر طولي، دون احتساب 600 فيلم قصير أنجزتها مصلحة التوزيع السينمائي.
ووفقًا لمسؤولي الأرشيف الفرنسي، فإن الوثائق المنقولة والمحفوظة حاليًا بمركز أرشيف ما وراء البحار. في إيكس أون بروفانس تنقسم إلى نوعين رئيسيين، الأول هو أرشيفات السيادة: وتشمل أرشيفات الولاة، دواوين المحافظات، أجهزة الأمن، المحاكم الاستثنائية، والمؤسسة العسكرية.
والثاني هو أرشيفات التسيير الإداري: وتتعلق بالإدارة العامة، الأشغال العمومية، التعليم، المالية، الصحة، وغيرها.
عبد القادر هاني: عرفت الجزائر منذ احتلال مدينة الجزائر سنة 1830 موجات من التدمير والنهب، طالت خصوصًا وثائق إدارة الداي. ويعترف بول بواييه، المحافظ السابق لأرشيف الجزائر، في مقال نشرته " لاغازيت دي أرشيف" سنة 1960، بأن "عددًا ضئيلًا فقط من الوثائق نجا من حرائق الغزو"
لدينا شهادة ميدانية للرائد لخضر بورقعة، مؤلف كتاب "شاهد على اغتيال الثورة"، الذي يروي ما عاينه بأم عينيه في ميناء العاصمة خلال رحيل المعمرين والحركي، فقد تحوّل إلى فضاء لعمليات سرّية، حيث خُصّصت منطقة "حرّة" توسّعت من 1500 إلى 4500 م²، استُعملت لتهريب أسلحة إلى العاصمة، وبالمقابل شُحنت صناديق نحو فرنسا تضمّ أرشيفًا ووثائق سرّية وخرائط للموارد المائية والبنى التحتية، قبل أن تتدخل الولاية الرابعة وتوقف العملية.
ليس هذا فحسب، فقد عرفت الجزائر منذ احتلال مدينة الجزائر سنة 1830 موجات من التدمير والنهب، طالت خصوصًا وثائق إدارة الداي. ويعترف بول بواييه، المحافظ السابق لأرشيف الجزائر، في مقال نشرته " لاغازيت دي أرشيف" سنة 1960، بأن "عددًا ضئيلًا فقط من الوثائق نجا من حرائق الغزو".
كما أدى الهجوم على زمّالة الأمير عبد القادر إلى تدمير ونهب كمٍّ كبير من الوثائق، استولى بعض الضباط الفرنسيين على جزء منها. وقد أعيد نشر أحد هذه الوثائق سنة 1843 بعد ترجمته، تحت عنوان "أشعار عبد القادر وتنظيماته العسكرية"، وهو شاهد مباشر على ذلك النهب.
أما مرحلة الانتقال إلى الاستقلال، فقد تميزت بأربعة أحداث خطيرة، هي: عمليات الحرق والتدمير التي نفذتها منظمة الجيش السري، نقل السلطات الفرنسية جزءًا من الأرشيف، عمليات نهب وإتلاف غير منضبطة، إهمال الأرشيفات المتروكة في المؤسسات العمومية والخاصة.
في 7 جوان 1962، تسبب حريق متعمد لمنظمة الجيش السري الفرنسية في تدمير ثلثي مكتبة جامعة الجزائر. كما أُحرقت في 25 جوان 1962 سجلات مصلحة الرهون العقارية بسيدي بلعباس، حيث دُمِّرت كليًا الأرشيفات اللاحقة لسنة 1910.
اقرأ أيضًا: حوار| المُؤرّخ كريستوف لافاي: اتُهمت بخيانة فرنسا لكنّي مستمر في توثيق جرائمها بالجزائر
بخصوص إشارتك لوثائق إدارة الداي هل يحق لفرنسا الاحتفاظ بأرشيفات تعود إلى العهد العثماني أو إلى الثورة الجزائرية وجيش التحرير الوطني؟
من حيث المبدأ، لا تملك فرنسا أي حق قانوني في الاحتفاظ بالأرشيفات العثمانية السابقة لسنة 1830. فوفقًا لقواعد خلافة الدول في مجال الأرشيف، تعود هذه الوثائق إلى الدولة الخلف، أي الجزائر. ورغم ذلك، لا تزال سجلات عثمانية عديدة، لا سيما سجلات بيت المال والبايلك، محفوظة في فرنسا.
