كورونا.. جنائز مؤقّتة

كورونا.. جنائز مؤقّتة

الجزائر سجّلت ارتفاعًا محسوسًا في عدد الإصابات بكورونا في شهر نوفمبر (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

لا يمكن لأيّ شخص أن يكون في مكانك الآن، في هذه اللّحظة، في وقفتك وأنت لا تستطيع أن تخطو خطوة للأمام، أن تتفوّه بكلمة، ففيما أنت ترتشِفُ قهوتك الصّباحية مع أفراد عائلتك، زوجك أو زوجتك، أبناءك، والديك وإخوتك، هناك غير بعيد عن مسافة الـساعتين أو الثلاث ساعات أو بالعشر ساعات، يُمنّي النّفس بالفَرَجْ، نعم يمنّي النفس بأن تتحسّن الأوضاع ويحلم بغد أفضل.

في أرجاء هذا المكان لا لغة تعلوا فوق لغة الانتظار والاستجداء والتمنيات والآهات

بينما تفتح هاتف الجوال تكتب عبارة صباحية في حسابات التواصل الاجتماعي فيسبوك أو تويتر، يوجد قلب يحترق كيف السبيل للوصال لرؤية الأهل، ربّما الطريق إليهم هم آخر رحلة، وربما المحطة الأخيرة قد لا تكون رؤيتهم حتى فالأقدار لا يمكن توقّعها، وخطواتنا لا تقوى على إرادة ليست بين أيدينا.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا تتوغّل داخل المؤسّسات التربوية

بعيد عن تلك المسافة، هناك في مستشفى أو مصحّة من ينتظر الحقنة أو الجهاز التنفّسي، في أرجاء هذا المكان لا لغة تعلوا فوق لغة عيون الانتظار والاستجداء والتمنيات والآهات، والمناجاة، هنا بين هذه الجدران لا يعلو الكلام على الصمت فالصمت له حكمة وألف كلمة.

بعيدًا عن هذه العتمة، هناك رجل ينتظر إتمام إجراءات السّفر المُعلّقة إلى حين، مثله مثل الآلاف من الجزائريين العالقين بسبب فيروس كورونا. جالية كاملة تأهّبت لجمع المال لحجز طائرة طبيّة لنقل مريض تكلّف الآلاف من الدولارات، وأخرى تستعدّ لتعيد العشرات من العالقين هناك، ممن تقطّعت بهم السبل.

كثيرون تائهون بين الفعل وردّ الفعل، بينما يتابع الآلاف من أهالينا مباراة للمنتخب الوطني لكرة القدم، كجرعة أمل وسطة غمامة سوداء ماذا فعلت بنا اللعبة المستديرة "أفيون الشّعوب"؟ تخدّرهم لأقل من ساعتين، ثم تعيدهم إلى سكرات الاستفاقة المؤقّتة بعد استنشاق جرعة الجلد المنفوخ حتى دقيقتها التسعين وأكثر.

على أمل غير واضح المعالم ولا وجود لأُفق من النور، تتكدّس التعازي في كل ساعة، مواساة بعدها مواساة، نحتضن أنفسنا، سواد يشوبه بياض، أليس الحياة هي مزيج بين مختلف الألوان، في يوم تزدحم فيه التبريكات بيوم جمعة جديدة؟.

في نهاية شهر شباط/فيفري الماضي، العالم كله كان يعيش على وقع أخبار متفاوتة الخطورة، فيروس كورونا، بعبع تربّع على عرش العالم في ظرف أشهر معدودات، فتّته إلى مناطق متعدّدة الخطورة، ثم مزّق العائلات إلى أفراد، إن كانت قريبة جغرافيًا في زمن الأمكنة، فهي مُتباعدة بسبب الخوف من التقاط الفيروس وتجريب معاناة المرض، ثمّ العذاب في رحلة البحث عن التحاليل والتّشافي منه، والخوف من أن يكون سبب لعدوى أخرى، وإصابات أكثر وأكبر وقد تقع لأعزّ الناس لديهم.

فيروس مجهري لا يُرى بالعين المجردة تمكّن من قهرِنا اجتماعيًا، فباعدنا عن الأهل والأحبة والأصدقاء، ثم إنسانيًا فأعادنا إلى نفسنا التي تأبى أن تخاطِر بوباء معدٍ، ثم اقتصاديًا حيث أفرغ جيوب الآلاف بسبب الإحالة على البطالة، ومعرفيا وعلميًا لأننا من الدول التي تنتظر في طابور الحصول على اللقاح دونما التفكير في منجز يخرج من مخابر جزائرية وبأيادي وعقول جزائرية، رغم وجود العشرات من الجامعات التي تضيف كل سنة في سجلاتها، تَخرُّج آلاف الطلبة بشهادات عليا في مختلف التخصّصات والقطاعات.

كورونا ما هو إلا استراتيجية الفوز والهزيمة تمكّن من أن يفوز ويهزِمنا، استطاع أن يُقسِّم العالم إلى: العالم ما قبل الوباء والعالم ما بعد الوباء، رغم أن التاريخ مليء بفترات أتت على الكرة الأرضية بأوبئة أخذت منه الملايين من البشر.

من حقِّنا أن نطرح الكثير من التساؤلات، ومن حقنا أيضًا أن نئِنّ ونتوجَّع كما نحِنّ ونأمُل، من حقنا أيضًا أن نبتسم وأن نفرح كما من واجبنا أن نحزن.

أكثر ما يمكننا فعله هو الكتابة لتجاوز المِحنة وتخفيف وطأتها وتلطيف أجوائها

لا أحد يمكنه أن يكون في مكانك، فالحزن لا يعرف المواعيد، ولا يطرق باب أحد عن طيب خاطر، بل يفرِض علينا الاستجابة في أقسى مرحلة الضّعف، فأكثر ما يمكننا فعله هو الكتابة لتجاوز المِحنة وتخفيف وطأتها وتلطيف أجوائها، فكلنا جنائز مؤقتة، ننتظر حتّى تدقّ الساعة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بركاني: إصابة 3 أقسام بكورونا يؤدي إلى غلق المدرسة

4 أيام عن الدخول المدرسي.. كورونا تضرب المدارس وتخلط أوراق الحكومة