مدرجات شبه خاوية في الجامعات الجزائرية.. لماذا يقاطع الطلبة المُحاضرات؟
16 أكتوبر 2025
مع بداية كل موسم جامعي، يعود الجدل مجددًا حول غياب الطلبة عن المدرجات، وهي ظاهرة باتت تُثير قلق الأسرة الجامعية وتطرح تساؤلات عميقة حول علاقة الطالب بالمقرر الجامعي.
التعليم عن بُعد خلال جائحة كوفيد -19 غيّر علاقة الطالب بالمُحاضرة الحضورية، حيث أصبح الاعتماد على الإنترنت عادةً يصعُب التخلّي عنها
فبين مدرجات شبه فارغة وأساتذة يدرّسون أمام مقاعد خالية، برزت دعوات لإعادة تقييم المنظومة التكوينية، خاصة بعد التحذيرات البرلمانية واعتراف وزارة التعليم العالي بأن الظاهرة باتت واقعًا لا يمكن تجاهله.
ويبرّر بعض الطلبة غيابهم دون عقدة، بما يرونه افتقاد الفائدة العلمية من الحضور، إذ يرى كثيرون أن المحاضرات باتت تكرارًا لمذكرات جاهزة أو شرائح تُقرأ دون تفاعل، فيفضّلون المراجعة الذاتية أو متابعة التسجيلات عبر المنصات الرقمية.
وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري في رده على سؤال شفوي بالبرلمان: عزوف الطلبة عن حضور المحاضرات ليس ظاهرة محلية فحسب، بل تُسجَّل أيضًا في أنظمة تعليمية عالمية
ويرى بعضهم أن التعليم عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19 غيّر علاقة الطالب بالمحاضرة، حيث أصبح الاعتماد على الإنترنت عادةً يصعب التخلّي عنها. في المقابل، يحمّل آخرون المنظومة مسؤولية الغياب بسبب غياب المراقبة والعقوبات، إذ ينجح المتغيب مثل المواظب، مما يقلل من قيمة الحضور.
البرلمان يتدخل
وكانت النائبة بلقاضي خديجة قد لفتت في جلسة في المجلس الشعبي الوطني، انتباه وزير التعليم العالي إلى ما وصفته بـ"الهجرة الجماعية" من مدرجات الجامعة، مؤكدة أنها وصلت إلى حدّ أن يُدرَّس الأستاذ أحيانًا أمام ثلاثة طلبة فقط.
وفي رده، أوضح الوزير كمال بداري أنّ عزوف الطلبة عن حضور المحاضرات ليس ظاهرة محلية فحسب، بل تُسجَّل أيضًا في أنظمة تعليمية عالمية، معتبرًا أن لكل دولة ظروفها الخاصة التي تؤثر في علاقة الطالب بالدروس الحضورية.
أسباب الظاهرة
ومن وجهة نظر أساتذة الجامعات، يقول الدكتور ربيعي عبد الكريم، أستاذ الكيمياء بجامعة الوادي في حديث لـ"التراجزائر"، إن الجامعة الجزائرية في السنوات الأخيرة عرفت تراجعًا واضحًا في حضور الطلبة للمحاضرات مقارنةً بالماضي، خاصة بعد فترة وباء كوفيد-19، حيث تغيّرت علاقة الطالب بالدروس، وأصبح يعتمد بشكل واسع على المذكرات الجاهزة المتوفرة في المكتبات، أو على التسجيلات المتداولة بين الزملاء، بدل الالتزام بالحضور المباشر. ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على العلوم الاجتماعية والإنسانية، بل امتدت حتى إلى التخصصات العلمية والتكنولوجية التي كانت سابقًا معروفة بالانضباط.
ويرى الأستاذ ربيعي أن أسباب الغياب لا ترتبط أساسًا بصعوبة المواد أو بأسلوب التدريس، بل بعقلية تشكلت خلال فترة الجائحة، حين استفاد الطلبة من تسهيلات وإعفاءات استثنائية اعتبروها لاحقًا "حقًا مكتسبًا".
بالإضافة إلى غياب المحاسبة وغياب الردع شجّعا الطلبة على مقاطعة المحاضرات، لتصل الظاهرة اليوم حتى إلى الأعمال الموجهة والتطبيقية، رغم أن هذه الحصص كانت دائمًا أكثر التزامًا. وكما ساهمت المنصات الرقمية مثل يوتيوب وقنوات تليغرام في تعزيز هذا الميل، إذ بات بعض الطلبة يرون أن التحضير الفردي يكفيهم دون ضرورة الحضور.
