19-مايو-2024
متقاعدون جزائريون

(ألجيري باتريوتيك)

بينما سطع نجمه خلال أكثر من ثلاثة عقود، يجد نفسه  اليوم يعد الأشهر والأيام المتبقية من عمره المهني، ليغادر مكان الالتزامات اليومية والمسؤوليات المتراكمة وضغط الإدارة والمهام المتكررة، إذ أن التفكير في مرحلة ما بعد التقاعد "لحظة من لحظات الرفاهية"، بل "لا تخطُر على بال" لأن كثيرين من أمثال عبد السلام بوحراتي، البالغ من العمر 67 سنة، يعتبرونها مرحلة التوقف عن العمل وكفى، لكنّه يستدرك ويقول: "لم أتوقّع أن ما عشته داخل الإدارة كان جزءًا بسيطًا من الحياة التي لم أعشها، بل هو أهون من العيش خارج أسوار تلك الالتزامات اليومية".

موظف سابق لـ "الترا جزائر": عند مرور العمر نكتشف أننا لم نعش الحياة فعلًا، بل أننا مررنا على الأفراح والأحزان مرور الكرام، وسايرنا تقلبات الوظيفة وتحملنا ضغوطاتها وتكبدنا عناءها

العمل رغم شدته في بعض المهن والحرف، إلا أنه أفضل من الفراغ في رأي كثيرين، أو بالأحرى الركون لعدم الحركة، خصوصًا وأن قليلًا من الناس ممن استجوبتهم "الترا جزائر" وضعوا مخطّطًا لمكان تقاعدهم، بل أغلبهم يرددون: "سئمنا وكرهنا ننتظر يوم التقاعد بفارغ الصبر".

أسئلة مباغتة، هي تلك التي تطرح اليوم لدى شريحة من المتقاعدين أهمها: "ماذا بعد هذه السنوات؟" أو: ماذا يفعلون بعد التقاعد المهني؟"، فيقول عبد السلام بوحراتي يقول لـ"الترا جزائر": إن "متاعب المِهنة في الإدارة وتسيير الملفات الخاصة بالضمان الاجتماعي، لم تترك لي المجال حتّى لأفكّر في المستقبل، أو في فكرة ما بعد التّقاعد، في الوقت الذي كنت أفكر في لُقمة العيش وأقساط البيت الذي ينتظرني، فاللّهث اليومي خلف مكتب الإدارة لم يسهل لي أن أفكر إلا في الفرار بجلدي من ضغوطات الإدارة".

فرصة الراحة

غالبًا ما ينظُر الآلاف من العمال والموظفين للتقاعد بأنه فرصة ما بعد العمل لسنوات طويلة، ومنحة لـيرتاح فيها الموظف خاصة من متاعب ومشقة التنقل اليومي في حافلات النقل العمومي، والوصول للعمل والرجوع مساءً للبيت، في حين تلك العودة كل يوم تنتظرهم بالكثير من الالتزامات العائلية عمومًا.

وفي هذا الصدد، يتحدّث البعض عن "واقع مرير في الجزائر ينتظر الآلاف من الموظفين بعد سنوات من العمل قد تتجاوز الثلاثة عقود من الزمن" والسبب حسب ياسمينة، الموظفة في مصحة متعددة الخدمات بمنطقة الأبيار بالعاصمة، أن كثيرين أخذوا نصيبهم من التقاعد، إلا أن الحياة تُجبرهم على " الاختفاء" فالعمل اليومي- حسبها-، يحول الفرد في رحلة بحث متواصلة عن مكان للراحة، وعندما يصل إليها يتعود على منطقة راحته الدائمة وعدم الخروج من البيت".

تضيف هذه الموظفة التي شارفت على سنّ الستين بأنها قضت زهرة عمرها كممرضة إلا أنها تعترف لـ"الترا جزائر" بأن مجرد التفكير فيما بعد فترة العمل والبقاء في البيت في حدّ ذاته "مرهق جدًا"، بل يدخلها في دوامة المجهول الذي يخاف منه البعض.

 المجهول

ظروف الحياة تختلف من شخص لآخر، إلا أن بعض الأحداث اليومية تجعل من الموظف المتقاعد مجبرًا على مجاراتها ومسايرة تفاصيلها، ففي آخر خطوة في رواق الثلاثين سنة من الكدّ والاجتهاد والعمل في مؤسسة أو شركة أو مدرسة أو مستشفى، يكون الفرد غير مخير في غالب الأحيان إلا أن يلتزم بالبقاء بالبيت، وربما حتى البقاء في غرفة نومه وفراشه، بسبب تراكمات التّعب المضني خلال السنوات الفائتة.

بعملية حسابية، فإن العيش لمدة 60 سنة وعمل لأكثر من ثلاثين سنة، يعني أن علاقة الأشخاص بمكاتبهم ومهنتهم من الساعة التاسعة صباحًا إلى الرابعة أو الخامسة مساء هي كلّ حياتهم، لأن الوقت المتبقي يدخل في إطار استمرارية العيش مع الأولاد، وهي "الطامة الكبرى" كما يقول رياض بلحاسن (موظف سابق في ميناء الجزائر) في تصريح لـ" الترا جزائر"، موضحًا بأن اعتقاده السابق بأنّ "العمل هو كل شيء وبقية المجالات تحصيل حاصل أو أمور ثانوية".

