فيروس كورونا.. اهتمام إعلامي بالبيئة والصحّة في الجزائر

فيروس كورونا.. اهتمام إعلامي بالبيئة والصحّة في الجزائر

الإعلام الجزائر تعاطى باستسهال مع انتشار فيروس كورونا (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

بدأت أخبار قضايا البيئة والصّحة المستجدة محليًا ودوليًا، تُلقي بضلالها على مقدّمة نشرات الأخبار في الإعلام الجزائري عمومًا، وفي قنوات تلفزيونية خاصّة، تزامنًا مع  التطوّرات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، وأيضًا المرتبِطة منها بالتّغييرات المناخية وتأثيراتها وغيرها من الأوبئة التي باتت تشكّل هاجسًا مركزيًا للحكومات، ومادّة دسمة للإعلام.

 كانت هناك ملامح لاستسهال موضوع وباء كورونا في الجزائر، ظهر جليًا في طريقة التناول الإعلامي في حدّ ذاته

مع انتشار فيروس كورونا في عدد من الدول في العالم، لم تكن الجزائر في منأى من هذا الخطر المحدق بالبشر، وهو ما دفع إلى دحرجة الأخبار السياسية تدريجيًا من أولويات الأجندة الإخبارية لدى وسائل الإعلام، رغم التعاطي الباهت في البداية واللامبالاة من المواطن باعتباره المتلقي الأول لتلك المواد الإعلامية أولا، والمتضرر الحقيقي في هذه الدوامة المّتصلة بالصحة العمومية وبأرواح البشر ثانيًا.

اقرأ/ي أيضًا: تمدّد كورونا جغرافيًا.. ما هي فرص احتواء الفيروس في المرحلة الثالثة؟

في الواقع، كانت هناك ملامح لاستسهال موضوع وباء كورونا في الجزائر، ظهر جليًا في طريقة التناول الإعلامي في حدّ ذاته، إذ بدأت المخاوف تظهر من خلال ما يأتينا من أخبار عالمية، في مقابل تضارب في الآراء حيال صدقية "خطورة الوضع على الجزائر"، في بداية مرحلة تسجيل الحالات الأولى، رغم الأخبار الوافدة عبر القنوات العالمية عقب إصابة الآلاف في مدينة يوهان الصينية، لتتفاقم الوضعية مع انتشار الفيروس في دول أوروبية يتمركز فيها المغتربون الجزائريون، وتعطل فضاءات السفر من ملاحة جوّية وبحرية وبرية أيضًا.

تسيير أزمة في قاعات التحرير

تفاقمت الأوضاع حيال تطور الإصابات بالفيروس، مع تسجيل حالات وفيات في الجزائر، والأرقام الوافدة من الخارج والتي بلغت الآلاف، مع إعلان أرقام الحجر الصحّي لمدن وتوقيف النقل عبر عديد الدول، وتحصين الدول لمواطنيها، تصاعد في الأخبار السلبية أثبت أن هناك شرخًا كبيرًا في طريقة تناول المعلومة الوبائية، وكيفية التّعاطي مع الأوبئة من الناحية الإعلامية في الجزائر، وحتى في تسيير الأزمة داخل المؤسّسات الإعلامية، مثلما صرح الكثيرون من مهنيي القطاع، إذ اتفق البعض على طرح سؤال جوهري: هل الصحافة الجزائرية مؤهّلة لهذه المرحلة من حالة الفوضى في نشر الأخبار حول الإصابات وتنامي الإشاعات في الفضاء الافتراضي، الفيسبوك أنموذجا؟"، إذ يتضح جليا أن المؤسسات الإعلامية، تتعامل مع المستجدات بعقل الحاضر، أو ما يوصف إعلاميا بــــ" الخبز الطازج" وليس الاستباق الإعلامي أو الترقّب أو الاستشراف الإعلامي المواكبة للتخطيط في بناء أجندة الأخبار المتوقعة.

