محمّد لخضر حمينة.. حكّاءُ وقائعِ سنين السّينما الجزائرية
24 مايو 2025
لم يكن أحدٌ ليتوقّع رحيل محمد لخضر حمينة المخرج العربي والأفريقي الوحيد الحائز على السّعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي سنة 1975،في نَفس اليوم الّذي عُرِضَت فيه النّسخة المُرمّمة من فيلمه الشّهير "وقائع سنين الجمر" في ذكراه الخمسين، خلال فعاليات نفس المهرجان في دورته 78.
توفّي المخرج والمنتج الجزائري القدير محمّد لخضر حمينة مساء الجمعة 23 ماي، في منزله العائليّ بالجزائر العاصمة بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز 91 عامًا.
حيث دار الحديث بالفعل طيلة اليوم حول هذا العرض وعن المشاعر المختلطة التي انتابت الحاضرين وهم يشاهدون هذا العمل التّاريخي المهمّ من جديد بحضور أحد أبنائه الذي آثر أن ينوب عن والده لعيش تلك اللّحظة، في حين ظلّ بقية أفراد عائلته إلى جانبه في لحظاته الأخيرة .
يعدّ محمد لخضر حمينة من بين أوائل المخرجين الجزائريين الّذين حملوا على عاتقهم سرد تاريخ الثّورة والكفاح الجزائري، وإيصال صوت الدّاخل المنسيّ آنذاك، إضافة إلى تقديم صورة واقعية وحقيقية عن معاناة الجزائريين من الاستعمار وتداعياته على عيشهم اليوميّ. فهو القائل خلال حوار سنة 1987: "أنا أحمل أرضي، أحمل هؤلاء الفلاّحين، وأولئك المُهانين في ذاتي، وسأدافع عنهم حتّى اللّحظة الأخيرة".
نعيٌ ملؤه العاطفة والامتنان
بعد إعلان وفاته، نشر أبناء حمينة "مليك وطارق" بيانًا يُنعِيان فيه والدهما ويُشيدان بأعماله ومآثره وما قدّمه للسّينما الجزائرية والعالمية.
أكّد البيان على أنّ الرّاحل قد "ترك إرثا سينمائيا لا يقدّر بثمن"، كما أنّه " اشتهر برؤيته الفريدة، وصنع تاريخً سينمائيًا بصفته أحد المخرجين الأفارقة والعرب القلائل الّذين تنافسوا لأربع مرّاتٍ في نسخ مختلفة من مهرجان كان السّينمائي، في حين فاز بجائزتين مهمّتين، الأولى عن فيلمه "ريح الأوراس"، والثّانية، كانت السّعفة الذّهبية عن فيلم "وقائع سنين الجمر" الذي يعدّ من بين أفضل الأفلام السينمائية في التاريخ حسب العديد من النّقاد وحسب مختلف التّقييمات العالمية .
محمد لخضر حمينة: أنا أحمل أرضي، أحمل هؤلاء الفلاّحين، وأولئك المُهانين في ذاتي، وسأدافع عنهم حتّى اللّحظة الأخيرة".
في نفس السّياق، قال أبناء حمينة أن والدهم "تمكّن من إقامة جسرٍ ثقافيّ حقيقيّ بين دول الجنوب ودول الغرب، فأصبح بذلك صوت العالم الثّالث، وصوتَ الجزائر لحوالي أربعين عامًا، حيث كان يعدّ الأكبر سنًّا من بين الفائزين بالسّعفة الذّهبية الذين ما زالوا على قيد الحياة".
صُدفةُ السّينما لدى حمينة
وُلد الرّاحل في 26 فبراير 1934 في ولاية المسيلة وسط الشّمال الجزائري، وقد كان من المقرّر أن يمتهن الزّراعة ، إلا أنّه تابع دراسته في سنواتها الأولى في الجزائر ثم سافر إلى فرنسا ليكمل تعليمه في مدرسة كارنو في كان الفرنسية، وقد تخرّج من جامعتي قالمة وأنتيب.
