ultracheck
منوعات

من الرحبة إلى مكة… مْدُوكال وذكريات قوافل الحجاج الجزائريين

23 فبراير 2026
مدوكال
طاهر حليسي
طاهر حليسي الجزائر

على بُعد ثلاثين كيلومترًا ونيّف، جنوبَ غربِ ولاية بريكة المنتدبة شرقي الجزائر، ووسطَ واحةٍ منتجةٍ للتمور والغلال، تبرز بناياتٌ عريقةٌ متّحدة النسق العمراني، كأنّها هندسةٌ قصورية، تعلوها مئذنةٌ مسجد تظهر من الاتجاهات الأربع، بما أنّها شُيّدت فوق هضبةٍ صخرية رابية.

تُسمّى هذه البلدة مْدُوكَالْ، وهي في الأصل إِمْدُوكَالْ وتعني "الأصدقاء والرفاق والأحباب" بالأمازيغية،  كانت تضمّ بين دورها الطينية مسجدًا عريقًا تُقام فيه الجمعة منذ زهاء ألف عام، فيما كانت ساحة الرحبة المقابلة له ملتقى المؤمنين وأحباب الله الذين يشدّون إليها الرحال، قبل السفر الروحي العظيم إلى مكة المكرمة.

يجمع مختصون في التاريخ، من بينهم الجمعي طيبي، وموسى حميش، والدكتور أسامة طيب جعيل، على أنّ مدوكال بُنيت فوق مدينة رومانية تُسمّى "أكوا فيفا"، أي "ماء الحياة"، لكثرة مياهها وبساتينها، وقد أنشأتها روما بغرض مراقبة القوافل التجارية بين طرق الشمال وبلاد الزاب، قبل أن تصبح حاضرةً إسلامية في العصر الوسيط، وكانت محطة عبورٍ للأصدقاء والأحباب الذين يتجمعون بها في طريقهم إلى أداء فريضة الحج، وعلى هذا النحو سار تاريخ هذه المدينة قرونًا طويلة".



وتلك المئذنة المغاربية هي المسجد العتيق الذي يسمّونه جامع الجمعة، وهو شقيقٌ أكبر لمسجد آخر هو مسجد سيدي محمد الحاج الذي انتقلت إليه إمارة الحجيج، وفي البلدة ساحةٌ تُسمّى الرحبة، ترتبط بجامع الجمعة عبر "بابة الرحبة"، تتلوها أربعة أبواب هي: الحمراية، والنادر، والسور، وباب سيدي مسعود المؤدي إلى جبلٍ يحمل اسم هذا الولي الصالح، كما تتدفّق فيها عينٌ جارية تُسمّى عين وسط البلد أو رأس العين.

يؤكد الباحث في تاريخ المنطقة، موسى حميش، أنّ المسجد العتيق بُني نحو سنة 1060م، أي في 480هـ، خلال القرن الخامس الهجري، على مساحة 245 مترًا مربعًا، بمنارةٍ يصل ارتفاعها إلى ثمانية عشر مترا، وهي ذات طرازٍ مغاربي خالص. أمّا الدعامات الأسقفية فقد قدّت من خشب النخيل والزيتون. أدّى جامع الجمعة دورًا تعليميًا كبيرًا، إذ كان حاضنًا لكبار العلماء، حيث يوضح: "درس فيه علماء أجلاء مثل الشيخ صالح محمد الزواوي المدوكالي الذي تخرّج من الزيتونة، وعبد القادر بن الموهوب بن بليوز الذي اشتهر بدمشق، والشيخ محمد دحماني الذي مارس الإمامة بين جنباته، وترك مصحفًا باسمه بعدما أنفق سنواتٍ طويلةً من عمره في كتابته بيده، ولا يزال هذا المصحف يزيّن رفوف قاعة الصلاة إلى يوم الناس هذا".