ورغم أن اعتماد طرق تدريس تفاعلية يعتمد على التجارب والتطبيقات قد يجذب فئة محدودة من الطلبة الجادين، إلا أن شريحة واسعة من الطلبة لا تهتم بهذه الأساليب، وهدفها الأساسي هو الحصول على الشهادة بأقل جهد ممكن، بغض النظر عن القيمة العلمية أو جودة التكوين.
تأثيرات سلبية
أما عن العواقب، قيؤكد الأستاذ أن غياب الطالب عن المحاضرة يؤثر بعمق على فهمه للجوانب التطبيقية، خاصة في المواد التي تتطلب ترابطًا بين الجانب النظري والعملي. فالطالب الذي يتغيب يفقد المنهجية، ويصبح عاجزًا عن تحليل التمارين أو فهم التجارب، مما يضطر الأستاذ إلى استهلاك وقت كبير في إعادة شرح أساسيات كان من المفترض اكتسابها خلال المحاضرات.
أستاذ الكيمياء بجامعة الوادي ربيعي عبد الكريم لـ" الترا جزائر": غياب الطالب عن المحاضرة يؤثر بعمق على فهمه للجوانب التطبيقية، خاصة في المواد التي تتطلب ترابطًا بين الجانب النظري والعملي
وحول الإجراءات العقابية، يرى الأستاذ أنها ضرورية وفعّالة، مستشهدًا بتجربته في المدرسة العليا للأساتذة، حيث يلتزم الطلبة بالحضور خوفًا من الإقصاء. غير أنه يؤكد أن الردع وحده لا يكفي، بل يجب أن يُرفق بوعي أكاديمي وتحفيز إيجابي.
والحل هنا، حسبه، يكمن في الجمع بين إجبارية الحضور وتجديد المحتوى البيداغوجي. ففرض النظام يُعيد للمدرج هيبته، بينما تحديث طرق التدريس يعيد للدرس قيمته. وبين هذا وذاك، يمكن خلق تقاليد جامعية جديدة تُعيد الاعتبار للمحاضرة.
ويختم الأستاذ بالتنبيه إلى أن الغياب وإن كان ظاهرة عالمية، إلا أنه في الجزائر بلغ مستوىً غير مسبوق، حيث تصل بعض المحاضرات إلى حضور صفري، وهو أمر لا يُقارن مع نسب الغياب في جامعات أجنبية، حيث يبقى الحضور في حدود مقبولة تفوق 60%.
تأثير المنصات الرقمية
حسب رأي الدكتورة مروة معمري، أستاذة محاضرة في الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، أنّ عزوف الطلبة عن حضور المحاضرات لم يعد مجرد نتيجة لعدم إجبارية الحضور، بل هو تحول أعمق فرضته ظروف متعددة تراكمت خلال السنوات الأخيرة.
وأوضحت ذلك في تصريح لـ"الترا جزائر" قائلة: "مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19 كانت نقطة مفصلية، إذ تم إلغاء نظام الإقصاء وتقليص الحجم الساعي للدروس، واعتماد التعليم عن بعد، ما جعل الطالب يعتاد على تلقي المعرفة عبر الوسائط الرقمية دون الحاجة إلى الوجود الفعلي في المدرج. ومع توفر المحاضرات المصوّرة والموارد التعليمية عبر الإنترنت، أصبح التنقل إلى الجامعة مرهقًا وغير محفّز".
أستاذة محاضرة في الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر مروة معمري لـ" الترا جزائر": عُزوف الطلبة عن حضور المحاضرات لم يعد مجرد نتيجة لعدم إجبارية الحضور، بل هو تحول أعمق فرضته ظروف متعددة تراكمت خلال السنوات الأخيرة
وتُضيف الأستاذة معمري أن عوامل أخرى ساهمت في ترسيخ هذا السلوك، خاصة مشكلات النقل والاكتظاظ المروري، وسكن الطلبة في المدن الجديدة بعيدًا عن الحرم الجامعي، في ظل غياب وسائل نقل جامعي فعّالة. في المقابل، يستهلك الطالب اليوم محتوى رقميًا سريعًا وقصيرًا، ما أثّر على صبره واستعداده للجلوس لساعات في المدرجات.
أمّا من حيث المناهج، تأكد الدكتورة أنها تطرح إشكالات تتعلق بملاءمة بعض المقاييس لتخصصات الطلبة، حيث يُطلب من طلبة الإعلام مثلًا دراسة مواد لا ترتبط بتطلعاتهم المهنية، مما يفقدهم الحماس مبكرًا.