أما أرشيف الثورة الجزائرية وجيش التحرير الوطني، الذي استولت عليه القوات الفرنسية خلال العمليات العسكرية، فهو محفوظ أساسًا في الأرشيف الوطني لما وراء البحار وفي الأرشيف العسكري بفينسان.
وقد استُخدم جزء من هذه الوثائق في مؤلفات مرجعية، من بينها كتاب " جبهة التحرير وثائق وتاريخ" بإشراف المؤرخ محمد حربي وزميله جيلبير مينيي.
ما هي الأنواع المختلفة من الأرشيفات المحتفظ بها حاليًا في فرنسا؟
تُصنَّف الأرشيفات التي نُقلت من الجزائر والمحفوظة حاليًا في فرنسا، ولا سيما تلك الموجودة في مركز أرشيف ما وراء البحار بمدينة ايكس أون بروفانس، إلى نوعين،
أرشيفات السيادة: وتشمل أرشيفات الحكّام الولاة العامّين، أرشيفات دواوين المحافظات، ومختلف أجهزة الأمن، والأرشيفات العسكرية، ومحاكم القمع.
أرشيفات التسيير الإداري: وتشمل الإدارة العامة الأشغال العمومية، التعليم، المالية، الصحة وغيرها من القطاعات.
غير أن المديرية العامة للأرشيف الوطني الجزائري تطعن في هذا التصنيف وتعتبره تقسيمًا تعسفيًا، وتقدّم اقتراحًا أكثر واقعية وبنّاءً، يتمثل في جملة واحدة هي: " أعيدوا لنا أرشيفات التسيير التي تمثل 90٪ من مجموع الوثائق المنقولة، ولنتفاوض حول الباقي، أي 10٪ من الأرشيفات التي تصنفونها كأرشيفات سيادة".
عبد القادر هاني: تُعدّ أرشيفات عاصمة الأمير المتنقلة، "الزمالة"، من أبرز خسائر الذاكرة التاريخية الجزائرية. فقد شكّل سقوط الزمالة في 16 ماي 1843 ضربة قاصمة، إذ فقد الأمير كامل أرشيفه ومكتبته التي كانت تضم مخطوطات عربية نادرة تُقدَّر بنحو خمسة آلاف كتاب
أما الأرشيفات المتعلقة بالأمير عبد القادر والمحتفظ بها في فرنسا، فتضم، جميع المعاهدات التي أبرمها الأمير، والمراسلات، ووثائق رسمية إدارية، تتعلق بالعملة والمسكوكات والمدارس، وتعكس هذه الوثائق بنية دولة ما قبل الحداثة، وهي محفوظة في مصلحة التاريخ التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية الكائنة بقصر فانسان.
كما أن وثائق أخرى صودرت سنة 1843 خلال الاستيلاء على الزمالة من قبل دوق أومال، وهي محفوظة حاليًا في مكتبة قصر شانتيي، وهو القصر الذي أوصى به دوق أومال لصالح معهد فرنسا سنة 1886.
ماذا تحتوي خزانة وثائق الأمير عبد القادر على وجه التحديد؟
تُصنَّف أرشيفات الأمير عبد القادر ضمن ثلاث فئات كبرى، ترتبط كلٌّ منها بمرحلة من مراحل مسيرته السياسية والتاريخية. وتُعدّ المرحلة الأولى، الممتدة من سنة 1832 إلى 1847، الأهم من حيث كثافة الإنتاج الأرشيفي، إذ حاول الأمير خلالها، على مدى خمسة عشر عامًا، تشييد تنظيم دولتي متكامل بالتوازي مع قيادة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي. ولم يتح له خلال هذه الفترة سوى ما يزيد قليلًا عن أربع سنوات من السلم النسبي، استغلّها في وضع الأسس المؤسسية لدولته الناشئة.