ويقرّ الباحث والأستاذ الجامعي أسامة طيب جعيل، المتخصص في التاريخ الوسيط لـ"الترا جزائر" مفصلاً: " جامع الجمعة أعرق مسجدٍ في هذه الجهة، إذ يرجع بناؤه على الأرجح إلى الفترة الوسيطية، غير أنّ ذكره يغيب في مصادر تلك المرحلة، وأوّل مصدرٍ تحدّث عن مدينة إمدوكال ومسجدها كان في أواسط القرن السابع عشر الميلادي، حين ذكرها الرحالة عبد الرحمن بن محمد المجاجي في رحلته إلى الحج سنة 1063هـ/1652م، حيث وصف في قصيدته مدينة إمدوكال بأنها دار الأمير، ويقصد أمير ركب الحج الذي كان لآل سيدي محمد مقران بن الولي الصالح سيدي محمد بن المسعود بن سيدي الموهوب بن سيدي محمد الحاج، وهي العائلة التي توارثت إمارة الحج فترةً من الزمن، خاصة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر".

الظهير السلطاني

يتابع الأستاذ جعيل: "لعب جامع الجمعة دورًا بارزًا في تجميع الحجيج المتوجهين إلى بيت الله الحرام عبر قوافل الركب، وكانت به ثلاث كتاتيب لتعليم القرآن، وعُدّ من أعرق بيوت الله بولاية باتنة قبل التقسيم الإداري الذي رفع بريكة إلى مصافّ ولاية، وتُسمّى الساحة التي تقابله ساحة الحجاج أيضا. 

وفي انتظار أن تُجرى الحفريات في مدينة طبنة التاريخية، التي تضمّ مصلى أقامه التابعي عقبة بن نافع الفهري، قبل أن يعود الوالي عمر بن حفص (151–154هـ) إلى تشييده مسجدًا في غمار ترميم هذه المدينة وتحصينها، في مرحلة تلت سقوط واسترجاع مدينة القيروان من يد الخوارج الصفرية".

لم تتوقف مساجد بلدة رفقاء الطريق عن أداء دورها في تجميع الحجيج، بل استمر هذا الدور في العصور الحديثة مع مقدم سلالة الشيخ سيدي محمد سي الحاج خلال القرن الخامس عشر. ويوضح الأستاذ جعيل قائلاً: "آلت خدمة الحجيج المرتحلين إلى البقاع المقدسة في تلك الأزمنة إلى أبناء هذا الشيخ الجليل، واستمرت إمارة الركب في نسله ردحًا طويلًا من الزمن دام قرنين من الزمن".

ويضيف الإعلامي بوحفص بوكري المنتمي لسلالة أولاد سيدي محمد سي الحاج: "تمتعت مدوكال زمن الخلافة العثمانية بميزة فريدة؛ إذ عُيّن المنحدرون من صلب هذا الفقيه خلال القرنين السابع والثامن عشر أمراء لركب الحجيج بظهيرٍ سلطانيٍّ عثماني، وهو ما يعادل اليوم، من حيث القوة القانونية والشرعية، مرسومًا رئاسيًا نافذا".

ويتابع: "كانت إدارة شؤون الحجيج عملية دقيقة ومحورية، حيث يتجمع الراغبون في أداء الرحلة، ويُعيَّن مسؤولٌ تجاري للقافلة يتكفل بحاجياتهم، فتُشترى المؤن من الأسواق، ويحمل كلُّ حاجٍّ زاده على راحلته، تحت إمرة أمير الركب الذي لا تُعطى إشارة الانطلاق إلا بأمره ".

ما بين أعوام 1749 و1765 م، عيّن الشيخ سيدي محمد المسعود بن الشيخ الموهوب بن سيدي محمد الحاج، أميرا للركب بالجزائر المحروسة، وشارك في تلك الرحلة الشيخ الحسن بن محمد الورتلاني على رأس من بني وتيلان، فوصف المشهد في كتابه حول الرحلة الورتلانية، الموسوم بـ"نزهة النّظار في فضل علم التاريخ والأخبار" كاتبًا:" مادوكال – هكذا-قرية كبيرة فيها جمعة (جامع الجمعة) وعين عظيمة (عين البلد) وفيها تضع العرب اثقالها وتستريح جمالها. وكان هذا الركب الذي يقوده الشيخ والذي يتعمد المرور ببلدته الطيبة. أعظم ركب ما طلع من المغرب مثله".

