عجز يفوق 50 بالمائة.. ماذا ينتظر قانون المالية 2027؟
10 سبتمبر 2026
تَتجه الجزائر نحو سنة مالية 2027 مثقلة بتحديات مالية معقدة، في وقت يواصل فيه الإنفاق العمومي منحاه التصاعدي. فبعد أن ارتفعت النفقات العمومية من 113 مليار دولار سنة 2024 إلى 128 مليار دولار سنة 2025، ثم إلى نحو 135 مليار دولار (17.636,7 مليار دينار) في السنة الجارية 2026، تشير المعطيات الأولية لمشروع قانون المالية 2027 إلى استمرار مسار تنامي النفقات العمومية.
مما يفاقم ضغوط السنة المالية المقبلة، ارتفاع الدين العمومي إلى نحو 48,5% من الناتج المحلي الإجمالي مند سنة 2024، مدفوعًا باللجوء المتزايد إلى موارد صندوق ضبط الإيرادات لتمويل جزء كبير من العجز، وسط تساؤلات حول استدامة هذا التمويل مع تراجع احتياطي الصندوق
وفي المقابل، تبقى الإيرادات المتوقعة أدنى بكثير من حجم هذه النفقات، ما يضع تقليص عجز الخزينة في صدارة أولويات الحكومة، بعدما سجّلت موازنة 2026 عجزًا ماليًا قُدّر بنحو 40 مليار دولار، أي ما يعادل 12,4% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما على صعيد التضخم، فتراهن الحكومة على تثبيته عند مستوى 5,3%، وهو السقف المستهدف لسنتي 2026 و2027 معًا، مستفيدة من تراجع طفيف سُجّل في أكتوبر 2025 إلى 4,9%، لأول مرة منذ 2021 دون عتبة الـ 5%.
ومما يفاقم ضغوط السنة المالية المقبلة، ارتفاع الدين العمومي إلى نحو 48,5% من الناتج المحلي الإجمالي مند سنة 2024، مدفوعًا باللجوء المتزايد إلى موارد صندوق ضبط الإيرادات لتمويل جزء كبير من العجز، وسط تساؤلات حول استدامة هذا التمويل مع تراجع احتياطي الصندوق.
وفي ظل هذه المعطيات، يُتوقع أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي 4,4% سنة 2027، مقابل 4,1% سنة 2026، مدفوعًا بأداء القطاعات خارج المحروقات، لا سيما الفلاحة والصناعة والخدمات، في اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على التوفيق بين النمو والانضباط المالي.
ضبط ميزانياتي داعم للنمو
وفي قراءة استشرافية لتوجهات مشروع قانون المالية لسنة 2027، أكد البروفيسور عبد القادر بريش أن المشروع يأتي في ظرف دولي يتسم بارتفاع منسوب عدم اليقين، بفعل التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الصرف والطاقة، وهو ما يفرض بحسب المتحدث اعتماد مقاربة أكثر حذرًا ومرونة في إعداد الميزانية.
عبد القادر بريش:الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلية يمثل أحد المرتكزات الأساسية للقانون، بما يشمل التحكم في التضخم والتوازنات الخارجية وضبط مسار العجز والدين الداخلي
كما شدد النائب السابق في حديث لـ"الترا جزائر" على أن الحذر الميزانياتي المطلوب في تصميم ميزانية 2027 ليس توجهًا نحو التقشف، بل آلية للحفاظ على هوامش أمان مالية تمكّن الدولة من مواجهة الصدمات الخارجية دون المساس باستقرار المالية العمومية.
نمو يفوق 4% كهدف استراتيجي
وأوضح العضو السابق في لجنة المالية والميزانية في البرلمان، أن قانون المالية 2027 مطالب في المقابل بالحفاظ على ديناميكية الاقتصاد المنتج واستهداف معدل نمو يفوق 4%، عبر مواصلة تنويع الاقتصاد ورفع الصادرات خارج المحروقات وتعزيز الاستثمار الوطني والأجنبي، معتبرًا أن التحدي الأساسي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالي ودعم النمو والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة.
من ميزانية الوسائل إلى ميزانية الأداء
كما دعا البروفيسور بريش إلى التطبيق الفعلي لمبادئ القانون العضوي 18-15 المتعلق بقوانين المالية، عبر الانتقال من منطق الاعتمادات إلى ميزانية قائمة على البرامج والأهداف والنتائج، مشددًا على أن الانضباط الميزانياتي لا يعني خفض النفقات آليًا، بل التحكم في تطورها وربطها بالأولويات. وقال إن المالية العمومية ينبغي أن تنتقل من سؤال "كم أنفقنا؟" إلى سؤال "ماذا حققنا مقابل ما أنفقناه؟".