ورغم قصر هذه المرحلة، نجح الأمير في إرساء تنظيم ترابي متدرّج، قسّم فيه البلاد إلى خليفات، ثم إلى أغاليك وقيادات، وصولًا إلى شيوخ الدواوير في أدنى السلم الإداري.
كما أنشأ جهازًا منظمًا لجباية الضرائب عُرف بـ"العُشور"، وأقام جيشًا نظاميًا، وهيكلًا دبلوماسيًا يضم مبعوثين وقناصل، فضلًا عن مؤسسات إدارية وعسكرية أخرى. وقد ولّدت هذه الأنشطة السياسية والدبلوماسية والعسكرية والإدارية كمًّا هائلًا من الوثائق الأرشيفية، غير أنّ معظمها تعرّض للتلف أو الضياع بفعل الحرب.
أما ما نجا منها، فقد تفرّق بين أيدي قادة عسكريين فرنسيين أو جامعي مخطوطات، قبل أن تُرصد بعض آثاره لاحقًا في فهارس عدد من مراكز الأرشيف الفرنسية.
اقرأ أيضًا: فرنسا تعتمد قانونًا لتسهيل استرجاع الممتلكات المنهوبة.. هل تُعيد مدفع بابا مرزوق؟
وتشير هذه الفهارس إلى وجود وثائق مهمّة متعلّقة بالأمير عبد القادر، ولا سيما مراسلاته. كما نشر الحاكم العام للجزائر مجموعة بعنوان "الوثائق غير المنشورة حول تاريخ الجزائر بعد 1830"، تضم مراسلات عدد من ولاة الجزائر وضباط فرنسيين سامين، تتخللها رسائل كثيرة كتبها الأمير أو وُجّهت إليه، ما يعكس مكانته السياسية والدبلوماسية في تلك المرحلة.
وتُعدّ أرشيفات عاصمة الأمير المتنقلة، "الزمالة"، من أبرز خسائر الذاكرة التاريخية الجزائرية. فقد شكّل سقوط الزمالة في 16 ماي 1843 ضربة قاصمة، إذ فقد الأمير كامل أرشيفه ومكتبته التي كانت تضم مخطوطات عربية نادرة تُقدَّر بنحو خمسة آلاف كتاب.
وقد عبّر الأمير بنفسه عن عمق هذه الخسارة بقوله: "كنت أنوي إنشاء مكتبة كبرى في تاقدمت، عاصمتي الدائمة، لكن الله لم يمهلني. فالكتب التي أردت أن تكون نواة هذه المكتبة كانت في زمّالتي حين استولى عليها ابن الملك، وكان من أشدّ آلامي أن أتابع رتلَكم وهو يعود إلى المدية، تاركًا وراءه أوراقًا ممزقة من كتب كلّفتني مشقة كبيرة في جمعها".
عبد القادر هاني:توجد أرشيفات أخرى متعلّقة بالأمير عبد القادر محفوظة بمطرانية الجزائر، وبمستشفى فال دو غراس العسكري الذي زاره الأمير سنة 1865، فضلًا عن مراسلات محفوظة في تركيا وبريطانيا
وتحتفظ أرشيفات ما وراء البحار الوطنية بإيكس آن بروفانس بجزء من المراسلات المصادَرة من الزمالة، والمؤرخة بين 1838 و1843، وتشمل رسائل موجّهة إلى الأمير عبد القادر، بنصوصها العربية وترجماتها وتحاليلها، من بينها مراسلات سلطان المغرب، ورسائل الطالب بن جلون وكيل الأمير لدى السلطان، ورسالة خليفة الزيبان محمد الصغير، ورسالة شارل غرافيني قنصل الأمير بالجزائر، إضافة إلى عقد اقتناء أراضٍ بتاقدمت، ورسالتين من نيكولا مانوتشي إلى قبطان سفينة"«سانتو سبيريتو"، ورسالة من ليون روش، وأخرى من الحاكم العام إلى وزير الحرب، فضلًا عن مذكرة وزارية. ويبلغ مجموع هذه الوثائق ثمانيًا وعشرين قطعة أرشيفية.