عولة الحجيج

ونظرًا لطول المسافة التي كانت تستغرق أشهرًا، كان المشرفون على القوافل يحددون نقاط تخزين في مناطق معزولة من الصحراء الليبية، تُخبأ فيها المؤن من قمح ودقيق وتمور. ويشير بوحفص إلى أن هذا التدبير اللوجستي كان ضرورة حيوية، إذ يستعين بها الحجيج في رحلة العودة عند المرور بمناطق خالية من الأسواق، اتقاءً للهلاك جوعًا. وقد عثر المؤثر المعروف خبيب كواسي خلال إحدى رحلاته في ليبيا على بعض هذه المخازن الخاصة بالحجيج الجزائريين، ووثقها صوتًا وصورة بعدما كانت مجرد روايات متناقلة.

ويستطرد: "لا تبعد مدوكال عن مدينة طولقة، في ولاية بسكرة، المشهورة بواحات النخيل والتمور، سوى بثلاثين كيلومترا، وقد جلب الحجيج من أرض الحجاز فسيلاتٍ من أصناف متعددة وغرسوها في بساتينها. فالحج كان عبادةً وتجارةً معًا، ولذلك استثمر ضيوف الرحمان فرصة التعرف إلى أصناف جديدة وجربوا غرسها، حتى صارت بلدتنا من المناطق التي تنتج وتصدّر تمورها إلى داخل وخارج البلاد".



ورغم تعاقب الدهور، على هذه البلدة التي حظيت بشرف تنظيم أول احتفال عسكري وشعبي للجزائر المستقلة أقيم في الثالث عشر من شهر أفريل 1962، بعيد إقرار وقف إطلاق النار في 19 مارس من ذات العام، لا يزال مسجد جامع الجمعة تقام فيه الصلوات دون انقطاع منذ تأسيسه قبل نحو عشرة قرون. وقد نجا، ومعه دور البلدة القديمة التي تضم سبعين بيتا عريقا، من فيضان وادي القرية سنة 1969. وعلى إثر ذلك اتُّخذت تدابير عاجلة لصون تراثها ومساجدها، أعقبت زيارة رسمية قام بها الرئيس الراحل هواري بومدين لتوزيع سكنات على المنكوبين من تلك الجائحة، فصُنفت ضمن القرى القديمة المحمية، كما عرف المسجد عدة ترميمات وإعادة بناء بالمواد الحديثة لكن طابعه القديم وروحه القديمة لا تزال شاخصة في معماره الداخلي ومنارته الشامخة.

أما سكانها، الذين خبروا طرق القوافل والتجارة منذ القدم، فقد ورثوا شغف الأسفار وارتياد الأمصار طلبًا للعلوم والأرزاق. لذلك ينتشر كثير من أبنائها في مناطق مختلفة من البلاد، لا سيما العاصمة الجزائرية، مستفيدين من شبكة علاقات تاريخية نسجوها عبر القرون مع الوافدين من شتى الأقطار. ومن أبرز هؤلاء الدكتور المفكر محمد عروة، وعدّاء الماراثون عز الدين صخري، واللاعبان مصطفى كويسي، وكمال عويس، والممثل الشهير ونجم الكوميديا الجزائرية عثمان عريوات.

 

الكلمات المفتاحية

فصل الربيع الأوراس الجزائر

تافسوت في الأوراس شرق الجزائر.. جدران بألوان الزرابي وأهازيج تغنى للربيع

في قلب جبال الأوراس، شرقي الجزائر، وتحديدًا بقرية منعة العتيقة، وبلدات أخرى جنوبي وغربي ولاية باتنة، لا يُستقبل الربيع كتاريخ عابر في الرزنامة، بل كحدث جماعي تتواطأ فيه الذاكرة مع الطبيعة، وتُعلن فيه الأرض عن عودتها إلى الحياة بطقوس ضاربة في عمق الزمن.


