كرسي رئيس الغرفة الثانية للبرلمان.. نقاش يتجاوز حدود المنصب
1 أغسطس 2026
بالتوازي مع الخطاب السياسي بالجزائر الداعم لتعزيز مشاركة المرأة في مواقع المسؤولية؛ انتُخبت النائب خليدة بوفدش رئيسة للمجلس الشعبي الوطني لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان منذ الاستقلال.
من بين الأسئلة التي طرحت حول هذا النقاش: أين يقف رئيس المجلس الشعبي الوطني داخل هرم الدولة؟
يُمثل انتخاب الطبيبة خليدة بوفدش تحولا مهما على الصعيد السياسي في الجزائر، حيث أحدث حزمة من النقاشات ذات أبعاد مختلفة، كما أثار ضجيجًا واسعًا في الفضاء العام، اختلفت فيه القراءات القانونية بالمواقف السياسية وتداخلت معه الاعتبارات الجندرية.
ضجيج حول المنصب الدستوري
خلف هذا الجدل اعتبر البعض ذلك حدثًا تاريخيًا يعكس تطور حضور المرأة في مؤسسات الدولة، ومن ركز على طبيعة المنصب وحدود صلاحياته في الترتيب العام لمناصب الدولة داخل النظام الدستوري الجزائري، دون أن نغفل ذلك النقاش الذي انتقل من الفضاء النيابي إلى هامش آخر يحمل البعد الرمزي المرتبط بوصول امرأة إلى رئاسة الغرفة الثانية للبرلمان الجزائري.
وبالقرب من دائرة الفاعل السياسي والعوامل المرافقة له؛ تم انتخاب النائب عن حزب جبهة التحرير الوطني خليدة بوفدش رئيسة للمجلس الشعبي الوطني، بـ 302 صوتا من أصل 366 صوتًا خلال جلسة انتخاب جرت بالاقتراع السري، وهو الأمر الذي أحدث ضجيجًا بطرح عدة تساؤلات في علاقة بالقيمة الدستورية لهذا المنصب وموقعه ضمن هرم المنظومة الحاكمة.
من بين الأسئلة التي طرحت حول هذا النقاش: أين يقف رئيس المجلس الشعبي الوطني داخل هرم الدولة؟
لا توجد في الجزائر مدونة دستورية أو نص قانوني يحدد ترتيبًا رسميًا للمناصب العليا في الدولة من الناحية البروتوكولية، غير أن العرف السياسي والبروتوكولي الذي جرى منذ سنوات، يعتبر رئيس الغرفة الثانية للبرلمان صاحب المرتبة الرابعة في سلم كبار مسؤولي الدولة أي كالآتي: رئيس الجمهورية، رئيس الغرفة الأولى للبرلمان ( مجلس الأمة)، رئيس المحكمة الدستورية .
بعيدًا عن الصخب الذي رافق هذا الحدث، فإن طبيعة المنصب تبقى مرتبطةً قبل كل شيء بصلاحياته الدستورية، حيث ظهرت قراءات قانونية متباينة بشأن موقع رئيس المجلس الشعبي الوطني ضمن المنظومة الحاكمة وحدود صلاحياته، ومدى صحة بعض التفسيرات الدستورية المتداولة.
إجرائيًا؛ يعد رئيس المجلس الشعبي الوطني رئيسًا لإحدى غرفالبرلمان، وهي مؤسسة دستورية تتكفل بمهام التشريع والرقابة ومناقشة السياسات العامة.
غير أن موقعه داخل منظومة الحكم يختلف عن موقع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمة (الغرفة الأولى للبرلمان) ورئيس المحكمة الدستوردية، إذ لا يمتلك صلاحيات تنفيذية ولا يشارك مباشرة في صناعة القرار الحكومي.
وفي الحالات الاستثنائية، يغيب رئيس المجلس الشعبي الوطني عن سلسلة تولي مهام رئيس الدولة وهو ما أثار النقاش حول مرتبته الدستورية.
ويرى المهتمون بالشأن السياسي في الجزائر أن عدم إدراجه ضمن ترتيب الاستخلاف يعني أنه لا يحتل مرتبة متقدمة في هرم السلطة.
وعليه فإن أحكام الاستخلاف لا يمكن اعتبارها أساسًا لترتيب مؤسسات الدولة، لأنها وضعت لمعالجة ظروف استثنائية مرتبطة باستمرارية الدولة، ولا تعكس ترتيبًا عامًا للمناصب الدستورية في الحالات العادية.