وتندرج ضمن الفئة الثانية من الأرشيف تلك المرتبطة بنقل الأمير عبد القادر إلى فرنسا سنة 1847، رفقة ستةٍ وتسعين شخصًا من مرافقيه، عقب نكث السلطات الفرنسية لعهودها.
وقد أفرز هذا الحدث مراسلات بالغة الأهمية، قامت المؤرخة أندريه بن سوسان باستخراج واحدٍ وستين رسالة منها، تعود للأمير وللعسكريين المكلّفين بحراسته، خلال فترة احتجازه في اللّازاريه ثم في حصني لامالغ ومالبوسكيه، بين ديسمبر 1848 ويناير 1849. وتكشف هذه الرسائل بوضوح أكاذيب الدولة الفرنسية، ووعودها غير المنفّذة، وتلاعباتها السياسية، فضلًا عن رهاناتها الجيوسياسية، كما تُظهر أن جمهوريي 1848، رغم خطابهم الإنساني، لم يكونوا أقل نفاقًا من النظام الملكي في تعاملهم مع الأمير وصورته التي استمرّت تُقدَّم بوصفه "مسلمًا متعصّبًا".
وإلى جانب ذلك، توجد أرشيفات أخرى متعلّقة بالأمير عبد القادر محفوظة بمطرانية الجزائر، وبمستشفى فال دو غراس العسكري الذي زاره الأمير سنة 1865، فضلًا عن مراسلات محفوظة في تركيا وبريطانيا.
ويُلفت الانتباه في هذا السياق أن بعض الوثائق الأرشيفية للأمير ألهمت الإدارة الاستعمارية الفرنسية في وضع نظامها الجبائي، إذ حافظت على نمط الجباية الذي أرساه الأمير في وهران، ثم عمّمته لاحقًا على ولايتي الجزائر وقسنطينة.
هل يمكن للجزائر تقديم حجية قانونية لتأسيس شرعية مطلب استرجاع هذا الكنز التاريخي؟
طبعًا، فأرشيف الأمير عبد القادر جزء لا يتجزأ من الذاكرة السيادية للدولة الجزائرية، وهو نتاج نشاط دولة قائمة الأركان مارست، بين 1832 و1847، وظائف الحكم كاملة: التنظيم الترابي، الجباية، القضاء، الجيش، والدبلوماسية. وعليه، فإن هذا الأرشيف يندرج ضمن أرشيفات السيادة التي لا تسقط شرعيتها بالتقادم ولا تُكتسب بالحيازة الناتجة عن الحرب أو الاحتلال.
أولًا، إن الجزء الأكبر من هذا الأرشيف ضاع أو صودِر في سياق عمليات عسكرية، أبرزها سقوط الزمالة سنة 1843، وهو ما يُصنَّف تاريخيًا وقانونيًا ضمن الاستيلاء القسري زمن النزاعات المسلحة. وقد أقرّ الأمير عبد القادر نفسه بأن مكتبته وأرشيفه نُهبا ودُمّرا، ما ينفي أي طابع قانوني أو تعاقدي لانتقال هذه الوثائق إلى الحيازة الفرنسية.
اقرأ أيضًا: نور الدين تونسي… البنّاء الذي أعاد تشييد دولة الأمير عبد القادر داخل بيته
ثانيًا، الوثائق المتبقية والمحفوظة اليوم في مراكز الأرشيف الفرنسية، ولا سيما بأرشيفات ما وراء البحار في إيكس أون بروفانس، تشمل مراسلات رسمية، عقود ملكية، ووثائق إدارية وعسكرية، وهي بطبيعتها وثائق دولة جزائرية سابقة، لا مجرد أوراق شخصية.
ووفق المبادئ الدولية المعمول بها في قضايا الأرشيفات الاستعمارية، فإن أرشيف الدولة المحتلّة يعود إلى الإقليم والشعب الذي أُنتج فيه.
ثالثًا، تُظهر مراسلات نقل الأمير إلى فرنسا سنة 1847، وما تلاها من احتجاز تعسفي، أن الدولة الفرنسية نفسها تعاملت مع الأمير بوصفه فاعلًا سياسيًا دولتيًا، وعقدت معه معاهدات، ولا مجرد زعيم محلي، وهو ما يعزّز الطابع السيادي للأرشيف الناتج عن تلك المرحلة، ويقوّي مشروعية المطالبة باسترجاعه كاملًا.
