ultracheck
اقتصاد

من المؤثرين إلى تجار السيارات.. واجهة بيضاء لأموال سوداء؟

9 سبتمبر 2026
تبييض الأموال الجزائر
أسماء بهلولي
أسماء بهلولي صحافية من الجزائر

في كل مرة تكشف فيها مصالح الأمن عن شبكة جديدة للمخدرات، تظهر معها أسماء ووجوه لم تكن مرتبطة في أذهان الجزائريين بعالم الجريمة، من مؤثرين ورياضيين وتجار وأصحاب أنشطة مختلفة، وتعيد هذه القضايا إلى الواجهة سؤالًا بسيطًا لكنه مهم: كيف وصلت هذه الأموال إلى أصحابها؟ ومن أين جاءت الثروات الكبيرة التي تظهر فجأة؟

من أين لك هذ؟.. تزداد أهمية هذا السؤال مع توسع شبكات الجريمة المنظمة، التي لا تحتاج فقط إلى من يبيع المخدرات أو ينقلها، وإنما تحتاج أيضا إلى طرق لإخفاء الأموال الناتجة عنها وإدخالها في الاقتصاد بصورة تبدو قانونية

ففي وقت أصبح فيه بعض المؤثرين يحققون مداخيل كبيرة، ويظهر آخرون بمظاهر ثراء لافتة، من سيارات فاخرة إلى عقارات وحياة مكلفة، أصبح من الضروري طرح سؤال "من أين لك هذا؟"، ليس باعتباره اتهامًا لأي شخص، وإنما كأداة لمعرفة ما إذا كانت الأموال المصرح بها تتناسب فعلًا مع حجم الثروة والممتلكات التي تظهر إلى العلن، فالمشكلة لا تكمن في الثراء بحد ذاته، وإنما في الثروة التي لا يعرف مصدرها.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع توسع شبكات الجريمة المنظمة، التي لا تحتاج فقط إلى من يبيع المخدرات أو ينقلها، وإنما تحتاج أيضا إلى طرق لإخفاء الأموال الناتجة عنها وإدخالها في الاقتصاد بصورة تبدو قانونية، وهنا تبرز أهمية مكافحة تبييض الأموال، وتتبع مصدر الثروة، ومعرفة المستفيد الحقيقي من الشركات والأنشطة التجارية، حتى لا تتحول الأموال السوداء إلى ثروات بيضاء يصعب اكتشاف مصدرها.

الثراء الفاحش يفتح باب الاشتباه

وفي هذا الإطار يرى المحامي فيصل محمودي أنه من الناحية القانونية لا يمكن اعتبار الشخص المشهور أو التاجر أو الرياضي متورطًا في أي جريمة لمجرد امتلاكه ثروة أو ممارسته نشاطًا تجاريًا، لأن الأصل هو قرينة البراءة، غير أن القاعدة -حسبه- لا تمنع المؤسسات المالية من التدقيق في مصادر الأموال وطبيعة العمليات المصرفية عندما تظهر مؤشرات تستدعي اليقظة.

ويضيف محمودي في تصريح لـ"الترا جزائر" أن الواقع القضائي أظهر في عدد من القضايا، تورط أشخاص كانوا يظهرون عبر منصات التواصل الاجتماعي في صورة مؤثرين أو رياضيين أو أصحاب نمط حياة فاخرة، قبل أن تكشف التحقيقات عن ارتباط بعضهم بقضايا خطيرة، لا سيما قضايا المخدرات وتبييض الأموال، ضاربًا مثالًا  بتوقيف رياضي ومؤثرة ضمن العملية الأخيرة المتعلقة بشبكات المخدرات، إلى جانب قضايا مماثلة شهدتها دول أخرى، حيث اعتبر - محدثنا- أن المظاهر الخارجية للثراء لا يمكن أن تكون وحدها معيارًا للحكم، لكنها قد تستدعي، عند اقترانها بمؤشرات مالية غير عادية، مزيدا من التدقيق.