رئيس المجلس الشعبي الوطني.. مكانة وتأويلات
انطلاقًا من ذلك، قال الباحث في العلوم السياسية عبد القادر زروقي إن هذا الجدل يطرح تحديد حقيقة مكانة المنصب: هل هي مكانة سياسية ودستورية، أم أن صلاحيات المنصب تجعل تأثيره محدودا مقارنة بالسلطة التنفيذية؟
ومن الملاحظات حسب تصريح زروقي لـ" الترا جزائر" أن موقع رئيس المجلس الشعبي الوطني في هرم مؤسسات الدولة تثير الكثير من الالتباس، إذ يتداول على نطاق واسع وصفه بـ" الرجل الثالث" وأحيانا بالرجل الرابع في الدولة، رغم أن النصوص الدستورية لا تقر هذا الترتيب صراحةً.
وأضاف أن فهم المكانة الدستورية لهذا المنصب تستدعي العودة إلى أحكام االدستور، والتمييز بن الترتيب البروتوكولي والاختصاصات الدستورية التي حولها المشرع لرئيس الغرفة السفلى للبرلمان.
الباحث في العلوم السياسية عبد القادر زروقي: فهم المكانة الدستورية لهذا المنصب تستدعي العودة إلى أحكام االدستور، والتمييز بن الترتيب البروتوكولي والاختصاصات الدستورية التي حولها المشرع لرئيس الغرفة السفلى للبرلمان
ونصت المادة 101 من الدستور، على أنه "في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته أو عجزه البدني المثبت قانونًا، يتولى رئيس مجلس الأمة باعتباره رئيسا للدولة، كل الصلاحيات التي تستوجبها حالة الحرب حسب الشروط نفسها التي تسري على رئيس الجمهورية".
وتشرح هذه المادة أيضًا "في حالة اقتران شغور منصب رئيس الجمهورية ورئاسة مجلس الأمة، يتولى رئيس المحكمة الدستورية وظائف رئيس الدولة حسب الشروط المبينة أعلاه".
الاستثناء والضمانة الدستورية
كما تناول النص مكانة رئيس الغرفة الثانية للبرلمان في النظام الدستوري الجزائري، من خلال توضيح دوره الاستشاري في عدد من الحالات الاستشارية التي نص عليها لدستور، مع الإشارة إلى بعض الصلاحيات.
وحسب ما نصت عليه "الحالات الاستثنائية" في الدستور؛ الواردة في المادة 97 التي تنص "يقرر رئيس الجمهورية، إذا دعت الضرورة الملحة، حالة الطوارئ أو الحصار لمدة أقصاها ثلاثون (30) يوما بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس مجلس الأمة، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، والوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة".
كما نصت المادة 98 يقرر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية إذا كانت البلاد مهددة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها لمدة أقصاها ستون (60) يوما، على ان "لا يتخذ مثل هذا الإجراء إلا بعد استشارة رئيس مجلس الأمة، ورئيس المجلس الشعبي الوطني.."
وأيضا المادة 99 "يقرر رئيس الجمهورية التعبئة العامة في مجلس الوزراء بعد الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني".
بالإضافة إلى المادة 100 "إذا وقع عدوان فعلي على البلاد أو يوشك أن يقع حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة يُعلن رئيس الجمهورية الحرب، بعد اجتماع مجلس الوزراء والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس المحكمة الدستورية".
ومنحت المادة 152 من الدستور رئيس المجلس الشعبي الوطني بعض الصلاحيات التي خولها له في مجال مناقشة السياسة الخارجية"يمكن البرلمان أن يفتح مناقشة حول السياسة الخارجية بناء على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس إحدى الغرفتين (رئيس مجلس الأمة أو رئيس المجلس الشعبي الوطني).
قراءة نقدية
تثير بعض التصورات بعض الملاحظات القانونية التي تستدعي قراءة نقدية للنصوص الدستورية، خاصة فيما يتعلق بتحديد المروقع الدستوري لرئيس الغرفة السفلى للبرلمان، ومدى إمكانية اعتبار الأحكام الخاصةة بالظروف الاستثنائية مقياسا لتحديد مرتبته داخل النظام الدستوري.
وفي هذا الإطار يقول النائب السابق في المجلس الشعبي الوطني لخضر بن خلاف إن مكانة رئيس المجلس الشعبي الوطني في النظام الدستوري، "تستوجب بعض الملاحظات الدستورية والمنهجية".