رابعًا، إن اعتراف الإدارة الاستعمارية الفرنسية باستلهام نظام الجباية الذي وضعه الأمير، واعتمادها له في وهران ثم تعميمه على ولايتي الجزائر وقسنطينة، يُعدّ دليلًا إضافيًا على القيمة المؤسسية لهذا الأرشيف، وعلى كونه مرجعًا تأسيسيًا في تاريخ الدولة الجزائرية الحديثة.
خامسًا، إن تشتّت هذا الأرشيف بين فرنسا وتركيا وبريطانيا، ووجود أجزاء منه لدى مؤسسات دينية أو عسكرية، لا ينفي وحدته التاريخية، بل يكرّس ضرورة تجميعه واسترجاعه في إطار مقاربة شاملة للعدالة التاريخية وجبر الضرر المعنوي المرتبط بالذاكرة الاستعمارية.
عبد القادر هاني: الوثائق المتبقية والمحفوظة اليوم في مراكز الأرشيف الفرنسية، ولا سيما بأرشيفات ما وراء البحار في إيكس أون بروفانس، تشمل مراسلات رسمية، عقود ملكية، ووثائق إدارية وعسكرية، وهي بطبيعتها وثائق دولة جزائرية سابقة، لا مجرد أوراق شخصية
وبناءً على ما سبق، فإن استرجاع أرشيف دولة الأمير عبد القادر لا يُعدّ مطلبًا ثقافيًا أو رمزيًا فحسب، بل هو حق سيادي مشروع، يستند إلى التاريخ، والقانون الدولي، ومبادئ الإنصاف، ويُشكّل خطوة أساسية في مسار استعادة الذاكرة الوطنية الجزائرية.
يظل ملف التجارب النووية موضوعًا خلافيًا بين الجزائر وفرنسا، هل ينبغي تطوير مطالب جزائرية من أجل الوصول إلى أرشيفات التجارب النووية؟
يُعدّ ملف التجارب النووية من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لفرنسا، إذ تخشى أن يؤدي فتح هذه الأرشيفات إلى تكاثر المتابعات القضائية، والمطالبات الواسعة بالتعويض،وذلك بتهمة "الجرائم ضد البيئة" والأضرار الصحية التي لحقت بالضحايا.
ولا تزال الأرشيفات المتعلقة بالتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (1960–1966) غير قابلة للاطلاع إلى اليوم، بحجة خضوعها لـ سرّية الدفاع. وترى الدولة الفرنسية أن الكشف عن هذه الوثائق قد يؤدي إلى إفشاء معلومات تقنية ويساهم في انتشار الأسلحة النووية من خلال كشف أسرار تتعلق بصناعة أو تصميم الأسلحة.
من جهتها، تطالب الجزائر على الأقل بالخرائط الطبوغرافية التي تحدد مواقع دفن النفايات النووية، وخرائط المناطق الملوّثة إشعاعيا إذ إن غياب هذه الأرشيفات يجعل من المستحيل تنفيذ عملية تطهير فعّالة للصحراء والتكفل الطبي السليم بضحايا التجارب النووية.
ومع ذلك، لا تزال الدولة الفرنسية ترفض تسليم المعلومات الضرورية لتطهير مساحات شاسعة من الصحراء الجزائرية ولمعالجة ضحايا التفجيرات النووية.
فيما تكمن العوائق المساهمة في نزاع الأرشيف بين البلدين وهل يمكن الاحتكام للقانون الدولي؟
أدّى نقل الأرشيفات إلى إعاقة الإدارة الجزائرية الفتية، وأنتج نزاعًا أرشيفيًا بين الجزائر وفرنسا منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. واستندت الجزائر في مطالبها إلى مبدئي الإقليمية والسيادة بأثر رجعي المعترف بهما في القانون الدولي.
