مثقّفون جزائريون: نراهن على ضمير الشّارع السّوداني

مثقّفون جزائريون: نراهن على ضمير الشّارع السّوداني

احتجاجات في الخرطوم ضدّ التطبيع مع الإحتلال الإسرائيلي (تصوير: محمود حاجي/الأناضول)

عرفت العلاقات الشّعبيّة السّودانيّة الجزائريّة محطّات تلاحمٍ تاريخيّة، من زاوية التّجارة وتبادل العلوم الشّرعيّة، خاصّة الشّقّ الأفريقيّ من الجزائر، ومن زاوية الامتداد الرّوحيّ، حيث نجد انتشارًا لبعض الطّرق الصّوفيّة ذات التّأصّل الجزائري داخل الفضاء السّودانيّ، في مقدّمتها الطّريقة التّيجانيّة.

خليل ابراهيمي: أتوقّع أن تتكرّس النّبرة الشّعبيّة الرّافضة للتّطبيع في السّودان مستقبلًا

ووصل هذا التّلاحم الشّعبيّ أوجّه عام 2010، بعد المقابلة التّي جمعت الفريق الوطنيّ الجزائريّ لكرة القدم مع نظيره المصريّ، حيث أسفرت عن تفوّق رفاق عنتر يحي بهدف لصفر، وما ترتّب عنها من هجوم إعلاميّ مصريّ على الجزائر شعبًا وحكومةً وتاريخًا، بإيعاز من آلة التّوريث في مصر يومها،  إذ لمس الجزائريّون الذّين رافقوا فريقهم إلى السّودان الذّي احتضن المقابلة، معاملةً خاصّة من المواطنين السّودانيّين.

اقرأ/ي أيضًا: حنون تصف التطبيع الإماراتي مع إسرائيل بالخيانة

جعلت تلك المعاملة الأخويّة والحميميّة، في ذلك المفصل الاستثنائيّ؛ الجزائريّين يصنٍّفون الشّعب السّوداني في طليعة الشّعوب  العربيّة التّي يُبادلونها الودّ والمحبّة والتّقدير. فكانت صدمتهم بالتّطبيع الذي باشرته الحكومة السّودانية مع تل أبيب؛ هذه الأيّام، كبيرة وغير مهضومة، بالنّظر إلى معرفتهم لأنفة السّودانيين الذّين يشتركون معهم في المزاج نفسه.

يقول الشّاعر والمترجم محمّد بوطغان إنّ المخيال الشّعبيّ يكاد يكون نفسه في الجزائر والسّودان؛ "لذلك كان اندهاش الجزائريّين من تطبيع الخرطوم مع تل أبيب أكبر، من تطبيع أيّ عاصمة عربيّة أخرى. فهو لم يكن منتظرًا ولا متوقَّعًا تمامًا كما أنّ التّطبيع الجزائريّ غير منتظر".

غير أنّ الاحتجاجات الشّعبيّة التّي ظهرت بعد الإعلان الرّسمي عن الاتفاق بين مجلس السّيادة وحكومة الاحتلال الصّهيونيّ؛ يقول محدّث "الترا جزائر"، أظهرت أنّه تطبيع نظاميّ وليس شعبيًّا. وهو ما يجعل الفرحة به ناقصة لدى الإسرائيليّين الذّين يتعاملون مع التّطبيع العربيّ على أنّه فكُّ عزلةٍ عنهم وشرعنة لوجودهم. والجزائريّون يدركون هذا المعطى جيّدًا".

في السّياق نفسه، يقول المنتج التّلفزيونيّ خليل براهيمي إنّه صحيح أنّ فعاليات معيّنة في الدّول التّي سبقت السّودان إلى التّطبيع أعلنت عن رفضها لقرار حكوماتها، لكنّها بقيت محتشمة، بالنّظر إلى طبيعة أنظمتها الاجتماعيّة والسّياسيّة، فكان ردّ فعل الشّارع السّودانيّ واضح الرّفض، بما جعله يلفت انتباه الرّأي العامّ الدّوليّ إلى حقيقة تحاول تل أبيب التّغطية عليها هي أنّها مرفوضة فعلًا من طرف الشّعوب العربيّة. والعبرة في النّهاية بموقف الشّعوب لا الأنظمة".

يضيف براهيمي: "أتوقّع أن تتكرّس النّبرة الشّعبيّة الرّافضة للتّطبيع في السّودان مستقبلًا. وأتوقّع أن يرضخ أسياد المرحلة في مجلس السّيادة في الأخير ويتركوا فعلًا الفصل في الأمر للمؤسّسات الدّيمقراطيّة التّي ستنبثق في الأيّام القادمة".

من جهته؛ يدعو الممثّل المسرحيّ عبد العالي دبابش الفنّانين والمثقّفين السّودانيّين إلى الرّفض السّلمي لسياسة الأمر الواقع التّي قال إنّها تدين الضّمير السّودانيّ، "فإذا كان بعض السّياسيّين محكومين بمصالح معيّنة، فإنّ المصلحة التّي ينبغي أن يحتكم إليها الفنّان هي المصلحة الإنسانيّة. فما يحدث في فلسطين هي مسألة تصفية استعمار، وكلّ محاولة لقرائتها خارج هذا المعطى هي تواطؤ ضدّ القيم الإنسانيّة والحضاريّة".

ويتدارك دبابش بالقول: "أنا أخاطب الطّبقة الفنّيّة والثّقافيّة، أي الطّبقة التّي أنتمي إليها وهي الطّبقة المطالبة باسم روح الفنّ والثّقافة بالحفاظ على الضّمير العامّ للشّعب".

 من هنا، يوضّح الممثّل الجزائريّ، نجد المحسوبين على الفنّ في طليعة الوفود الاسرائيليّة التّي تزور الدّول العربيّة المطبّعة".

ويلفت محدّث "الترا جزائر" الانتباه إلى معطًى قال إنّه لا يجب الغفلة عنه هو أنّ تأمّلًا بسيطًا في تلك العروض يكتشف أنّها ذات روح فلسطينيّة. إنّ إسرائيل لم تكتفِ بسرقة الأرض فقط، بل سرقت تعابيرها الفنّيّة أيضًا".

التّطبيع السّودانيّ مع الاحتلال سيلتحق بما سبقه من تطبيعات عربيّة ظلّت مرتبطة بمستويات حكوميّة

ويبدو أنّ التّطبيع السّودانيّ مع الاحتلال الإسرائيلي سيلتحق بما سبقه من تطبيعات عربيّة ظلّت مرتبطة بمستويات حكوميّة فقط، من غير أيّ امتداد لها في الشّارع بفعالياته المختلفة، بما يجعله تطبيعًا فوقيًّا لا يحقّق السّلام الفعليّ الذّي يقول طرفاه الرّسميّان إنّه الهدف الأسمى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أحزاب جزائرية تندّد.. التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني طعنة في الظهر

"الأفلان" يدين اتفاق التطبيع بين البحرين والكيان الصهيوني