البلوزة الوهرانية

البلوزة الوهرانية.. خيطٌ من الذهب يربط الأندلس بعروس المتوسط

تعرف على تاريخ البلوزة الوهرانية منذ القرن 19، أنواعها (الزعيم، قشر البصل)، ودورها في تصديرة العروس. مقال يجمع آراء الخبراء والمصممين حول سبل الحفاظ على هذا التراث الجزائري الأصيل.


مدن الألعاب

مدن الألعاب والتسلية في الجزائر.. هل الأسعار تُناسب العائلات؟

إذا كانت المدن والولايات الكبرى تتوفر على بعض الخيارات المتعلقة بأماكن التنزه والترفيه واللعب، كالحدائق العمومية التي قد توجد بها بعض الألعاب كحديقة صوفيا وسط العاصمة الجزائر، فإن عدة ولايات ومدن تفتقر إلى هذه المرافق


فف

موضة الأحياء الشعبية.. كيف يصنع الشباب الجزائري هويتهم في الشارع؟

يشهد الشارع الجزائري خصوصًا في الأعياد والمناسبات تنوعًا لافتًا في أنماط اللباس يعكس فسيفساء من الهويات والانتماءات، خاصة في أوساط الشباب والمراهقين.

hanoune
أخبار

حزب العمال ينتقد تأخر المصادقة على الاستمارات ويحذر من تأثيره على العملية الانتخابية

وأفاد الحزب في بيان، أنّه "سجل اختلالات أخرى تمس عملية التصديق على الاستمارات على مستوى البلديات في معظم الولايات، حيث لم يتم تكليف الموظفين المسخرين، ما يثير استياءً بل وحتى نفورًا لدى المكتتبين الذين يترددون عدة مرات على البلديات دون جدوى.

غربال
رياضة

ماذا قال الحكم الجزائري غربال وطاقمه بعد اختيارهم لمونديال 2026؟

وفي تصريح فيديولصفحة الاتحاد الجزائري لكرة القدم على فيسبوك، قال غربال: "الحمد لله على اختياري للمشاركة في كأس العالم 2026"، مشيراً إلى أن هذه المشاركة ستكون الثانية له في المونديال.


نذير بن بوعلي
رياضة

نذير بن بوعلي يروي لحظة الحلم مع "الخضر" ويكشف كواليس استدعائه الأول

عبّر الدولي الجزائري الجديد، نذير بن بوعلي، عن سعادته الكبيرة بعد تلقيه أول استدعاء لتمثيل المنتخب الوطني، مؤكداً أن هذه اللحظة مثّلت بالنسبة له تحقيق حلم الطفولة الذي ظل يرافقه منذ سنوات.

طارق ابن زياد
أخبار

بعد صيانتها في اليونان.. عودة سفينة "طارق بن زياد" إلى الخدمة

تأتي هذه الزيارة بعد استكمال أشغال الصيانة والتجديد التي خضعت لها السفينة في ورشة إصلاح باليونان دامت أكثر من سنتين

الأكثر قراءة

1
أخبار

الجزائر تقتني نحو 400 ألف طن من القمح الصلب في مناقصة دولية


2
أخبار

حوار | لخضر بن خلاف: المناخ السياسي قبل التشريعيات لا يزال تحت مستوى التطلعات الديمقراطية


3
أخبار

أحكام جديدة تصل إلى 20 سنة سجنًا في قضية مقتل جمال بن إسماعيل


4
رياضة

لاعبة الجمباز جنى لعروي تلجأ إلى القضاء بعد حملة تنمر وعنصرية بسبب اختيار تمثيل الجزائر


5
سياسة

المؤرخ الإيطالي أندريا برازودورو لـ "الترا جزائر": هجوم ترامب على البابا ليون الرابع عشر وضع زيارة الجزائر في قلب العالم