ذلك يعكس أيضًا من جانب مؤسّساتي في علاقة بين الإعلام والأجهزة المكلفة بتسيير الأزمة، ويتعلق أساسًا بأجهزة الدولة (رئاسة وحكومة)، نحو وزارات الصحة والبيئة، وعلاقات العمل في الإدارات، وقطاع النقل والارتباك الواضح في المؤسّسات الحكومية المكلفة بتسيير الملفات الصحيّة والمرتبطة بالكوارث والأوبئة، ترجمته التصريحات" اللامسؤولة" لعدد من الوزراء ، بحسب تصريح الخبير في البيئة والمخاطر الكبرى الأستاذ عبد العالي فلّاق، لافتا إلى أن الدولة كحكومة ومؤسسات " كانت مطالبة أن تتخذ إجراءات استباقية منذ كشف الحالات في الصين لأننا بلد مستورد من الصين، موضحا ل" الترا جزائر" أن هذه الملفات تحتاج إلى خبراء في مجال تسيير الأزمات وإدارتها، بالتنسيق مع المكلفين بالصحة العمومية والنقل، ولواحقهم في البلديات".

ذهب البعض بعيدًا في التعليق على فترة التغطية الإعلامية لانتشار وباء كورونا، منها أن السلطة في الجزائر لم تتمكّن من احتواء الاتصال المؤسّساتي وتقدير مخاطر "الدفع نحو الفوضى الإعلامية، وتدفق معلومات مغلوطة فضلًا عن عدم تقديم توضيحات شافية وكافية للرأي العام".

فرصة للإعلام وخطوات للوراء

خلال الظروف الإنسانية، سبق للجزائر أن عاشت عديد المرّات مشاكل بيئية صحيّة لكنّها لم تكن بنفس الحجم والوتيرة، كانتشار مرض الطاعون في منطقة الكحايلية بولاية مستغانم غربي البلاد في سنة 2005، وهي بؤرة تمكنت الجهات الصحيّة من تطويقها، وقتذاك، ثم قضية الكوليرا في دوار سيدي الكبير بمنطقة حمر العين بولاية تيبازة سنة 2018، فضلًا عن الكوارث الطبيعية التي عرفتها الجزائر كفيضانات باب الوادي بالعاصمة في العام 2001، وزلزال ولايتي بومرداس والعاصمة الجزائرية في أيار/ماي 2003، وهي قضايا فارقة يواجهها الإعلام، ومحطات كبرى وجب التوقف عندها، إذ امتحنت الصحافيين في تلقّي المعلومة ونشرها، وطريقة التعاطي معها ومعالجتها مهنيًا، وإنسانيًا أيضًا من باب المسؤولية التي تحتّم على الكوادر الإعلامية، التعامل معها بـ "حذر"، غير أن الفارق الوحيد اليوم في سنة 2020، هو مواقع التواصل الاجتماعي التي ضاعفت من حجم التدفق المعلوماتي والاعتماد على أسلوب التهكم تارة والمشهدية في تضخيم بعض الأسباب التي بنيت على نظرية المؤامرة تارة أخرى، تتخلّلها مختلف تفاصيل تتعلق بوباء كورونا، فهل قاعات التحرير في المؤسّسات الإعلامية، تعتمد لتخطيط استباقي؟

حقيقة مُرّة ولكن

الظاهر جليًا، اجتهاد القنوات وقاعات التحرير بإجماع كبير من المهنيين في حديثهم لـ "الترا جزائر"، في مواكبة المعلومة والتعامل معها كما هي، في مقابل اعتراف من الصحافيين بافتقار المؤسّسات الإعلامية إلى فريق يتكفّل بإدارة أزمة مستجدّة، أو طارئة متعلقة بقضية حسّاسة كالأوبئة الخطيرة، مثلما جاء على لسان الإعلامية وهيبة سعدي، موضّحة بالقول أن واقع الحال في الجزائر، ضرورة إفرادِ مشرفين عن الرّؤية المستقبلية للأحداث المتوقّعة، المبينة على البيانات، والأرقام والخارطة صحّية للجزائر، فضلًا عن الاستئناس دوما بمختصّين في المجال.

