ماذا تُصدّر الجزائر وماذا تستورد؟

ماذا تُصدّر الجزائر وماذا تستورد؟

ميناء الجزائر العاصمة (Getty)

في خضم الجدل الذي أثير حول طلب الحكومة، جمع تبرّعات من المواطنين لمواجهة "خطر كورونا"، وفتح حسابين بالعملة المحليّة والعملة الصعبة في سبيل ذلك، كتب أحد الفيسبوكيين يقول إن لاعبي أحد نوادي كرة القدم الذي "تمتلكه" شركة سوناطراك البترولية، يوجد لاعبوه في بطالة منذ حوالي شهر، ومع ذلك لم تتوقّف أجورهم التي تتجاوز الـ 300 مليون سنتيم للاّعب الواحد في بعض الحالات.

كلّنا يتذكّر الطوابير التي لا تنتهي لطلبة الطب أمام المركز الثقافي الفرنسي قبل سنوات

يحدث هذا في وقت يحلم فيه الأطباء وعمّال الصحة عمومًا، بنيل "عشر" ذلك الأجر، ومع ذلك يعملون في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الموضوعية، ويواجهون خطر الموت في كلّ لحظة، وبعضهم يتعرّض للتهديد والاعتداء من قبل بعض "المنحرفين" من المدمنين الذين يقتحمون عليهم أمكان عملهم، في غيّاب لأبسط شروط الأمن.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا.. نقاط لبيع البطاطا في ثلاث ولايات كسرًا للمضاربة

وفي الوقت الذي لم ينل فيه "نادي سوناطراك" أي لقب منذ سنين، مع أنه استهلك آلاف المليارات من أموال الشعب، يُطالب فيه الجميع من الأطباء القيام بمعجزات من العدم، وينتقدهم عند قيامهم بحركات احتجاجية من أجل تحسين أجورهم تارةً، وتحسين ظروف العمل تارة أخرى.

وباعتراف مسؤولين، تكون فرنسا "المصدّر" الأول لفيروس كورونا إلى الجزائر، عندما انتشر بها الوباء وتباطأت الحكومة الجزائرية في غلق المجال البحري والجوي معها، لكنها كانت المستورد الأوّل للأطباء الجزائريين الذي صرفت عليهم الدولة أموالًا باهظة من الخزينة العمومية ولم تستفد منهم شيئًا.

كلّنا يتذكّر الطوابير التي لا تنتهي لطلبة الطب أمام المركز الثقافي الفرنسي قبل سنوات، وهم يتقدّمون لاجتياز امتحان إثبات المستوى في اللغة الفرنسية، الذي يمكّنهم من العبور إلى الضفة الشمالية من المتوسّط، لواصلة الدراسة والعمل هناك حيث الراتب المحترم والشروط "المثالية" للعمل.

وليس الأطباء وحدهم من "طردتهم" الجزائر، بل الكثير من أصحاب الكفاءات الجامعية في مختلف التخصّصات الذين يهاجرون شرقًا وغربًا بعد تخرّجهم من الجامعة الجزائرية.

ولا يكاد يوجد بلد لم يستفد من الكفاءات الجزائرية في وقت تعاني فيه الجزائر من الفراغ، وتحاول في كل مرّة تعويض النصّ بتكوين كفاءات جديدة، لكنها لا تحافظ عليها في النهاية مثلما يحدث في كل مرّة.

قبل فترة قليلة قال لي صديق تونسي، إنّه لاحظ أن الكثير من ممثلي النخب في تونس جزائريون أو من أصول جزائرية، لكن لا أحد تكلّم عنهم، أو كتب عن تلك الظاهرة التي تحتاج إلى دراسات، فقلت له إن "الجزائر بلد طارد للكفاءات منذ القدم"، مثلما يقول بعض الدارسين السوسيولوجيين، لأسباب تتعلّق بتركيبة المجتمع الجزائري بالدرجة الأولى، وأخرى متعلقّة بسياسة الرئيس السابق الذي "أنجب" دولة على مقاسه ووفق عقليته.

وعودًا إلى الرياضة وكرة القدم، ففي وضع يتّسم بالفساد الذي لا حدود له في الصرف على "الاحتراف" في كرة القدم على لاعبين كثير منهم لا يتوفّر إلى صفات اللاعب المحترف، يعمل رؤساء النوادي التونسية على "سرقة" المواهب الجزائرية، وتحويلها إلى اللعب في الدوري التونسي مقابل لا شيء تقريبًا، في انتظار تصديرها إلى الدوريات الأوربية والخليجية وكسب أموال طائلة وراء ذلك.

لقد كان فيروس كورونا، هو آخر ما استوردته الجزائر من الضفة الشمالية للبحر المتوسّط ومن فرنسا على وجه الخصوص

لقد كان فيروس كورونا، هو آخر ما استوردته الجزائر من الضفة الشمالية للبحر المتوسّط ومن فرنسا على وجه الخصوص، بعد أن بقيت تستورد "خردة" الصين وتايوان من السلع المسرطنة، مقابل تصديرها للبترول والغاز والكفاءات العلمية والفكرية والرياضية، وفي مختلف المجالات. ولولا الريع البترولي، لاختلت هذه المعادلة، ولما تواصلت هذه المهزلة إلى هذا الوقت، فمتى تنتهي هذه المأساة؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تعويم الدينار الجزائري.. "الإجراءات السرّية" للحكومة

انهيار أسعار البترول.. ما هي الخيارات المتاحة أمام حكومة تبون؟