متى ننتقل من ثورة التّحرير إلى ثورة التّنوير؟

متى ننتقل من ثورة التّحرير إلى ثورة التّنوير؟

(الصورة: وكالة الأناضول)
 

فجأةً وجدنا أنفسنا أمام مئات الملتقيات والأمسيات والأصبوحات والعروض والاستعراضات الثقافيّة؛ بعد شهور من الجفاف الثّقافي! والسّبب هو الاحتفال بالذّكرى السّابعة والستّين لاندلاع ثورة التّحرير. لقد ذكّرتني عشرات الجمعيات والهيئات بكلمة "طَيْ"/ أنا هنا التّي يقولها الطّفل لمن يبحث عنه مطوّلًا؛ بعد أن يختفي جيِّدًا

ما معنى أن تحتفل ثقافيًّا بذكرى اندلاع الثّورة وأنت لا تملك قانونًا للفنّان والمنتج الثّقافيّ؟ وأنت لا تملك سياسة لتوزيع المنتوج الثّقافيّ؟ وأنت لا تملك مناخاتٍ تؤهّل المبدع لأن يعيش من عرق موهبته؟ 

ومعظم هذه النّشاطات مموّل من طرف وزارة المجاهدين ووزارة الثّقافة والفنون ووزارة الشّباب والرّياضة. لقد ظهرت هذه الوزارات تنشط ثقافيًّا وتموّل النّشاطات الثّقافيّة يا للعجب! بل ظهرت أيضًا المجالس البلديّة والولائيّة تنشط وتموّل ثقافيًّا!

اقرأ/ي أيضًا: قرية إغيل إيمولا.. من هنا خرج بيان أوّل نوفمبر وبدأ كل شيء

أين كان هؤلاء جميعًا جمعياتٍ ووزاراتٍ ونواديَ وهيئاتٍ؛ خلال الأيّام والأسابيع والشّهور التّي بين 01 نوفمبر 2020 و01 نوفمبر 2021؟ 

هل اقتصرت ثورة التّحرير التّي يحتفلون بها على الانطلاقة (أوّل نوفمبر)؟ أم كانت شغّالةً وفعّالةً على مدار سبعة أعوام،  بريتمٍ تصاعديٍّ حتّى أثمرت الاستقلال؟ فلماذا يحتفلون إذن بثورة فعّالة بنَفَس انفعاليّ، خلال أيّام معدودات، ثم ينطفئ تمامّا خلال بقيّة الأيّام والأسابيع والشّهور؟ ألا يفترض أن نكون أوفياءَ لثورة التّحرير بثورة تنوير؟

ثمّ ما هذه الرّوح الشّعبويّة والنّظرة المستهلكة والطّريقة المتقادمة المترهّلة التّي تطبع معظمَ البرامج الثّقافيّة المقترحة؟ وكأنّه لم تمرّ ستّة عقود على الاستقلال الوطنيّ الذّي أثمرته ثورة التّحرير المجيدة، بكلّ ما ترتّب من تحوّلات عن هذه العقود المديدة؟ أين روح المواكبة والإبداع والابتكار؟ 

ضدّ من قامت ثورة التّحرير؟ ألم تقم ضدّ فرنسا؟ هل يحتفل الفرنسيّون بثورتهم وبذكرى استقلالهم بهذه الطّريقة؟ هل الأفعال الثّقافيّة لديهم موسميّة وفقاعيّة مثلما هي عندنا، أم هي يوميّة ومنسجمة مع فنّ العيش؟ تعالوا نرصد عدد الكتب والأفلام والمسرحيّات والعروض والمعارض والجوائز التّي يحصيها الموسم الثّقافيّ لديهم، ونحصي العددَ الذّي يحصيه موسمُنا؟ 

فلنكنْ بشرًا في مستوى البشر، ووطنيّين في مستوى من فجّروا ثورة التّحرير، ولنعترفْ بأنّ ما يحدث ثقافيًّا بمناسبة ذكرى اندلاع الثّورة، وما جاورها من مناسبات وطنيّة، مجرّدُ تبييضٍ لأموال عامّة؛ في عزّ حاجة المواطن إلى الغذاء. إنّه تواطؤ رخيس بين هيئات حكوميّة وواجهات مدنيّة لا وجود لكليهما في الميدان، ولقد بات لغيابهما الميدانيّ ثقافيًّا ثغرات واختلالات صارخة باتت تهدِّد أمنَنا القوميَّ نفسَه