انضمّ إلى المقاومة الجزائرية في تونس من خلال الحكومة المؤقتة الجزائرية، حيث تابع تكوينه الأوّل هناك، وقد شاء له القدر أن يدخل بالصّدفة إلى عالم السّينما، حيث قال عن ذلك في أحد تصريحاته: "عندما وصلتُ إلى هناك سألوني عمّا يمكنني فعله، فأجبتُ إنّني مخرج أفلام".
تمّ إرسال محمد لخضر حمينة من طرف جبهة التحرير الوطني خلال سنة 1959 إلى براغ للدّراسة في مدرسة فامو للسّينما، ثم عمل في استوديوهات باراندوف حيث تخصّص في التّصوير الفوتوغرافي.

ذهب عدّة مرّات أثناء ذلك إلى تونس، أين صوّر مع جمال شاندرلي فيلمي "صوت الشّعب" و "بنادق الحرية".
بعد الاستقلال، قام محمّد لخضر حمينة بجمع مساعديه السّابقين الذين عملوا معه في تونس لوضع أساسات ما حمل اسم "مكتب العمليات الجزائرية" بعد ذلك، وأصبح مديرًا له بداية من عام 1963 إلى غاية حلّه خلال سنة 1974، ثمّ شغل بعد ذلك منصب مدير الدّيوان الوطني للتّجارة والصّناعة السّينماتوغرافية إلى غاية سنة 1984.
ملحمةُ ريح الأوراس
بعدما أخرج وثائقي "لكن يوم من نوفمبر" سنة 1964، قام حمينة بتصوير فيلمه الطّويل الأوّل "ريح الأوراس" خلال سنة 1965، حيث تدور أحداث هذا العمل حول امرأة تخرج للبحث عن ابنها المسجون أثناء الحرب بلا كلل.
وهي قصّة مستوحاة من حكايات جدّة المخرج كما هو مُتداول، وقد قالت الممثلة كلثوم الّتي أدّت دور البطولة أنّ شجاعة هذه الأم أصبحت مع الوقت قدوة لجميع الجزائريين.
قام حمينة بتصوير فيلمه الطّويل الأوّل "ريح الأوراس" خلال سنة 1965، حيث تدور أحداث هذا العمل حول امرأة تخرج للبحث عن ابنها المسجون أثناء الحرب بلا كلل، وهي قصّة مستوحاة من حكايات جدّة المخرج كما هو مُتداول
حصل هذا الفيلم بالنّهاية على جائزة الفيلم الأوّل في مهرجان كان سنة 1967، حيث كان أوّل فيلم جزائري يحتفل بالسينما الجزائرية الفتيّة التي دخلت بقوة إلى المهرجانات الدّولية، كما قال عنه النّاقد الفرنسي جان لوي بوري: ريح الأوراس يُنظَمُ في قصيدةِ الأرض الجزائرية، بفضل صُورٍ واسعة وبسيطة".
حسان طيرو.. بطل وهميّ في قالب كوميدي
بعد سنة (1968)، قدّم محمّد لخضر حمينة فيلم "حسان طيرو" الذي كان بمثابة قفزة تغيير قوية و تجربة جديدة للمخرج، حيث كتبه وأخرجه اعتمادًًا على أسلوب كوميدي وهزلي يحاكي ما كان يحدث خلال الثّورة الجزائرية، لكن من خلال شخصية حسان الذي أُقحِم رغما عنه في العمل الثّوري وأصبح بطلًا وهميًا، وقد قام الفنّان الراحل رويشد بتقديم شخصية البطل الذي كان ينتقل بين حالات نفسية عديدة في مواجهة مصيره، كما نال هذا الفيلم شعبية غير مسبوقة بين الجمهور الذي ما يزال يستذكر إلى غاية اليوم هذه الشّخصية المثيرة للجدل.
