ultracheck
ثقافة وفنون

لقاءاتٌ تقييمية للقطاع الثقافي.. بداية تصحيح المشهد الحالي؟

25 يناير 2026
نت
عبد الحفيظ سجال
عبد الحفيظ سجال صحفي من الجزائر

باشرت وزارة الثقافة مؤخرا عقد لقاءات تقييمية لقطاعها بهدف تحريك عجلة هذا المجال وتعزيز فعالية أدائه، وتغيير الواقع الثقافي الحالي الذي تقول المسؤولة الأولى عنه الوزيرة مليكة بن دودة إنه يعيش اختلالات عديدة، بعد أن أصبح وضعه مرادفًا للعطالة والرتابة، فهل تملك الوزارة الآليات الكفيلة بتغيير هذا الوضع عبر هذه اللقاءات أم أنها ستظل مجرد اجتماعات روتينية لا تقدم شيئًا للساحة الثقافية الجزائرية؟.

حسب وزارة الثقافة، فإن اللقاءات التقييمية تأتي كمنطلق عملي لمسار إصلاحي جديد، يهدف إلى تقييم واقع الفعل الثقافي، وضبط الخطوط العريضة لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية للقطاع، بما يضمن تجسيدها بفعالية على المستوى المحلي، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين والمؤسسات الثقافية.

وشهدت السنوات الأخيرة صدور تشريعات كثيرة تخص القطاع الثقافي بهدف تطويره وإخراجه من حالة الجمود التي يعيشها، إلا أن الوضع لم يتغير حسب متابعين، الأمر الذي يتطلب اليوم استعمال آليات جديدة لتحقيق الغايات المسطرة.

تحت المجهر

لمدة تقارب الأسبوعين، تعكف وزارة الثقافة على وضع المشهد الثقافي تحت المجهر، وذلك بتنظيمها اللقاءات التقييمية الوطنية للمديرين الولائيين والمؤسسات الثقافية، والتي انطلقت أشغالها في 18 كانون الثاني جانفي الجاري وتستمر حتى اليوم الـ 29 من الشهر نفسه.

وحسب وزارة الثقافة، فإن اللقاءات التقييمية تأتي كمنطلق عملي لمسار إصلاحي جديد، يهدف إلى تقييم واقع الفعل الثقافي، وضبط الخطوط العريضة لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية للقطاع، بما يضمن تجسيدها بفعالية على المستوى المحلي، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين والمؤسسات الثقافية.

وقالت وزيرة  الثقافة مليكة بن دودة إن هذا اللقاء لا يندرج في إطار الطابع الشكلي أو البروتوكولي، بل يمثل محطة تفكير جماعي صريح، قوامها المصارحة والنقد الذاتي المسؤول، من أجل تشخيص الاختلالات المسجلة في الممارسة الثقافية، والانتقال من منطق النشاط المناسباتي والروتيني إلى منطق المشروع الثقافي المنتج والمستدام.

الروائي والكاتب سفيان مخناش: يجب أن تحرص وزارة الثقافة على متابعة مدة سيرورة المشاريع المسطرة حتى ولو كان باللجوء إلى استعمال العقوبات ضد المدير الذي لا يلتزم بتنفيذ البرنامج المسطر بإنهاء مهامه أو تنزيل رتبته، وهو ما سيمنع انتشار ظاهرة المديرين الكسالى والمتقاعسين

وقال الروائي والكاتب سفيان مخناش لـ"الترا جزائر" إن الوزيرة بن دودة معروفة سواء في عهدتها الحالية أو السابقة باجتماعاتها مع الفاعلين الثقافيين، لذلك فإن هذه اللقاءات قد لا تُأتي أكلها لأنها اجتماعات يغلب عليها الجانب النظري الذي لا ينفذ ولا يحوّل إلى عمل تطبيقي ميداني، حتى وإن قدمت للوزيرة وعودا بذلك.

ولاحظ مخناش أنه في غالب الحالات، يحرص المديرون الثقافيون بمجرد الرجوع إلى مكاتبهم على جعل ما قدم لهم من توجيهات حبرًا على وراق، فالتجربة أظهرت لنا أننا لم نلاحظ أي مرة فرقًا يحدث في الواقع بعد عقد هذه اللقاءات.