واعتبر محدثنا أن الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلية يمثل أحد المرتكزات الأساسية للقانون، بما يشمل التحكم في التضخم والتوازنات الخارجية وضبط مسار العجز والدين الداخلي، داعيًا إلى معالجة العجز ضمن مسار تدريجي وواقعي يندرج في إطار مالي متوسط المدى، بدل الإجراءات المحاسبية القصيرة الأجل.
كما نوَه إلى أن الاستثمار العمومي يبقى أداة رئيسية لدعم النمو، مع أهمية خاصة لمشاريع النقل والسكك الحديدية وشبكات الربط، شرط إخضاع أي مشاريع جديدة لتقييم أكثر صرامة لجدواها الاقتصادية والمالية، حتى لا تتحول إلى عبء إضافي على المالية العمومية.
الإصلاح الجبائي: توسيع الوعاء لا رفع المعدلات
ودعا في السياق نفسه إلى تعزيز الإيرادات العادية عبر توسيع الوعاء الجبائي وتحسين التحصيل ومكافحة التهرب الضريبي وإدماج النشاط غير الرسمي، رافضًا الاعتماد على رفع المعدلات الضريبية، مناشدا إلى نظام ضريبي أكثر مرونة وبساطة، وربط الحوافز الجبائية بالأثر الاقتصادي الفعلي على الإنتاج والتصدير والتشغيل.
علاوة على ذلك، جدد المتحدث التأكيد على ضرورة أن يحافظ قانون المالية على الطابع الاجتماعي للدولة من خلال حماية القدرة الشرائية وتمويل الصحة والتعليم والسكن، مستطرد ربط استدامة هذا الدور برفع كفاءة الإنفاق الاجتماعي والحد من الهدر، معتبرًا أن العدالة الاجتماعية تُقاس بفعالية الموارد لا بحجمها فقط.
كما أبرز النائب البرلماني السابق أن الرقمنة يجب ألا تقتصر على تحويل الإجراءات الورقية إلكترونيًا، بل بناء منظومة مالية قائمة على البيانات تخدم ميزانية البرامج والأداء وتتيح تقييم كفاءة الإنفاق العمومي.
نموذج جديد لإدارة المالية العمومية
وخلص البروفيسور بريش بالتأكيد إن نجاح قانون المالية 2027 لا يُقاس فقط بمدى التحكم في العجز أو حجم النفقات، بل بقدرته على الجمع بين الاستقرار المالي والنمو والاستثمار والحماية الاجتماعية، داعيًا إلى بناء إطار مالي متوسط المدى يضبط مسار العجز والدين الداخلي ضمن مستويات مستدامة، مع توفير الهوامش اللازمة لتمويل النمو وحماية الفئات الاجتماعية.
مطالب بربط العجز بالاستثمار المنتج لا بإدارة التوازن السنوي
وفي قراءة أولية لتوجهات قانون المالية لسنة 2027، اعتبر البروفيسور نصر الدين ساري في تصريح لـ"الترا جزائر" أن الأولوية في هذه المرحلة تكمن في الحفاظ على الديناميكية الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الجزائر، إلى جانب معالجة الاختلالات الهيكلية في الموازنة وتعزيز كفاءة إدارة الموارد العمومية، واستباق التحديات المرتبطة بالتمويل والتوازنات المالية.
وأشار أمين عام المركز الجزائري للدراسات الاقتصادية، إلى أن الاقتصاد الوطني أظهر قدرة معتبرة على تحقيق النمو خارج قطاع المحروقات.
وأضاف أن استمرار مستويات العجز المرتفعة يفرض الانتقال التدريجي نحو إدارة أكثر استدامة للمالية العمومية، مذكّرًا بأن قانون المالية لسنة 2026 سجّل عجزًا فاق 50%، وهو ما تؤكده كذلك معطيات صندوق النقد الدولي بخصوص العجز المالي وارتفاع الدين العمومي. واعتبر أن تحسين كفاءة الإنفاق وتوسيع الإيرادات غير النفطية يمثلان أبرز رهانات المرحلة المقبلة.
جودة الإنفاق قبل حجمه
كما دعا الباحث الاقتصادي، قانون المالية 2027 إلى إعطاء الأولوية لجودة الإنفاق وليس فقط للكفاءة المالية وكفاءة تنفيذ المشاريع العمومية. وأوضح أن الاستثمار العمومي يظل ضروريًا لدعم النمو ورفع القدرة الإنتاجية، غير أن الأولوية ينبغي أن تُمنح للمشاريع ذات الأثر الاقتصادي الواضح، خصوصًا تلك التي ترفع الإنتاج المحلي، وتخلق القيمة المضافة ومناصب الشغل، وتقلّص فاتورة الاستيراد.