ورغم إبرام اتفاقات جزئية أفضت إلى استرجاع بعض الوثائق في سنوات 1967 و1975 و1981، فإن جوهر الإشكال لا يزال قائمًا، لا سيما في ظل معارضة جمعيات الأقدام السوداء داخل فرنسا.
ويؤكد الفقه الدولي أن على الدولة المستعمِرة أن تُعيد للدولة المستقلة الأرشيفات السابقة للفترة الاستعمارية والوثائق الضرورية لضمان استمرارية الإدارة وحماية حقوق السكان، مثل السجلات العقارية، المدنية، والإحصائية وقد فُرض هذا المبدأ نفسه على فرنسا عقب هزيمتها أمام بروسيا سنة 1871 بموجب معاهدة فرانكفورت.
اقرأ أيضًا: ألغام فرنسا في الجزائر.. حربٌ لم تنتهِ بعد
علاوةً على ذلك يجب تشجيع سبل التفاوض والحوار بين البلدين، أظن أن مد جسر مثل الذي عبرت عنه المرشحة السابقة للرئاسيات الفرنسية سيغولين روايال، غداة زيارتها للجزائر قبل أيام، حينما أكدت أنه يمكن تسليم الجزائر أغراض الأمير عبد القادر، يمكن أن يكون تصريحًا مرجعيًا لتصور أفضل لمعالجة الموضوع في أطر سياسية شاملة ذلك أن الإرادة السياسية غالبًا ما تكون مهمازًا يساعد على تطبيق القانون الدولي في مناخ غير عدائي، أي عبر الوفاق لا الخصومة.
الكلمات المفتاحية
مشروع قانون الأحزاب في الجزائر.. سحب مقترح منع رفع أي علم إلى جانب العلم الوطني
عاد مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية إلى واجهة النقاش داخل المجلس الشعبي الوطني، بعد أن عرضت لجنة الشؤون القانونية والإدارية وحقوق الإنسان والحريات تقريرها التكميلي المتضمن دراسة التعديلات التي تقدم بها عدد من النواب خلال المناقشة العامة التي جرت في جلسة 23 فيفري الفارط.
تعديلات في مشروع قانون الأحزاب في الجزائر.. منع استخدام أي راية مع العلم الوطني
تمثل الوحدة الوطنية مسألةً مفصليةً في النقاش السياسي حول التعديلات المقترحة على مشروع القانون العضوي حول الأحزاب السياسية في الجزائر، خاصة في علاقة بمنع الأحزاب من رفع أعلام مع الراية الوطنية، ولكنها في الوقت ذاته قد تثير جدلًا أعمق حول التعددية الهوياتية وحرية التعبير.
مشروع قانون التنظيم الإقليمي الجديد.. إصلاح تنموي أم إعادة رسم للخريطة الإدارية؟
بعد رفع عدد الولايات الجزائر إلى 58 ولاية سنة 2020، تتجه الحكومة إلى رفع عدد ولايات الجزائر إلى 69 ولاية، عبر مشروع قانون التنظيم الاقليمي يقضي بترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات، في إطار تعزيز اللامركزية وتقريب الإدارة من المواطن.
حوار|رئيس الكتلة البرلمانية لـ "حمس" العيد بوكراف: الجزائر بحاجة إلى آليات لمنع تشويه الساحة السياسية بالمال الفاسد
في إطار مناقشة مسودة قانون الأحزاب السياسية في الغرفة السفلى للبرلمان، يتطرق رئيس المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم النائب العيد بوكراف، عن نصوص المشروع كخطوة ترمي إلى تنظيم الحياة السياسية في الجزائر، فضلا عن تداعيات هذا القانون على البيئة السياسية في الجزائر.
طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مُرتقبة اليوم في عدة ولايات
أفادت مصالح الأرصاد الجوية، بتساقط أمطار غزيرة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مصحوبة أحيانًا بحبات البرد، تشمل عدداً من ولايات الوطن.
حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما
يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.
هذا موعد انطلاق أول رحلة للحجاج الجزائريين
كشف، المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، طاهر برايك أنّ أول رحلة للحجاج لموسم 2026، ستنطلق يوم 29 أبريل/نيسان المقبل من مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة نحو البقاع المقدسة.