ولتغيير الوضع، دعا مخناش إلى ضرورة أن تحرص وزارة الثقافة على متابعة مدة سيرورة المشاريع المسطرة حتى ولو كان باللجوء إلى استعمال العقوبات ضد المدير الذي لا يلتزم بتنفيذ البرنامج المسطر بإنهاء مهامه أو تنزيل رتبته، وهو ما سيمنع انتشار ظاهرة المديرين الكسالى والمتقاعسين الذين يظلون جالسين في مكاتبهم، وهمهم الرئيسي انتظار موعد انتهاء سنوات عملهم لإحالتهم على التقاعد برتبة مدير ولائي للثقافة.

إقرار رسمي

لم تتردد وزيرة الثقافة أمام مديريها الولائيين بالإقرار بالوضع المتردي الذي يعيشه المشهد الثقافي الجزائري، وقالت في هذا الإطار إنه قد أصبح "مرادفًا للعطالة والرتابة".

ولفت سفيان مخناش إلى أن نجاح أي مسؤول مرتبط بنجاح مستشاريه والفريق المحيط به، لكن الواقع يظهر لنا اليوم عند تصفح الأخبار الثقافية ومعاينة الحركة الثقافية أن سوى 10 أو 15 ولاية تشهد نشاطًا ثقافيًا، ومعظمها تقع في الرتابة والمناسباتية، لأن معظم المديرين ينتظرون البرامج المقترحة من قبل الوزارة لتنفيدها  لانعدام روح المبادرة والابتكار لديهم، وهو ما يجعل مختلف البرامج الثقافية الولائية متشابهة ولا تحمل أي خصوصية أو لمسة إبداعية.

أما الأكاديمي والكاتب فيصل الأحمر  فبيّن في حديثه مع "الترا جزائر" بأن سلبية المشهد الثقافي تظهر في "ثلاث نقاط أراها الأخطر، أولها غياب تشجيع روح المبادرة، من منطلق أن ميدان الثقافة يختلف عن باقي الميادين النشاط البشري بأنه ميدان منفتح على الجديد والإبداع والنظر صوب المستقبل ويحتاج دعمًا لأنه مثله مثل التربية والتعليم من القطاعات بطيئة المردود والربح، فما نزرعه من أفكار اليوم قد يأتينا حصادها بعد عشرية كاملة، لذلك فمن الصعب التطور إذا كان كل جديد في الثقافة هو تكرار لتجربة سابقة".

ويرى الأحمر أن من أوجه التردي الثقافي هو عدم اختيار المسؤولين الثقافيين الأكفاء المنوطين بتطوير الحركة الثقافية الجزائرية، مشددا على ضرورة " الاختيار الجيد للمسيرين المحليين، بحيث يكونون من الميدان الثقافي أولا ويكونون ذوي كاريزما عالية، لأنهم الحلقة الأقرب إلى الجمهور الثقافي الإبداعي التنشيطي الميداني وهو الحلقة الفعالة للجهاز الإداري بشقيه القانوني والمالي التسييري".

وبدوره، يؤكد سفيان مخناش أن تحريك عجلة قطاع الثقافة مرهون بـ"اختيار المدير الذي يزاوج بين الثقافة والإدارة، فنحن الكتاب والفنانون نصطدم بالمدير الإداري البحت الذي ينحصر عمله في كونه مجرد مسير، والذي تجد نفسك عند طرح قضية ثقافية ما أنت في واد وهو واد، لأنه يصعب عليه فهم بعض الملفات بالنظر للخصوصية التي تميز قطاع الثقافة، لكن لما يكون المسير مثقفًًا وعلى اطلاع مسبق بمشاكل القطاع يمكن سد الهوة بين المثقف والمسير بكل سهولة".

 الأكاديمي والكاتب فيصل الأحمر:  من أوجه التردي الثقافي هو عدم اختيار المسؤولين الثقافيين الأكفاء المنوطين بتطوير الحركة الثقافية الجزائرية

ويرى مخناش في تغيير المسؤولين أمرًا لا مفر منه، لأنه بالشكل الحالي لا يمكن التقدم خاصة مع التقسيمات الإدارية الجديدة التي ترفع عدد المديرين الثقافيين لكن  تظل الثقافة غائبة بهذه الولايات، لهذا يشدد على ضرورة تغيير المسؤولين بآخرين ذوي كفاءة يزاوجون بين الثقافة والإدارة وقادرين على وضع رؤى متقاربة تظهر نتائجها ميدانيا.

