لويزة حنون ودورة الحياة السياسية

لويزة حنون ودورة الحياة السياسية

لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمّال (تصوير: فاروق باتيش/أ.ف.ب)

تُثير محاولة الانقلاب السياسي على الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون نقاشًا سياسيًا في الجزائر، بشأن استمرار تدخّل السلطة في الشؤون الداخلية للأحزاب السياسية، على خلفية مواقف أو خيارات معارضة لخيارات السلطة، حيث قادت هذه النقاشات إلى فرز مواقف متعدّدة، بين مندّدة بتدخل السلطة بشكلٍ غير مباشر في التشجيع على الحركات التصحيحية في دواليب الفعاليات السياسية، وبين من يعتبر أن استمرار قيادة حنون للحزب منذ ثلاثة عقود، مبرّر كافٍ لدفع قيادات في الحزب للثّورة ضدّها.

حنون وصفت الحركة التصحيحية في حزبها بـ "العملية الإجرامية" 

إجرائيا، سارعت حنون إلى الإعلان المبكّر عن عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، مبرّرة ذلك بأن "التشريعيات لن تخفّف من معاناة الجزائريين الاجتماعية والاقتصادية"، معتبرة في مؤتمر اللجنة المركزية للحزب، أن مقاطعة التشريعيات جاء عقب القرارات "غير الاجتماعية" التي اتخذها حكومة الوزير الأول عبد العزيز جراد، في محاولة منها لتبرير القرار الذي يعتبر الأوّل في حياة الحزب النضالية، إذ تعدّ المرّة الأولى التي يقاطع العمال التشريعيات منذ الانفتاح السياسي للجزائر عقب دستور الـ 1989. 

اقرأ/ي أيضًا: حنون بعد "الحركة التصحيحية" في حزبها: أنا مناضلة ولا أنوي العودة للسرية

الظاهر أن حنّون لن تفلح في ترقيع ما يحدث داخل بيت حزبها، إذ ظلّت دومًا في الواجهة المهمة في الحزب ويصفها الخصوم من داخل الحزب أنها "مستبدّة" بقرارات الجهاز ككل، كما وصفت أيضًا بأنها "شجرة أحادية القرارات التي تغطّي غابة الاختلافات"، حيث ترفض لحدّ اللّحظة ترك زمام الحزب، وتصف الحركة التصحيحية في حزبها بـ "العملية الإجرامية". 

من حقّ رئيسة حزب العمال أن تتشبّث بكرسي الأمانة العامة، وتدافع عن سنوات من النضال التي تشفع لها بالعمل الدؤوب والحراك السياسي مع موجات من المواقف حيال القضايا الوطنية بين مدّ وجزر في قلب المنظومة السياسية السابقة، قبل الحراك الشعبي، ذلك لا يخفي أن البعض وجه لها تهمة معارضة النظام بشراسة الخطاب السياسي خلال فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكنها في نفس الوقت ظلت تنتقِد السّلطة في العلَن وتهادِنها في الخفاء.

ليس غريبًا أن يقع أي حزب سياسي في الجزائر في أزمة داخلية عميقة، تحتاج حسب العارفين بالشأن السياسي ما يوسم دوما بـ" النّقد الذّاتي والمُكاشفة الصريحة"، بل وأكثر من ذلك فإن أي حزب تقليدي من حيث المفهوم النضالي للمكونات السياسية عليه أن يتخذ خطوات للوراء للمراجعة والاعتراف بالأخطاء المرتكبة إن وجدت، حتى وإن كانت متعلقة بالكيانات الأساسية للمؤسّسة الحزبية وليس مرتبطة بالضرورة بالمواقف تجاه قضايا الشّأن العام للبلاد. 

بعيدًا عن خلفيات سحب الثقة من زعيمة حزب العمال، يُطرح اليوم تساؤل مهم يتعلق مباشرة بقانون الانتخابات الذي سيزحزح العديد من الوجوه السياسية التي طالما حازت على الواجهة لسنوات، نحو مساحات ضيقة من النضال السياسي، وربما النهاية المحتومة، خصوصًا وأن التاريخ السياسي التعددي (من حيث التعددية الحزبية) يظهر تسميات على الحراك السياسي داخل الأحزاب فتارة يطلق عليها تقويمية مثلما وقع لحزب جبهة التحرير الوطني قبيل انتخابات البرلمان في العام 2012، وتارة المؤامرة العلمية التي أطاحت بالرمز الحكيم عبد الحميد مهري في منتصف التسعينيات وكذا الشيخ عبد الله جاب الله أيضًا من حركة النهضة.  

وعطفًا على استبعاد الخلفيات التي زعزعت حزب العمال، الظاهر أن للزعامة الحزبية دورة حياة، ومصلحة الحزب، تظلّ فوق كل الاعتبارات الشخصية، وضرورة نشر قيم الحوار والتداول السلمي على المسؤولية الحزبية، كما أن للحزب أيضًا باعتباره بناءً سياسيًا يحتاج مرّة على مرّة إلى ترميم وإعادة تنظيم أيضًا، ومن الطبيعي أن يأتي اليوم الذي وجب على حنون التنحي من كرسي الزعامة، خاّصة وأنها فرضت منطقها لسنوات، سواءً في مؤسّسات الحزب أو في المؤسسات الرسمية وظلت صوتًا يعارض الحكومات المتعاقبة. 

بغض النّظر عن مسألة استمرار حنون في قيادة الحزب منذ ثلاثة عقود كاملة، وهيمنتها على مقاليده وخياراته، فإن المسالة تبقى حزبية مرتبطة برغبة المناضلين في الحزب من جهة، وجزءًا من معضلات عمل الكيانات الحزبية في الجزائر، حيث يرفض الزعيم والمؤسّس تفعيل الأدوات الديمقراطية داخل الحزب والتداول على المنصب.

 الأحداث الجارية في حزب العمال تطرح مسألة مهمة في التشكيلات الحزبية الجزائرية التي لم تتشبّع بعد بالفكر الديمقراطي

وهكذا، فإن الأحداث الجارية في حزب العمال تطرح مسألة مهمة في التشكيلات الحزبية الجزائرية التي لم تتشبّع بعد بالفكر الديمقراطي، لكن ذلك يبقى منفصلًا عن ظاهرة تدخّل السلطات في الشؤون الداخلية للأحزاب ومعاقبة قياداتها بسبب المواقف والخيارات، وتشجيع حركات تصحيحية داخلها، وتسهيل الجوانب الإدارية والتنظيمية للقائمين بها، بهدف السيطرة على الحزب وقراراته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حنون بعد "الحركة التصحيحية" في حزبها: أنا مناضلة ولا أنوي العودة للسرية

حزب العمال أول المقاطعين للتشريعيات