كما ذكرت الإعلامية لـ "الترا جزائر"، أن الإشراف عن هذه الدوائر أو الغرف المتخصّصة في إعلام الأخبار الصحية والبيئية والوبائية، معناه" التحضير لمخططات داخل أقسام المؤسّسات للتعامل مع هكذا ظروف طارئة، وتسخير الضالعين في المجال، من متكوّنين في المجال إعلاميًا وطبيًا، وبيولوجيًا أيضًا".

ويتفق مع هذا الرأي، المختصّ في مجال الاتصال البيئي، الباحث محمد بوسنة الذي قال في حديث إلى "الترا جزائر"، أن مختلف المؤسّسات الإعلامية، نادرًا ما تنظّم دورات متخصصة لتكوين الإعلاميين من كادر صحافي، أو تموّل دورات لتأهيل الكادر البشري في غرف الأخبار، للتّعاطي مع  مواضيع البيئة والتغيير المناخي.

اللافت أن هذه التخصّصات العلمية، موجودة كمقاييس أو مواد تكوينية في عدد من الكليات الإعلامية في الجزائر، غير أنّه "ظل حبيس الأقسام من جوانب نظرية"، موضحًا أنه في الميدان لازال بعيدًا كلّ البعد عن توظيف التكوين والخلفية الأكاديمية بالاهتمام اليومي في المؤسسات الإعلامية، كما دعا إلى تمكين المتخرجين في المجال، من التوظيف في المؤسّسات الإعلامية ومؤسسات الدّولة على اختلاف أجهزتها ذات الاختصاص، على مستوى واحد.

مهنيًا، أكدت الأستاذة في علم الاتصال سهيلة بن عطية أن بعض الصحف والقنوات كانت لديها مساحات أو برامج تُعنى بالبيئة والصحّة، لكنها لم تكن تأخذ الأهمية بالقدر من الموضوعات الأخرى، كالسياسة وأخبار المحليات والفنّ والرياضة، بدليل أنها مهملة في الصحف أو برامج تبث في غير أوقات الذروة في القنوات "سياسة ملء الفراغ"، كما قالت لـ" الترا جزائر"، في مقابل ذلك، تحظى بعض البرامج الفنية والرياضية والسياسية باهتمام المؤسسات وتضعها في قمة هرم أولويات المادة الإعلامية المعروضة للجمهور.

الأزمة.. فطنة إعلامية

الثابت، أن الإعلام لم يكن محضرًا بالشكل اللازم لمثل هذا التحوّل في أولويات المواضيع والقضايا، إذ يطرح استفهامًا كبيرًا: هل الصحافيون في الجزائر على قدر كاف من التأهيل للتعامل مع هذه المواضيع، سواءً علي صعيد الإحاطة بها وبمفاهيمها والتسميات والبيانات المرتبطة بها وتداخلها مع قضايا السياسات العامة؟ فضلًا عن تناسقها الوثيق في ربط البعد الإخباري بالبعد التوعوي والمجتمعي.

يعترف كثير من الصحافيين بافتقار المؤسّسات الإعلامية إلى فريق يتكفّل بإدارة أزمة مستجدّة

أما المتغيّر حاليًا، هو أيضًا يجاري تطروات الأزمة البيئية، وتصاعد مخيف في الفيروس عالميًا وفي الجزائر أيضًا، فكيف يمكن أن تتعامل هذه المواضيع ذات الأولوية مع اقتصاد الإعلام في علاقة بالإشهار والخدمة العمومية؟ وهنا يمكننا أن نطرح بدائل في الإعلانات المتعلقة بالتوعية وفتح ما يسمّى محليًا في وسائل الإعلام الجزائرية بـ "بلاطوهات صحية وطبية لتوعية المواطنين" يشرف عليها كوادر متخصّصون، وهو الرأي الذي بات ضروريًا في هذه الأزمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجزائر في المرحلة الثالثة من تفشي كورونا.. ماذا بعد؟

فيروس كورونا.. إجلاء آخر رعية جزائري عالق بالصين