ورغم المراجعة التشريعية الكثيرة التي مست القطاع الثقافي في السنوات الأخيرة، وفي عدة مجالات، إلا أن فيصل الأحمر يرى أن هذا الجانب ما يزال في حاجة إلى جهد أكبر.

وتابع " علينا أن نفكر في جهاز قانوني يفتح الأبواب أكثر أمام مبدعي البلد، فمن الغريب أن يأتينا الأفضل من عند أبنائنا ولكن من وراء البحار".

وأضاف صاحب رواية "رجل الأعمال" قائلا "يبدو أن هنالك جهازًا قانونيًا قديمًا يمنع حرية التعاطي ويخضع الثقافي الحر الناشز المتحرر من القيود لكثير من إكراهات الإدارة والأمن بحيث يجهض كثير من التجارب والمقترحات".

أما سفيان مخناش فيرى أن "المشكلة ليست في النصوص التشريعية التي قد تتضمن ثغرات يمكن معالجاتها، إنما المعضلة تكمن في ترجمة هذه التشريعات إلى عمل ميداني، فالمجلس  الوطني للفنون والأداب مثلا وغيره من المؤسسات الثقافية ما تزال هياكل بلا جدوى، وهو ما يظهر أن للحكومة إرادة في التغيير لكن التطبيق في الميدان لا يعكس هذه القوانين الجديدة".

خطوات لا بد منها

من المؤكد أن الجميع يتفق على ضرورة تقييم التجارب والأداء الثقافي الحالي والسابق، لتقديم حلول تنعش الفعل الثقافي الجزائري، وهنا، يدعو فيصل الأحمر إلى "تشكيل خلايا تفكير وأجهزة استشارية مرنة وحيوية من أجل تقديم مشاريع لتحريك المسنن الأكبر أو ضخ أفكار جديدة في عجلة التنمية الثقافية".

وأضاف أن "الغالب حاليًا هو أن مهمة التفكير النظري في الشأن الثقافي توكل لإداريين متحجرين عاجزين عن تغيير نظام في التسيير يسيرهم ويسيرونه منذ ربع قرن، أو توكل لفئة خطيرة بسبب طابعها النفعي الذي يحول حارس القطيع إلى ذئب جشع وهم المؤثرون؛ وجلهم إلا البعض تجار يطلبون مالًا لقاء كل منشور للمدح أو للقدح، مع تغيير اتجاه كلامهم حسب ريح الربح والمال والفائدة، لا حسب الخير المرجو للبلاد والعباد وللغد الذي نتمناه جميلًا"

ولتحسين أداء المسؤولين الثقافيين، أعلنت الوزيرة بن دودة أن "تقييم المسؤولين سيكون، من الآن فصاعدًا، مبنيا على مؤشرات الأداء، وتحقيق الأهداف، ومستوى النجاعة والمردودية، مع التشديد على محاربة البيروقراطية، وترشيد الموارد، وتفادي تكرار النشاطات المتشابهة التي تفتقر إلى الأثر الثقافي الفعلي".

ويرى الأحمر أن "المشكل الأساسي له جانب سياسي، ولا بد من التفكير في مواد قانونية جديدة على مستوى البرلمان والجهاز القانوني للوزارات المعنية مباشرة بالشأن الثقافي: ثقافة- سياحة- إعلام واتصال- تعليم والمؤسسات الصغيرة، وذلك بتوفير جهاز قانوني يمنح القطاع حرية أوسع في التداول الثقافي ويفتح الباب للمبادرات في إطار تحسين صورة البلد وضمان الأمن الثقافي للبلد والعمل الدؤوب على رفع درجات ظهور البلد ثقافيا".

أما  سفيان مخناش فركز أيضا على ضرورة أن لا تبقى الأموال الموجهة لقطاع الثقافة في متناول الجهات المركزية فقط من وزارة وولاة، ودعا إلى تمكين المديرين الولائيين من الحصول على الدعم المالي الكافي واللازم لتنفيذ المشاريع والتظاهرات الثقافية المسطرة، لأنه من غير الممكن تنشيط المشهد الثقافي في أي منطقة أو ولاية دون توفر الدعم المالي اللازم.