ديسمبر .. التّعذيب وذكرى الأب الأليمة
عقب ذلك بسنوات، قدّم حمينة فيلمه الطّويل الثّالث "ديسمبر" خلال عام 1972، حيث عالج فيه قضية التّعذيب، وقد تأثّر في عمله هذا بقصّة والده المجاهد الّذي توفي تحت التّعذيب إبّان سجنه وقت الإستعمار الفرنسي.
تدور أحداث الفيلم في الجزائر العاصمة، حيث يتمّ اعتقال أحد قادة جبهة التّحرير الوطني من طرف الجيش الفرنسي، وتُسلّط أبشع أنواع التّعذيب على السّجناء بغية استنطاقهم، وهنا يلعب المخرج على نقطة الضّمير لدى الضّابط الفرنسي، حيث تنتقل المشاهد بين المعذَّب والمعذِّب مع العودة إلى ذكريات طفولة السّجين في قالب مأساوي خانق يظهر مآسي الجزائريي مع جرائم الاستعمار في سجون فرنسا الكولونيالية.
سعفة ذهبية لوقائع سنين الجمر
يعدّ فيلم "وقائع سنين الجمر" الأبرز من بين أفلام حمينة، فقد قدّمه سنة 1974، حيث تمّ تصويره في الأغواط، سور الغزلان وغرداية، كما كتب السّيناريو كلّ من توفيق فارس، رشيد بوجدرة ومحمد لخضر حمينة.
كان هذا العمل متقنا من النّاحيتين الفنية والتّقنية، إذ تمّ تصويره بالألوان، وبصيغة بانورامية وصوت مجسّم، كما أنّه أثار العديد من النّقاشات الحيوية والخلافات حول آلام الاستعمار وجراح الحرب التي لم تلتئم بعد بين فرنسا والجزائر، ما جعل أعضاء اللّجنة في ارتياب، لكن رغم كلّ ما أثاره هذا الفيلم من جدل خلال تلك الطبعة من مهرجان كان السينمائي، إلاّ انّه افتكّ عن جدارة جائزة السّعفة الذهبية سنة 1975، كما أن لجنة التّحكيم في ذلك الوقت أشادت بالإجماع بالعمل الكبير المنجز في هذا الفيلم، وأشارت إلى الأسلوب الفنّي المنتهج، والذي جسّد بصدق كبير ذلك الغضب وتلك الثّورة المتفجّرة لدى الجزائريين.

في تصريح سابق عن هذا الفيلم، قال محمد لخضر حمينة:" لقد أردتُ أن أشرح لأوّل مرّة من خلال هذا الفيلم، كيف حدثت الحرب في الجزائر، إنّ هذه الثّورة الّتي أصبحت الثّورة الجزائرية، لم تكن ضدّ المستعمر فحسب، بل كانت ضدّ حَالِ الإنسان".
كما أضاف في تصريح آخر: "إنّ فيلمي هذا ليس سوى رؤية شخصية حتّى لو كان مبنيا على حقائق معيّنة".
محمد لخضر حمينة:" لقد أردتُ أن أشرح لأوّل مرّة من خلال هذا الفيلم، كيف حدثت الحرب في الجزائر، إنّ هذه الثّورة الّتي أصبحت الثّورة الجزائرية، لم تكن ضدّ المستعمر فحسب، بل كانت ضدّ حَالِ الإنسان".
تبدأ قصة الفيلم في عام 1939 وتنتهي في نوفمبر 1954، حيث يتّضح من خلال الأحداث أن الفاتح من نوفمبر 1954 لم يكن صدفة أو حدثًا عابرًا في تاريخ الجزائر، بل كان وليد فترة طويلة من المعاناة، بداية من الكفاح السّياسي ثم الكفاح المسلّح الذي قام به الشّعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي الذي عمّر طويلاً وصنع تلك المقاومة.
ينقسم الفيلم إلى 6 فصول وهي: سنوات الرّماد، سنوات الجمر، سنوات النّار، سنة العربة،سنة المسؤول، والفاتح من نوفمبر 1954.