نصر الدين ساري: السياسة النقدية تحتاج في المرحلة المقبلة إلى تنسيق أكبر مع السياسة المالية، خصوصًا في ظل ارتفاع احتياجات التمويل
واعتبر محدثنا أن توسيع الإيرادات خارج المحروقات يجب أن يعتمد أساسًا على توسيع الوعاء الجبائي ومكافحة التهرب الضريبي، مع ضرورة إدماج النشاط غير الرسمي للسوق الموازية وتسريع الرقمنة الجبائية، بما يسمح بزيادة الموارد دون خلق ضغط إضافي على المؤسسات والأسر.
وأضاف أن تحسين استهداف الدعم عبر قواعد بيانات اجتماعية دقيقة من شأنه أن يرفع فعالية الإنفاق، مع الحفاظ في الوقت ذاته على البعد الاجتماعي للسياسة الاقتصادية.
دعوة إلى تنسيق أكبر بين السياستين النقدية والمالية
كما شدد المتحدث على أن السياسة النقدية تحتاج في المرحلة المقبلة إلى تنسيق أكبر مع السياسة المالية، خصوصًا في ظل ارتفاع احتياجات التمويل، محذرًا من أن استمرار العجز لفترة طويلة قد يزيد الضغط على موارد التمويل المحلية ويؤثر في قدرة البنوك على توجيه الائتمان نحو الاستثمار الخاص. ودعا إلى تنويع أدوات تمويل الخزينة وتطوير السوق المالية، بالتوازي مع الحفاظ على استقرار الأسعار والسيولة.
الرهان الحقيقي: عجز مرتبط بالنمو المستقبلي
وختم الباحث نصر الدين ساري بإن الرهان الحقيقي في 2027 يكمن في بناء مسار متوسط المدى يجعل العجز أكثر ارتباطًا بالاستثمار المنتج والنمو المستقبلي، مع وضع إطار واضح لإدارة الدين والتمويل.
وأكد أن الجزائر تملك هوامش مناورة جيدة، لكن استدامة هذه الهوامش تستلزم أن يصبح كل دينار من الإنفاق العمومي مرتبطًا بنتائج اقتصادية قابلة للقياس، وأن تنتقل السياسة المالية تدريجيًا من مجرد إدارة التوازن المالي السنوي إلى بناء استدامة مالية تدعم النمو وتحافظ على المكتسبات الاجتماعية.
الكلمات المفتاحية
حوار | وفرة وغلاء في الأسعار.. خليل بن عبيد يشرح لـ"الترا جزائر" اختلال سوق الخضر والفواكه
وللوقوف على حقيقة ما يجري، يقدّم القيادي والأمين العام في حزب جيل جديد أستاذ خليل بن عبيد، في حوار لـ «الترا جزائر»، قراءته لأسباب ارتفاع الأسعار ومسبباتها، موضحًا أين تبدأ الأزمة، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما الذي يمكن فعله لإعادة التوازن إلى السوق.
أكبر مستوردي النفط الجزائري في 2026.. من يتصدر القائمة؟
تصدرت إسبانيا قائمة أكبر الدول المستوردة للنفط الخام الجزائري المنقول بحرًا خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بمتوسط 64 ألف برميل يوميًا، فيما قفزت كوريا الجنوبية إلى المركز الثاني بعد ارتفاع وارداتها من الخام الجزائري بنسبة 77 بالمائة على أساس سنوي.
مشروع قانون المالية 2027 في 11 نقطة.. تفاصيل الأجور والتوظيف ومشاريع السكن
يقترح مشروع قانون المالية تعديل نظام الضريبة على الثروة، من خلال خفض عتبة الخضوع لها من 100 مليون دينار إلى 80 مليون دينار، إلى جانب مراجعة السلم التدريجي للضريبة.
الجزائر.. أمطار رعدية ورياح تصل إلى 50 كلم/سا بهذه المناطق
تُرتقب أجواء غائمة مع تساقط أمطار على شكل زخات رعدية بعدد من المناطق الداخلية والهضاب العليا، تكون معتبرة بالهضاب العليا الغربية، فيما يُنتظر تسجيل تشكّل خلايا رعدية مصحوبة بأمطار في عدة مناطق جنوبية، حسب توقعات الحالة الجوية.
حرائق جيجل.. 40 مليون سنتيم لكل عائلة لاستئجار مسكن مؤقت
تستفيد العائلات المتضررة من حرائق جيجل، التي صُنفت سكناتها ضمن الخانة الحمراء، من إعانة مالية بقيمة 40 مليون سنتيم لكل عائلة، للمساعدة على استئجار مسكن مؤقت إلى غاية إعادة بناء منازلها، بالتزامن مع إبرام اتفاقية لتمويل إعادة بناء 627 سكنًا متضررًا.
محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟
في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.
أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي
تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.