مدارس

مدارس "الحساب الذهني" في الجزائر.. ثقافة جديدة أم حيلة تجارية؟

أصبحت تقنية "السوروبان" معتمدة في مدارس حصص الدعم (فيسبوك/ الترا جزائر)

"لم أجد حلًا لمشكلة ولدي المُقبل على امتحانات نهاية الابتدائي، فهو يعاني مشكلةً كبيرةً في استيعاب الرياضيات، المادة الأساسية ذات المعاملين التي يُمكن أن تحدّد مصيره. هو لا يعاني تأخّرًا عقليًا، لكنه يكره هذه المادّة لسبب لا أعلمه ولا يتردّد في التصريح بذلك". هكذا تصرّح السيدة أسماء، لتجد الجواب عند زميلتها: "عليك بإدخاله إحدى مدارس تعليم السوروبان، فإن لم يتعلّم شيئًا هناك، فحتمًا سيتخلّص من شبح عقدة الرياضيات إلى الأبد". تطرحُ أسماء عدّة أسئلة حول الموضوع، وقد زادت حيرتها عندما سمعت باسم "السوروبان" لأوّل مرّة.

يطالب مهتمون بالحساب الذهني بإدراج "السوروبان" في المقرّرات الدراسية الرسمية

لم يعد "السوروبان" و"الحساب الذهني" غريبًا عند كثير من الجزائريين، وهو الذي انتشر في أكثر من 20 ولاية (من أصل 48 ولاية)، وأصبح مقترحًا تارة في دورات التنمية الذاتية، وتارةً أخرى في مدارس الدروس التدعيمية، أو ما يُعرف بـ"الدروس الخصوصية".

اقرأ/ي أيضًا: أولمبياد الرياضيات.. الجزائر خارج انتصارات كرّة القدم

ليس غريبًا اليوم، أن تجد داخل مدارس تقديم دروس الدعم لمختلف الأطوار التعليمية، قسمًا خاصًا لـ"السوروبان"، وكأنها مادّة مقرّرة في البرنامج.

 وصل الأمر إلى درجة طلب البعض بدمجها في المنظومة التربوية، "لما لها من فائدة على تنمية ذكاء الطفل" كما يعتقد البعض، غير أن البعض الآخر يقول إنها مجرّد تقنية "بسيطة" يُمكن تعلّمها بسهولة دون اللجوء إلى صرف الأموال، أو جعلها مادة مستقلّة في البرنامج الدراسي.

تقنيات القرن الرابع عشر

ولمن لا يعرف "السوروبان"، فهو تقنية عدّ يابانية، ظهر مع القرن الرابع عشر الميلادي، وهو تطوير للمعداد الصيني القديم الذي ظهر قبل ذلك بكثير، كما ظهر في كوريا.

يشبه "السوروبان" كثيرًا الآلة الحاسبة الإلكترونية التي غزت العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، مع ثمنها الزهيد وسهولة استعمالها، إلى درجة قضت بشكل كبير على الحساب الذهني، وأصبح كثير من التلاميذ لا يحفظون حتى "جدول الضرب"، وهو أساس علم الحساب وعلوم الرياضيات والفيزياء بعد ذلك.

ولئن كانت القوانين صارمة في وقت سابق بخصوص الآلة الحاسبة الإلكترونية، حيث كان يُمنع استعمالها خلال الامتحانات الرسمية وغير الرسمية، بل وحتى داخل الفصول المدرسية، إلا أنّه مع مرور السنين، أصبح يُسمح باستعمال الآلة البسيطة دون الحاسبات العلمية، المصمّمة لحلّ المسائل العلمية في الرياضيات والهندسة، والقيام بالوظائف المعقّدة مثل رسم المنحنيات البيانية، وحساب الأرقام العشرية والكسور والمثلّثات والوظائف اللوغاريتمية.

بلغ أمر الاعتماد على الآلة الحاسبة مداه، إلى درجة أن أحد الكُتّاب الساخرين، قال إنّه في حالة وقوع كارثة على الأرض، ودُمرت كل الأجهزة والمنشآت، فإنّ القائمين على شؤون البلدان، سيضطرون للبحث عن القلة القليلة جدًا من الذين ما يزالون يحفظون جدول الضرب من أجل إعادة بناء العالم من جديد.