كما أوضح في إفادته لـ" الترا جزائر" أن "هناك خطأ في الإحالة إلى النص الدستوري، إذ نسبت أحكام تولي رئيس مجلس الأمة ثم رئيس المحكمة الدستورية لمهام رئيس الدولة إلى المادة 101، بينما هذه الأحكام واردة في المادة 96 من دستور 2020".
وأكد أن "المادة 96 تتعلق بحالة الحرب ولا ترتبط بالوضع الدستوري العادي، مما يجعل الاستناد إليها لتحديد مكانة رئيس المجلس الشعبي الوطني استنتاجا غير دقيق في بعض القراءات السياسية."
النائب السابق في المجلس الشعبي الوطني لخضر بن خلاف: لا يجب بناء حكم على موقع المنصب من نص استثنائي يؤدي إلى تجاوز طبيعة المادة الدستورية، باعتبارها تهدف إلى ضمان استمرارية الدولة في الظروف الاستثنائية
وأضاف أنه "لا يجب بناء حكم على موقع المنصب من نص استثنائي يؤدي إلى تجاوز طبيعة المادة الدستورية، باعتبارها تهدف إلى ضمان استمرارية الدولة في الظروف الاستثنائية".
وأوضح أن" المادة 96 لا تتعلق بترتيب مؤسسات الدولة، وإنما وضعت لضمان استمرارية الدولة في ظرف استثنائي هو حالة الحرب، وبالتالي لا يجوز إسقاط أحكامها على الظروف العادية أو اعتبارها أساسًا لتحديد المرتبة الدستورية لرئيس المجلس الشعبي الوطني."
جدل المرتبة الدستورية
وأشار بن خلاف إلى أن" عدم ورود رئيس المجلس الشعبي الوطني ضمن سلسلة الاستخلاف الدستوري لا يعني غياب مكانته الدستورية، لأن الدستور لم ينص أصلا على ترتيب بروتوكولي لمؤسسات الدولة".
في الإطار ذاته قال النائب السابق بالمجلس الشعبي الوطني عن ثلاث عهدات برلمانية متتالية (2012-2017-2021) إن "مكانته واضحة باعتباره رئيسا لإحدى غرف البرلمان ويمارس صلاحيات تشريعية ورقابية مهمة".
وأشار إلى أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يتمتع بصلاحيات استشارية وجوبية في حالات الطوارئ والحصار، والحالة الاستثنائية، والتعبئة العامة، وإعلان الحرب ".
وفي السياق أوضح أن "أولوية السلطة التنفيذية في النظام الدستوري تبقى من المواضيع المطروحة للنقاش السياسي والدستوري، بشرط قراءة دقيقة للنصوص".
وشدد على أن "النقاش الدستوري الرصين يثري الحياة العامة، شريطة أن يقوم على التفسير السليم للنصوص، والتمييز بين الأحكام الاستثنائية والأحكام العامة، حتى لا تتحول الاستنتاجات إلى أحكام لا يسندها الدستور".
المنصب في المشهد السياسي
في الميدان فإن السياسة تشتغل بمعايير أخرى، لذا فإن منصب رئيس الغرفة الثانية للبرلمان لا يشغل وظيفة صياغة القرارات السياسية النهائية ولكنه في المقابل من ذلك، يمثل فاعلا مؤسساتيا داخل المجال التشريعي.
كما تظهر أهمية المنصب في الممارسة وقدرته على إدارة المؤسسة البرلمانية، وتنظيم العمل التشريعي، وممارسة الرقابة على عمل الحكومة، إضافة إلى المشاركة في بعض المشاورات الدستورية المتعلقة بالقضايا الكبرى للدولة.
لكن في الممارسة السياسية على مدار عقود تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد توزيع الصلاحيات، فالمنصب الحاضر داخل المشهد لكنه يتحرك ضمن نظام يمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة.
المرأة ومراكز القرار
خرج النقاش من دائرة السياسة وانتقل بشكل لافت إلى مساحة أخرى تجاوزت أسوار المؤسسة البرلمانية في علاقة بمكانة المرأة في مواقع القرار، لذلك لم يكن المنصب وحده هو صانع الجدل بل حول من يجلس علىى كرسيه أيضا.