ويضيف المحامي أن الإشكال القانوني يبدأ تحديدًا عندما يظهر فارق واضح بين النشاط التجاري أو المهني المعلن للشخص وحجم التدفقات المالية التي تمر عبر حساباته، أو عندما تتبين وجود شركات أو أشخاص يعملون كواجهات، في حين يكون المستفيد الحقيقي من الأموال شخصًا آخر، وهنا، يقول، تبدأ مؤشرات الاشتباه التي تفرض على المؤسسات المالية واجب اليقظة، دون أن يعني ذلك اعتبار صاحب الحساب متورطا في جريمة.

المحامي فيصل محمودي: مراقبة بعض الأنشطة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأشخاص تتناقض تدفقاتهم المالية بشكل واضح مع نشاطهم المعلن، لا تعني استهداف فئة معينة من المجتمع أو افتراض تورطها، وإنما تدخل ضمن آليات الوقاية من غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة

وفي هذا الإطار، يؤكد محمودي أن مسؤولية البنك في إطار قاعدة "اعرف زبونك"ًلا تقتصر على التحقق من هوية العميل عند فتح الحساب، وإنما هي التزام مستمر باليقظة والمراقبة، فالبنك -حسبه-مطالب بمعرفة طبيعة نشاط العميل، والغرض من العلاقة المصرفية، ومصدر أمواله عند الاقتضاء، فضلا عن تحديد المستفيد الحقيقي عندما يتعلق الأمر بشخص معنوي أو بعمليات تتم لحساب الغير.

كما تمتد هذه المسؤولية، وفق المحامي، إلى متابعة العمليات التي تمر عبر الحساب ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة لدى البنك بشأن نشاط العميل ومداخيله ومصدر أمواله، فإذا ظهرت عمليات غير معتادة، أو مبالغ لا تتناسب مع النشاط المصرح به، أو تحويلات متكررة لا يبدو لها مبرر اقتصادي مشروع، فإن ذلك قد يشكل مؤشرات تستوجب تعزيز إجراءات العناية واليقظة، وعند توافر شروط الاشتباه، تفعيل آلية التصريح لدى الجهة المختصة.

وبالتالي، يشدد محمودي على أن مراقبة بعض الأنشطة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأشخاص تتناقض تدفقاتهم المالية بشكل واضح مع نشاطهم المعلن، لا تعني استهداف فئة معينة من المجتمع أو افتراض تورطها، وإنما تدخل ضمن آليات الوقاية من غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، فالمطلوب من البنك ليس إثبات أن الأموال إجرامية، ولا القيام مقام أجهزة التحقيق والقضاء، وإنما ممارسة واجبه في اليقظة والكشف المبكر والإبلاغ عن العمليات التي تثير شبهات وفقا للقانون.

والأهم، حسب المحامي، أن مسؤولية البنك لا تقاس بمجرد مرور أموال ناتجة عن جريمة عبر حساب أحد زبائنه، وإنما يبحث في مدى احترام المؤسسة المصرفية لالتزاماتها القانونية، من معرفة العميل وتحديد المستفيد الحقيقي، إلى تصنيف مستوى المخاطر والمراقبة المستمرة ومعالجة مؤشرات الاشتباه التي قد تظهر أثناء العلاقة المصرفية.

هكذا تلاحق ثروات المشبوهين

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الهواري تيغريسي، في حديث لـ"الترا جزائر"، أن التطورات الأخيرة المرتبطة بتفكيك شبكات إجرامية وتورط بعض الأشخاص من مجالات مختلفة في قضايا المخدرات، تطرح مجددًا إشكالية أكثر تعقيدًا تتعلق بمصادر الأموال وكيفية إدخال العائدات غير المشروعة إلى الدورة الاقتصادية، محذرًا من تحول بعض الأنشطة والأشخاص إلى ما يمكن وصفه بـ"واجهة بيضاء لأموال سوداء" مشددًا على أن الحكومة أقرت في الأشهر الأخيرة عدة إجراءات في هذا الاطار مكنتها من الخروج من القائمة الرمادية ل"غافي" وسهلت كشف هذه الفئات.