ظاهرة اجتماعية أم تجارية؟

وأمام هذه المشكلة المستعصية، وفي ظلّ العولمة والبحث عن الأنظمة التعليمية البديلة، جاء من أحيا طريقة "السوروبان" بدافع الفضول ثم تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية وحتّى تجارية، تكاد تنافس التعليم الرسمي، وأصبح الكثير يطالب بها كمادة قائمة بذاتها في المقرّرات المدرسية.

من روّاد "السوروبان" في الجزائر المدربة خديجة بوخالفة، صاحبة برنامج "علمني السوروبان" الذي استقطب كثير من الأطفال على مستوى أكثر من عشرين ولاية جزائرية، واستطاع بعضهم الفوز بميداليات ذهبية وفضية في كثير من المسابقات الدولية التي تجري في تركيا وغيرها من البلدان.

تقول المدرّبة خديجة بوخالفة في تصريح لـ"الترا جزائر"، إنّ مدرستها انطلقت في التجسيد سنة 2008، وإن الفكرة بدأت مع اكتشاف تلك التقنية "التي أثبتت نجاعتها في أكثر من 80 بلدًا أجنبيًا". وانطلقت في تدريب الأطفال عبر "مركز BBF  للتدريب والتطوير"، ولأنّها آمنت بالفكرة فقد انتشرت عبر مختلف ربوع البلاد.

كانت البداية في مدينة بسكرة (حوالي 450 كيلومتر جنوب شرق الجزائر العاصمة)، قبل أن تتحوّل إلى ولاية باتنة المجاورة. وكان التحدّي الأكبر هو إقناع أولياء التلاميذ بالفكرة الجديدة، قبل أن يروا نتائجها الميدانية وآثارها على الأرض، ولعل أهمّها كسر الحاجز النفسي أمام شبح الرياضيات.

تكوين المدرّبين

وعلى غرار دورات التنمية البشرية، أصبح المدّرب بوكري بوحفص، يقدّم دورات لتدريب المدرّبين، حيث يُمكن أن تقام الدورة في ستة أيّام عبر مختلف أنحاء البلاد، ومن هنا أصبح المدرّبون ومدارس التعليم الذهني في تزايد مستمرّ.

يقول بوحفص، وهو صحافي سابق في تصريح لـ "الترا جزائر" إنّه شخصيًا استفاد من تلك التقنية، وهو الذي كان في السابق ضعيفًا في الحساب الذهني والحساب عمومًا، لكن التقنية فتحت ذهنه على "فكر جديد" لم يكن يعرفه ورأى نفسه يتطوّر بشكل ملفت.

عن دورات تكوين المدرّبين، يقول بوحفص إنّ الاتصال يتمّ عبر حسابات المدرسة على مواقع التواصل الاجتماعي، وعندما يكتمل نصاب أصحاب الطلبات في أي ولاية من ولايات البلاد، تُقام الدورة خلال أيّام، ويحصل المتدرّب على دبلوم يمكّنه من الاشتغال به، سواءً عن طريق بعض المدارس الخاصّة التي تقدّم دروسًا خصوصية في مختلف المواد التعليمية، أو يفتح له مدرسة صغيرة متخصصة، ويؤكّد أن كثيرًا من الذين درّبهم تحوّلوا إلى مدرّبين ناجحين.

يتجدّد الجدل في كلّ مرة عن جدوى طريقة "السوروبان" التي يعتبرها خصومها مجرّد "حيلة تجارية"

ومع انتشار مدارس "السوروبان" عبر مختلف أنحاء الجزائر، يتجدّد الجدل في كلّ مرة عن جدوى هذه الطريقة، بين من يعتبرها مجرّد "حيلة تجارية" على غرار كثير من مراكز التنمية البشرية، وبين من يُدافع عنها إلى درجة المطالبة بدمجها في المنظومة التربوية، نظرًا لأثرها الكبير في حلّ عقدة الرياضيات لدى كثير من التلاميذ. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"المتوسط".. السنوات الأصعب عند التلميذ الجزائري

الإنكليزية بدل الفرنسية... باريس تشنّ هجومًا معاكسًا