يذكر أنّ الرّاحل محمد لخضر حمينة قد تمّ تهديده بالقتل خلال عرض هذا الفيلم في مهرجان كان سنة 1975 من طرف منظّمة الجيش السرية الإرهابية التي شُكِّلَت سنة 1961 دفاعًا عن الوجود الفرنسي في الجزائر وضد استقلالها، وقد أرسل ميشيل بوناتوفسكي، وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، فرقة أمن لحماية المخرج وأبنائه الذين كانوا متواجدين في المهرجان، كما تمّ إطلاق العديد من إنذارات القنابل خلال تلك الطبعة.
مخرج، منتج، ممثّل وأب فنّانين أيضًا
قدّم حمينة للسينما كمخرج أيضا أفلام أخرى وهي "رياح رملية" سنة 1982، "الصّورة الأخيرة" 1986، "غسق الظّلال" 2014.
أمّا في الإنتاج، فقد أنتج الرّاحل وشارك أيضًا في إنتاج أكثر من ثلاثين فيلمًا أهمها فيلم "زاد" لكوستا غافراس و "الحفل الرّاقص" للمخرج إتور سكولا، كما قدّم دورين في التمثيل، الأول في فيلمه وقائع سنين الجمر عن دور الحكاء المجنون، والثّاني في دور بشير في فيلم "أتّهم" للمخرج رومان بولانسكي.
يجدر بالذّكر أن أبناء محمد لخضر حمينة يشتغلون أيضًا في السينما، حيث يعدّ ابنه ماليك مخرج وممثّل في حين يستغل شقيقه طارق في الإنتاج السّينمائي والتّمثيل.
الكلمات المفتاحية
تزامنًا مع زيارة البابا.. الجزائر تتحرك لتصنيف المسارات الأغسطينية لدى اليونسكو
تضم "المسارات الأغسطينية" مجموعة من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية المنتشرة عبر شرق ووسط الجزائر، من بينها هيبون (عنابة)، كالاما (قالمة)، تيبيليس (سلاوة عنونة)، توبيرسيكو- نوميداروم (خميسة)، مادور (مداوروش)..
الجزائر تودع ملفات البلوزة وأغاني المداحات لدى اليونسكو
بحسب بيان وزارة الثقافة والفنون "جاء في مقدمة هذه الملفات التراثية ملف فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري الكبير: معارف، ومهارات ومراسم
محافظة مهرجان عنابة تخرج عن صمتها وتوضح حقيقة استقالة المكلّف بالإعلام
وأوضحت مديرية الإعلام بعنابة السينمائي أنّ "هذا الشخص لم يُعيّن في أي منصب رسمي، ولا تربطه حالياً أي علاقة تنظيمية بإدارة المهرجان."
هذا جديد طعون الشباب غير المستفيدين من منحة البطالة
أمر وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، بصرف معاشات المتقاعدين خلال الأسبوع الأول من شهر ماي 2026، مرفقة بالزيادات الجديدة، مع التشديد على اتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان احترام هذا الأجل دون تأخير.
خطوة استباقية لتفادي اضطرابات تموين الوقود في الجزائر
ترأس وزير المحروقات، محمد عرقاب، رفقة الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، اجتماعًا تنسيقيًا خُصّص لبحث مشروع منظومة وطنية لمتابعة تموين السوق وضمان السير الحسن للخدمة العمومية.
تحديد موعد اختبار التربية البدنية للمترشحين الأحرار في "البيام" والبكالوريا
أوضحت الوزارة أن هذا الاختبار سيجرى خلال الفترة الممتدة من 03 إلى 16 ماي 2026، وذلك وفق التاريخ والتوقيت المحدد في استدعاء كل مترشح.
تحذير من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.. ما القصة؟
حذّرت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات اليوم الأحد، من تداول إعلانات مفبركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو المواطنين إلى التسجيل في القوائم الانتخابية عبر روابط إلكترونية مشبوهة