ويؤكد تيغريسي أن مكافحة هذه الظاهرة تقوم ليس فقط على المتابعة الجزائية بعد اكتشاف الجريمة، وإنما يجب أن تبدأ من تتبع مسار الأموال ومصدر الثروة، خاصة عندما تظهر فجوة كبيرة بين المداخيل المعلنة وبين حجم الممتلكات والاستثمارات ونمط الإنفاق،ويشدد على أن امتلاك سيارة فاخرة أو عقار أو ممارسة نشاط تجاري لا يمثل في حد ذاته دليلا على وجود جريمة، لكن عدم التناسب بين الثروة والدخل، عندما يترافق مع مؤشرات أخرى، يجب أن يكون مدخلا لتحقيق مالي دقيق.

ويشير الخبير إلى أن الجزائر ليست من دون أدوات لمواجهة هذه المخاطر، فقد طورت منظومتها التشريعية والمؤسساتية، وتملك منذ 2002 خلية معالجة الاستعلام المالي المكلفة باستقبال وتحليل الإخطارات المتعلقة بالمعاملات المشبوهة، كما تم تعزيز الإطار القانوني بتعديلات أحدثها القانون 25-10، إلى جانب تعليمات تلزم المؤسسات المالية والمهن غير المالية المحددة بإجراءات اليقظة والإخطار بالشبهة ويعتبر تيغريسي أن التحدي الحقيقي حاليا يتمثل في ربط قواعد البيانات المالية والضريبية والتجارية والجمركية والعقارية، بما يسمح برصد الثروات غير المتناسبة مع المداخيل المصرح بها، مع تفعيل التصريح بالمستفيد الحقيقي من الشركات، وهو إجراء عززته الجزائر مؤخرا ضمن منظومتها لمكافحة تبييض الأموال.

 الخبير الاقتصادي الهواري تيغريسي: المرحلة المقبلة تتطلب أيضا تفعيل آليات تجميد وحجز ومصادرة عائدات الجريمة بصورة أكثر نجاعة، وتجفيف منابع تمويل الشبكات الإجرامية

ويرى، في هذا السياق، أنه تم الانتقال إلى رقابة أكثر استهدافا للقطاعات والأنشطة عالية المخاطر، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر داخل البنوك والمؤسسات المالية، وتكثيف التنسيق بين البنوك والضرائب والجمارك والأملاك الوطنية والعدالة، مع تكوين محققين متخصصين في التحقيق المالي وتتبع الأموال,فالهدف-حسبه-لا ينبغي أن يقتصر على معرفة من ارتكب الجريمة، وإنما أيضا الإجابة عن سؤال أين ذهبت عائداتها وكيف تحولت إلى أصول أو ممتلكات أو مشاريع تبدو في ظاهرها قانونية.

ويشدد الخبير على أن المرحلة المقبلة تتطلب أيضا تفعيل آليات تجميد وحجز ومصادرة عائدات الجريمة بصورة أكثر نجاعة، وتجفيف منابع تمويل الشبكات الإجرامية، لأن ضرب الحلقة المالية يمثل، في نظره، أحد أهم المفاتيح لتفكيك الشبكات الإجرامية وليس مجرد معاقبة أفرادها بعد سقوطهم.

كما يرى أن مفهوم "اعرف زبونك" يجب ألا يبقى إجراء مصرفيا شكليا، بل يتحول إلى منظومة يقظة اقتصادية أوسع، قادرة على فهم طبيعة النشاط ومصدر الأموال والمستفيد الحقيقي منها، خصوصا في القطاعات التي يمكن أن تستغل كغطاء لتمرير الأموال غير المشروعة وتؤكد النصوص الجزائرية الحالية بالفعل التزامات خاصة باليقظة والإخطار بالشبهة بالنسبة للمؤسسات المالية والمهن غير المالية المحددة.

وبالنسبة إلى تيغريسي، فإن المعركة الحقيقية ضد تبييض الأموال تبدأ عندما يصبح من الصعب تحويل المال الأسود إلى ثروة بيضاء دون أن يترك أثرًا في النظام المالي والضريبي والتجاري، وهو ما يتطلب رقمنة أكبر، تبادلًا فوريا للمعلومات، ورقابة مبنية على المخاطر، بدل انتظار وصول الأموال غير المشروعة إلى مرحلة يصعب معها تتبع مصدرها.