وفي المقابل، يرى فيصل الأحمر أن حل مشكلة الجوانب المالية يكون بتحويل الجزائر إلى "قطب جذب للطاقات الإبداعية والفنية والتنشيطية وقطب جذب مغري لرؤوس الأموال الداعمة للشأن الثقافي، وهي موجودة بكثرة على عكس ما يشاع ولكن ذلك لن يتم في ظل ترسانة من القوانين وطرق العمل التقليدية الحالية التي تثبط أكثر مما تشجع وتنفر أكثر ممن تجذب."

وفي انتظار إحداث هذه التغييرات، يرى فيصل الأحمر أن نجاح هذه اللقاءات  مرهون بتغيير الذهنيات التي يجب أن تفهم أن الأمن الثقافي أهم بكثير من الأمن الغذائي، لأن السنوات الأخيرة علمتنا أن جلّ الحروب الجديدة هي حروب ناعمة تستهدف الهيمنة على العقول واللاوعي الجمعي والمكونات الهوياتية، وهي عناصر بيتها الثقافة.

الكلمات المفتاحية

فريمهدي

حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما

يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.


معطوب

معطوب لوناس يعود في رمضان.. كيف أحيا "الرباعة" إرثه؟

أحيا مسلسل "الرباعة" لحظة استثنائية بين الأعمال الرمضانية هذا الموسم، باستذكار أيقونة الأغنية القبائلية الفنان الراحل معطوب لوناس، حيث أدى الممثلان نبيل عسلي ونسيم حدوش، رفقة عديلة بن ديمراد، في مشهد من الحلقة الخامسة عشرة إحدى أغاني الراحل الشهيرة بعنوان "سرحاس أياضو".


mourad

حوار | مراد أوجيت: لم أؤدّ العنف في شخصية "الدّوص" بل الإنسانية المجروحة خلفها

منحتني دراستي الأكاديمية هيكلًا صلبًا، انضباطًا ومنهجًا، وقدرة على تحليل الشخصية وبنائها. واليوم تعمل هذه الصرامة كشبكة أمانٍ خفيّة تتيح لي أن أجرؤ أكثر، لأنّني أعلم أنّ البنية متينة، أستطيع أن أرتجل داخلها من غير أن أضيع. أستطيع أن أترك إيماءةً غير متوقَّعة لتنبثق، أو نفسًا مختلفًا، أو صمتًا أطول.


عين الفوارة

تمـثال "عـين الفوارة” يُرمم والوزارة تتحرك قضائيا ضد المتورطين

أمطار غزيرة بالجزائر
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مُرتقبة اليوم في عدة ولايات

أفادت مصالح الأرصاد الجوية، بتساقط أمطار غزيرة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مصحوبة أحيانًا بحبات البرد، تشمل عدداً من ولايات الوطن.

بريد الجزائر
أخبار

رمضان 2026.. بريد الجزائر يعلن فتح مكاتبه ليلاً خلال العشر الأواخر


فريمهدي
ثقافة وفنون

حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما

يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.

حجاج
أخبار

هذا موعد انطلاق أول رحلة للحجاج الجزائريين

كشف، المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، طاهر برايك أنّ أول رحلة للحجاج لموسم 2026، ستنطلق يوم 29 أبريل/نيسان المقبل من مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة نحو البقاع المقدسة.

الأكثر قراءة

1
أخبار

اضطرابات مرتقبة للإنترنت بالجزائر غدًا الثلاثاء.. ما القصّة؟


2
أخبار

البرلمان يُصادق على المواد محل الخلاف في قانون تجريم الاستعمار


3
أخبار

نواب المجلس الشعبي الوطني يصادقون على مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية


4
اقتصاد

ارتفاع أسعار النفط.. فرصةٌ ذهبية للاقتصاد الجزائري لعدم تكرار أخطاء الماضي


5
أخبار

القضاء الفرنسي يغيّر تكييف قضية الشاب نائل.. محاكمة الشرطي بتهمة العنف بدل القتل