ومن هذه الزاوية الأكثر تداولًا في المواقع الواقعية والافتراضية، وجب الإشارة إلى تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في شهر أيار/ مايو الماضي، حيث أكد في لقاء مع ممثلي الإعلام المحلي، أنه "لا يمانع في تعيين امرأة على رأس الحكومة، وأن الكفاءة وحدها هي المعيار في تقلد المسؤوليات العليا دون تمييز بين رجل وامرأة"، بدا ذلك تعبيرا عن توجه سياسي يدعم حضور المرأة في مؤسسات الدولة.
وكما ذكر رئيس الجمهورية أثناء حديثه أن "الأمر يتعلق بمدى تقبل المجتمع لذلك خاصة أنه يقوم على الكفاءة والاستحقاق".
لذلك يمكن القول هنا أن الدستور يحدد صلاحيات المنصب في حالة رئيس الغرفة الثانية لللبرلمان، ولكن المجتمع هو من يختبر رمزيته.
وبالرغم من أن الإطار الدستوري يؤكد على مبدأ المساواة بين المواطنين في تولي المسؤوليات العامة، إلا أن اختلاف نسبة تمثيل المرأة في البرلمان بين مرحلة وأخرى يرتبط بتغير طرق الانتخاب والسياسات المعتمدة، وليس بالضرورة عائق قانوني أمام مشاركتها.
وعليه فإن النقاش حول انتخاب أول امرأة لرئاسة المجلس الشعبي الوطني يكشف أن أهمية المنصب تتجاوز سلم الترتيب فقط، كونه يجمع بين ثلاثية القيمة الدستورية النابعة من رئاسة مؤسسة تشريعية كبرى، ودور سياسي مرتبط بطبيعة النظام الجزائري، ودلالة جندرية مرتبطة بتطور حضور المرأة في الحياة العامة.
الكلمات المفتاحية
سلطة الانتخابات والأحزاب.. هل يبدأ الحوار مبكرًا لتفادي أزمات المحليات؟
قبل نحو ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات المحلية المقررة في 28 نوفمبر، اختارت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات فتح قنوات تواصل مباشرة مع الأحزاب السياسية، عبر استقبال ممثلي التشكيلات السياسية والاستماع إلى انشغالاتهم المرتبطة بالاستحقاق المقبل.
ثلاثة عقود بلا تنفيذ.. لماذا ترفض أحزابٌ سياسية جزائرية عقوبة الإعدام؟
كلما هزّت الجزائر جريمة مروعة، عاد النقاش حول عقوبة الإعدام بقوة، فبين مطالب شعبية وسياسية بتنفيذ الأحكام باعتبارها شكلًا من أشكال القصاص والردع، تقف أحزاب سياسية على الضفة المقابلة، رافضة العودة إلى تنفيذ العقوبة القصوى، وإن اختلفت في خلفياتها وحججها السياسية والحقوقية.
خريف سياسي مزدحم في الجزائر.. من رهانات الحكومة إلى سباق المحليات
تَستعد الجزائر لموعد الدخول الاجتماعي والسياسي لهذا العام في ظل أجواء غير معتادة، بعدما شهد صيف 2026 جملة من الأحداث المؤلمة التي تركت أثرها في الرأي العام الوطني.
توجيهات رسمية بإبعاد المدرسة عن الصراعات السياسية وإيقاف "التسويق الإعلامي" للإصلاحات
وجّه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء، تعليمات جديدة تخص قطاع التربية، شدّد فيها على ضرورة إبعاد المؤسسة التربوية عن التيارات الإيديولوجية والصراعات السياسية، مع حصر النقاش حول قضايا القطاع في الجانب البيداغوجي.
طقس الجزائر.. أمطار رعدية وزوابع رملية تضرب 12 ولاية
نبه الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الإثنين، من تساقط أمطار رعدية ونشاط للزوابع الرملية عبر عدد من ولايات الوطن، وفق تنبيه من المستوى الأول باللون الأصفر على خريطة اليقظة.
طلبات استيراد بـ130 مليار دولار لمؤسسات لا يتجاوز عدد عمالها خمسة.. ما القصة؟
وأكدت الوزارة أنها ستفتح تحقيقا بشأن هذه الحالات، لاتخاذ الإجراءات اللازمة على ضوء نتائج عمليات التدقيق والتحقيق، وفقا للقوانين والتنظيمات المعمول بها
طقس الجزائر.. أمطار رعدية وزوابع رملية تضرب 6 ولايات
نبّه الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الأحد، إلى تقلبات جوية تشمل أمطارًا رعدية وزوابع رملية عبر ست ولايات من جنوب البلاد