الكلمات المفتاحية

خضر وفواكه

حوار | وفرة وغلاء في الأسعار.. خليل بن عبيد يشرح لـ"الترا جزائر" اختلال سوق الخضر والفواكه

وللوقوف على حقيقة ما يجري، يقدّم القيادي والأمين العام في حزب جيل جديد أستاذ خليل بن عبيد، في حوار لـ «الترا جزائر»، قراءته لأسباب ارتفاع الأسعار ومسبباتها، موضحًا أين تبدأ الأزمة، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما الذي يمكن فعله لإعادة التوازن إلى السوق.


النفط الجزائري

أكبر مستوردي النفط الجزائري في 2026.. من يتصدر القائمة؟

تصدرت إسبانيا قائمة أكبر الدول المستوردة للنفط الخام الجزائري المنقول بحرًا خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بمتوسط 64 ألف برميل يوميًا، فيما قفزت كوريا الجنوبية إلى المركز الثاني بعد ارتفاع وارداتها من الخام الجزائري بنسبة 77 بالمائة على أساس سنوي.


التعديل الحكومي في الجزائر

مشروع قانون المالية 2027 في 11 نقطة.. تفاصيل الأجور والتوظيف ومشاريع السكن

يقترح مشروع قانون المالية تعديل نظام الضريبة على الثروة، من خلال خفض عتبة الخضوع لها من 100 مليون دينار إلى 80 مليون دينار، إلى جانب مراجعة السلم التدريجي للضريبة.


الجزائر-الكهرباء

الجزائر الثانية إفريقيًا في توليد الكهرباء بالغاز.. كم بلغت قدراتها؟

احتلت الجزائر المرتبة الثانية أفريقيًا ضمن قائمة أكبر 10 دول في قدرة توليد الكهرباء بالغاز، بقدرة عاملة بلغت 26.46 غيغاواط حتى أغسطس/آب 2026، ما يمثل قرابة 22% من إجمالي قدرة توليد الكهرباء بالغاز في القارة.

طقس الجزائر
أخبار

الجزائر.. أمطار رعدية ورياح تصل إلى 50 كلم/سا بهذه المناطق

تُرتقب أجواء غائمة مع تساقط أمطار على شكل زخات رعدية بعدد من المناطق الداخلية والهضاب العليا، تكون معتبرة بالهضاب العليا الغربية، فيما يُنتظر تسجيل تشكّل خلايا رعدية مصحوبة بأمطار في عدة مناطق جنوبية، حسب توقعات الحالة الجوية.

حرائق جيجل
أخبار

حرائق جيجل.. 40 مليون سنتيم لكل عائلة لاستئجار مسكن مؤقت

تستفيد العائلات المتضررة من حرائق جيجل، التي صُنفت سكناتها ضمن الخانة الحمراء، من إعانة مالية بقيمة 40 مليون سنتيم لكل عائلة، للمساعدة على استئجار مسكن مؤقت إلى غاية إعادة بناء منازلها، بالتزامن مع إبرام اتفاقية لتمويل إعادة بناء 627 سكنًا متضررًا.


محمد غرينية
منوعات

محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟

في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.

أنيس حاج موسى
رياضة

أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي

تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.

الأكثر قراءة

1
رياضة

بعد مشادته في لقاء المولودية.. لحسن بوزيان يوضّح لـ"الترا جزائر" كواليس الحادثة


2
أخبار

في قضية مشروع سكني.. التماس عقوبة ثقيلة في حق عبد الحكيم بطاش


3
قول

الولي الشرعي في المدارس الجزائرية.. معضلةٌ إداريةٌ تُهمّش دور الأمهات


4
سياسة

اجتماعات جزائرية أمريكية متوالية.. بحث توسيع التعاون خارج الأمن والطاقة


5
سياسة

محليات 28 نوفمبر.. من يجتاز غربال سلطة الانتخابات؟