ويواصل حديثه عن تلك الفترة من حياته المهنية بالقول: "عند مرور العمر نكتشف أننا لم نعش الحياة فعلًا، بل أننا مررنا على الأفراح والأحزان مرور الكرام، وسايرنا تقلبات الوظيفة وتحملنا ضغوطاتها وتكبدنا عناءها ولملمنا جراحها واكتسبنا منها المال كأجر شهري ولكن الجسد سيستفيق عند الركون للراحة".

من خلال هذا الكلام، أكد بأن عمله السابق في الميناء جعله يكتشف الحياة بعيداً عن عالم الشغل، وقال: "عند بلوغ الخامسة والستين رأيت الحياة بشكل مختلف تمامًا، إذ عرفت أبنائي أمامي وهم كبار ولم أعرفهم عندما كانوا ينجحون ويحتفلون بأعياد ميلادهم ويكبرون ".

يصف البعض عملهم المضني بأنه تكرار ورتابة، أو روتين، إذ يتطلعون إلى اليوم الذي يرفعون خلاله "راية التقاعد البيضاء" ويعلنون فيها "نهاية الخدمة"، فمنهم من يصبح ويمسي في آخر أعوامه على جمع شتات أوراق إعداد ملف طلب إنهاء العمل والإحالة على التقاعد"، فالتركيز في السنوات الأخيرة من العمل على التخلص من أعباء العمل فقط، دون التفكير فيما بعد هذه المرحلة العمرية والمهنية.

تجنب الفخ

"هرب من السجن فوقع في بابه" هكذا يرى السيد "عبد الكريم ( 67 سنة)، فبعد سنوات قضاها في شركة عمومية، ها هو اليوم يقتسم ساعات يومه بين البيت والبقالة والمقهى، إنه في سجن آخر بعد سجن العمل الليلي، حد تعبيره، لكن في المقابل يرى بأن التقاعد هو "مرحلة لا بدّ منها، رغم أنها " موت بطيء" ففي السابق كان له دور رئيسي في البيت لأنه له مكانة اجتماعية واقتصادية أيضا، أما اليوم فهو دون عمل ولكن براتب التقاعد.

التفكير في مكان التقاعد هو جزءٌ من الحل الذي يقترحه خبراء في مجال علم الاجتماع وعلم النفس، بالإضافة إلى الأطباء، إذ كشفت المختصة في علم النفس حسينة بلعالية بأنه بعد التقاعد من الأفضل أن يضع الشخص برنامجًا اجتماعيًا يمارسه ويواظب عليه رفقة مجموعة محفزة، مشيرة في تصريح لـ" الترا جزائر" إلى أن الآلاف يدخلون فيما يسمى بـ" اكتئاب ما بعد سنوات العمل"، وأسباب ذلك كثيرة منها: قلة الحركة والتفكير المستمر وربما الزائد عن الحدّ والفراغ المقلق.

الثروة

على خلاف ما سبق، ينظر البعض إلى أن التقاعد محطة جديدة، قد تمحو محطات مهنية متعبة، بل يعتبر التقاعد بداية جديدة لمرحلة جديدة، كما تحتاج إلى تجريب أشياء جديدة تختلف عن المهنة السابقة مثلًا فالراحة حسب المختصين هي علاج أيضًا ولكن عند تغيير المهنة وليس الركون للجلوس بين أربعة جدران.

وترى سعيدة بعطيش (أستاذة متقاعدة) بأن المتقاعدون ثروة وجب النظر إليها بأنها أرض خصبة بإمكانها أن تعطي أكثر، وقدمت لـ"الترا جزائر" نظرتها لتحقيق استفادة من هذه المرحلة العمرية، كإنجاز مخطط قبل فترة من التقاعد، أي قبل ثلاث سنوات أو خمس سنوات، يحدد فيه الشخص ما ينوي فعله كمشاريع أو كممارسات يومية في حياته، ومنها إطلاق مشروعات تطوعية لفائدة المتقاعدين علاوة على وضع إستراتيجية لتهيئة الفضاءات من أجل تنمية المهارات الرياضية.

وأضافت بأن تأهيل فئة المتقاعدين الراغبين في العمل بعد التقاعد في المؤسسات الحكومية والخاصة على حدّ سواء له نتائج إيجابية، وذلك بتفعيل أدوارهم في بيئتهم بحسب تجاربهم.

وكنموذج صحّي، أقبلت وزارة التعليم العالي ووزارة العمل على عقد شراكات وتعاون بين الجامعات الجزائرية والمنظمات والجمعيات للاستثمار في التعاقد مع متقاعدين من شتى التخصصات للاستفادة من خبراتهم وتدريب الطلبة والكوادر ونقل تجاربهم الميدانية لكوادر المستقبل، لأن التعلم في مدرجات الجامعات ليس مثل خبرات الميدان ونقلها في شكل تجارب، فالأول بذرة والثاني أرض خصبة وكلاهما يشكلان ثروة إضافية لعديد القطاعات الإنتاج والخدمات.

الأستاذة المتقاعدة سعيد بعطيش لـ "الترا جزائر": المتقاعدون ثروة وجب النظر إليها بأنها أرض خصبة بإمكانها أن تعطي أكثر

ولكن لا يمكن نفي أن اعتناء الحكومة بفئة المتقاعدين في الجزائر يبقى منحصرًا في تلبية حقوقهم المادية، في شكّل معاشات المتقاعدين، بالرغم من أنّهم رصيد اقتصادي واجتماعي ومهني وجب استثماره في شتى القطاعات.