ما معنى أن تحتفل ثقافيًّا بذكرى اندلاع الثّورة وأنت لا تملك قانونًا للفنّان والمنتج الثّقافيّ؟ وأنت لا تملك سياسة لتوزيع المنتوج الثّقافيّ؟ وأنت لا تملك مناخاتٍ تؤهّل المبدع لأن يعيش من عرق موهبته؟ وأنت تخسر يوميًا عشرات الموهوبين إمّا بالهجرة أو باليأس والانسحاب أو بالانخراط في المؤسّسات الأمنيّة؟ وأنت لا تملك منابرَ وجوائزَ وازنةً وحقيقيّةً تستوعب موهوبيك؟ وأنت تملك قناتين ثقافيّتين إذاعيّةً وتلفزيّةً لم تستطيعا أن تفرضا نفسيهما، حتّى بين المحسوبين على الفنّ والثّقافة؟

وأنت تمكّن للنّطيحة والمتردّية وما أكلت الرّداءة من تولّي المناصب الثّقافيّة؟ وأنت لا تملك منذ 1964 إلا معهدًا وطنيًّا واحدًا في مهن العرض والسّمعيّ البصريّ؟ وأنت لا تترجم سنويًّا من الكتب والمصنّفات الجماليّة والمعرفيّة إلا بعدد أصابع اليد الواحدة؟

وأنت لا تملك من المسارح إلا ما خلّفته لك فرنسا؟ وأنت لم تحافظ حتّى على القاعات السّينيمائيّة التّي خلّفتها لك فرنسا؟ وأنت لا وجود ولا تأثير ثقافيًّا لك في القارّات الخمس؟ وأنت لا تملك مهرجانًا واحدًا وفق المعايير الدوليّة؟ وأنت لا تملك قاعة عرض تتوفّر فيها المعايير الدّوليّة في الصّوت والصّورة والإضاءة وشروط الأمان؟

وأنت لا تملك تظاهرة ثقافيّة واحدة تساهم في الخزينة العامّة عوض الاغتراف منها؟ وأنت تمنح ملاحقك الثّقافيّة في سفاراتك وممثلياتك الدّيبلوماسيّة لأبناء المسؤولين الذّين لا وعي لهم برهاناتها؟ وأنت لا تستقبل مثقّفي وفناّنيّ وعباقرة العالم؟

وأنت لا تستقبل مجلّة ثقافيّة واحدة ولا تصدر عنك مجلّة؟ وانت لم تستطع أن تحافظ على المعرض الدّوليّ للكتاب؟ وأنت لا تملك دار نشر توزّع أكثر من ألف نسخة؟ وأنت تملك كتّابًا شبابًا يبيع بعضهم هواتفهم النّقّالة ليتمكّنوا من نشر كتبهم؟ وأنت تملك جامعاتٍ لا حضور لها في محيطها العامّ؟ وأنت تغدق الدّعم على الجمعيات النّائمة التّي لا تفتح عيونها إلّا موسميًّا، في مقابل إهمال أخرى تقتات على جيوب وأعصاب شبابها، لكنّها ترفض الفراغ؟

إذا لم نستحِ من أنفسنا، فلنستحِ من الشّهداء! لقد ماتوا أصلًا من أجل الثّقافة الوطنيّة

وأنت تملك فضاءاتٍ ثقافية لا برامج لها وإن وجدت، فمجرّد فقاعات عابرة في كلام عابر؟ وأنت تملك برلمانًا ناقش الحكومة في كلّ القطاعات ما عدا القطاع الثّقافيّ؟ وأنت تملك حكومة اختصرت الدّخول الثّقافيّ في هضبة العناصر؟ وأنت تملك وزارة للثّقافة والفنون لا شغل لها ماعدا اقتناص رحيل وجه من الوجوه الثّقافيّة لتنشر تعزية لأسرته، حتّى راسخًا في الأذهان أنّها وزارة التّعازي!

إذا لم نستحِ من أنفسنا، فلنستحِ من الشّهداء! لقد ماتوا أصلًا من أجل الثّقافة الوطنيّة.