علاقة الطالب بالأستاذ عامل مؤثر، حسب المتحدثة لأن "الأستاذ غير المتمكن من مادته قد يكون سببًا مباشرًا في الغياب، في حين يُصاب الأستاذ المجتهد بالإحباط عندما يواجه مقاعد فارغة رغم جهده في إعداد دروس تفاعلية".
هوس النتيجة
تؤكد الدكتورة أن النجاح الجامعي لم يعد مؤشرًا على اكتساب المعرفة، إذ بات كثير من الطلبة يعتمدون على الغش أو تبادل المحاضرات أو طلب نقاط إضافية، مما يقلل من قيمة الحضور الأكاديمي. ومع التحول الرقمي، لم يعد التعليم الحضوري الشكل الوحيد للعملية التعليمية، فالطالب يمتلك اليوم القدرة على التعلم في أي زمان ومكان، عبر منصات رقمية تتيح تبادل الأدوار بين الأستاذ والطالب.
وختمت الأستاذة معمري حديثها، بأن الجامعة لم تعد تقليدية، بل انتقلت نحو نمط جديد أقرب إلى جامعات الجيل الرابع. غير أن جزءًا من الطلبة بات ينظر إلى الشهادة كحق يمكن نيله بأقل جهد، أو حتى كوسيلة للهروب من التزامات اجتماعية كأداء الخدمة العسكرية، وهو ما يعمق الهوة بين الجامعة كمؤسسة للتكوين العلمي وبين الطالب كمُتلقٍّ يبحث عن نتيجة أكثر من مسار علمي.
الكلمات المفتاحية
بعد سنوات من التأخر.. هل تُغلق الجامعات باب التمديد أمام الدكتوراه؟
يعود ملف الباحثين في سلك الدكتوراه المتأخرين في تسليم أطروحاتهم ومناقشتها إلى الواجهة، وذلك في خضم تداول تعليمة وزارية موجهة للجامعات بضرورة مناقشة أطروحات المتأخرين في سلك الدكتوراه قبل نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر 2026، لتطرح فرصة للباحثين لإتمام أطروحاتهم، وإغلاق ملفات عالقة منذ سنوات؛ في مقابل فتح نقاش أوسع حول طبيعة التأخر في إنجاز الأطروحات.
الجزائريون ينتظرون كباشًا أكبر… هل تتحسن تجربة استيراد أضاحي العيد؟
هذه السنة، ومع اقتراب عيد الأضحى، تستعد الأسواق الجزائرية لاستقبال خرفان العيد المستوردة بسقف سعر وصل إلى 50 ألف دينار (حوالي 227 دولارا للخروف الواحد)، في خطوة تهدف إلى توفير أضاحي ذات حجم وجودة مناسبة لكل الأسر
جدلٌ حول الفصل الثالث في الجزائر.. أيّ تأثير على مترشحي الامتحانات المدرسية الرسمية؟
كشفت وزارة التربية الوطنية عن رزنامة جديدة تخص إجراء امتحانات الفصل الثالث بالنسبة للسنة الرابعة متوسط والثالثة ثانوي، بتقديمها إلى بداية شهر ماي المقبل، وذلك بعدما أثارت الرزنامة السابقة التي كانت مقررة في منتصف الشهر نفسه ضجة واستياء من قبل تلاميذ الطور المتوسط.
هذا جديد طعون الشباب غير المستفيدين من منحة البطالة
أمر وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، بصرف معاشات المتقاعدين خلال الأسبوع الأول من شهر ماي 2026، مرفقة بالزيادات الجديدة، مع التشديد على اتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان احترام هذا الأجل دون تأخير.
خطوة استباقية لتفادي اضطرابات تموين الوقود في الجزائر
ترأس وزير المحروقات، محمد عرقاب، رفقة الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، اجتماعًا تنسيقيًا خُصّص لبحث مشروع منظومة وطنية لمتابعة تموين السوق وضمان السير الحسن للخدمة العمومية.
تحديد موعد اختبار التربية البدنية للمترشحين الأحرار في "البيام" والبكالوريا
أوضحت الوزارة أن هذا الاختبار سيجرى خلال الفترة الممتدة من 03 إلى 16 ماي 2026، وذلك وفق التاريخ والتوقيت المحدد في استدعاء كل مترشح.
تحذير من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.. ما القصة؟
حذّرت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات اليوم الأحد، من تداول إعلانات مفبركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو المواطنين إلى التسجيل في القوائم الانتخابية عبر روابط إلكترونية مشبوهة