من النضال إلى النفوذ.. كيف تغيّر معنى الترشح للانتخابات التشريعية في الجزائر؟
18 يونيو 2026
لم تَعد الانتخابات التشريعية والمحلية في الجزائر تُنظر إليها باعتبارها محطة طبيعية تتوّج مسارًا سياسيًا أو نضاليًا داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية، بقدر ما أصبحت تعكس تحولات عميقة في طبيعة التمثيل السياسي وأهداف الساعين إلى المناصب المنتخبة.
يُطرح تساؤل جوهري حول مدى قدرة المنتخبين على ممارسة أدوارهم الرقابية والتشريعية باستقلالية، في ظل هيمنة الانضباط الحزبي وتراجع المبادرات الفردية داخل المؤسسات المنتخبة
فالمشهد الانتخابي بات يشهد حضورًا متزايدًا لرجال الأعمال والمقاولين وأصحاب الكفاءات التقنية الذين لم يرتبط مسارهم المهني أو الشخصي بنشاط حزبي أو عمل سياسي سابق، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول دوافع الترشح ومعايير الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
وفي ظل هذا الواقع، يرى جزء من الرأي العام أن السباق نحو المقاعد النيابية والمحلية لم يعد مرتبطًا دائمًا بحمل مشاريع إصلاحية أو رؤى اقتصادية وتنموية، بل قد تحركه اعتبارات أخرى تتصل بالمكانة الاجتماعية، أو توسيع دوائر النفوذ والعلاقات، أو البحث عن الحصانة المعنوية والسياسية داخل دواليب السلطة.
كما يُطرح تساؤل جوهري حول مدى قدرة المنتخبين على ممارسة أدوارهم الرقابية والتشريعية باستقلالية، في ظل هيمنة الانضباط الحزبي وتراجع المبادرات الفردية داخل المؤسسات المنتخبة.
أي دور نيابي وتشريعي؟
وأمام التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الجزائر، تبرز إشكالية الدور الحقيقي للبرلماني والمنتخب المحلي: هل ما تزال هذه المناصب تؤدي وظيفتها الأساسية في تمثيل المواطنين وصناعة السياسات العمومية ومراقبة السلطة التنفيذية؟ أم أنها تحولت تدريجيًا إلى فضاءات لإعادة إنتاج النفوذ والمصالح؟ كما يثير الإقبال المتزايد لرجال المال والأعمال على العمل السياسي سؤالًا آخر حول طبيعة العلاقة بين السلطة الاقتصادية والتمثيل السياسي، وحدود التداخل بين خدمة المصلحة العامة وتحقيق المصالح الخاصة.
إعادة النظر في دور النائب البرلماني
وفي معرض حديثه عن إشكالية الدور البرلماني في المرحلة الراهنة، قال وليد مهاجري، المترشح عن حركة مجتمع السلم بالجزائر العاصمة، إن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد تفرض إعادة النظر في وظيفة النائب البرلماني، الذي لم يعد دوره مقتصرًا على المصادقة على القوانين، بل أصبح مطالبًا بالاضطلاع بدور محوري في صناعة الحلول ومرافقة التحديات الوطنية.
وشدد مهاجري على أن تصوره للعمل النيابي يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، يتمثل أولها في البعد السياسي، من خلال الانتقال من التشريع التقليدي إلى التشريع الاستباقي القادر على مواكبة التحولات الرقمية والسياسية، والمساهمة في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وليد مهاجري، المترشح عن حركة مجتمع السلم: البعد الاجتماعي للعمل البرلماني يظل ركيزة أساسية، من خلال تفعيل الرقابة الميدانية على الأداء الحكومي وضمان وصول مشاريع التنمية والخدمات العمومية، لاسيما في قطاعات الصحة والتعليم، إلى المواطنين وفق معايير الجودة والإنصاف
أما على الصعيد الاقتصادي، فأبرز المتحدث أهمية الدفع نحو سنّ قوانين مرنة ومحفزة للاستثمار والابتكار، مع الحرص في الوقت ذاته على حماية القدرة الشرائية للمواطنين ومواجهة تداعيات التضخم، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
اقرأ أيضًا: تشريعيات 2026.. لماذا تراهن الأحزاب على النقابيين والجمعويين؟
وفي تقديره، فإن البعد الاجتماعي للعمل البرلماني يظل ركيزة أساسية، من خلال تفعيل الرقابة الميدانية على الأداء الحكومي وضمان وصول مشاريع التنمية والخدمات العمومية، لاسيما في قطاعات الصحة والتعليم، إلى المواطنين وفق معايير الجودة والإنصاف.
وأكد مهاجري أن النائب الحقيقي هو "عين المواطن" داخل المؤسسة التشريعية، وصوته الذي ينقل انشغالاته ويعمل على تحويل التحديات إلى فرص تنموية وإصلاحية تخدم المصلحة العامة..
رحلة بحث عن الحصانة النيابية
من جهته، أكد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كريم خلفان، أن قرارات رفض ملفات عدد من المترشحين ارتبطت أساسًا بشبهات تتعلق بالمال الفاسد، مشيرًا إلى أن هذا العامل كان من أبرز أسباب إقصاء 1762 مترشحًا من سباق الانتخابات.
وفي سياق متصل، أوضح أيبك عبد المالك، الناشط السياسي الذي رُفض ملف ترشحه ضمن قائمة جبهة القوى الاشتراكية بولاية ورقلة، أن حضور رجال المال والأعمال في المنافسة على المناصب النيابية عرف خلال السنوات الماضية تزايدًا ملحوظًا، ما يعكس بحسب المتحدث تنامي الاهتمام بالتموقع داخل دوائر القرار السياسي والمحلي.
واعتبر محدث "الترا جزائر" أن هذا التوجه لا يرتبط دائمًا بالرغبة في خدمة الشأن العام أو المساهمة في العمل التشريعي، بل تحركه في بعض الحالات اعتبارات تتعلق بتوسيع النفوذ السياسي، وبناء شبكات المصالح والعلاقات، وإبرام الصفقات، فضلاً عن البحث عن أشكال مختلفة من الحماية والتأثير داخل مؤسسات الدولة.
أيبك عبد المالك: المنصب النيابي يجب أن يظل قبل كل شيء مسؤولية سياسية وأخلاقية والتزامًا تجاه المواطنين، يقوم على تمثيل انشغالاتهم والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في صناعة السياسات العمومية
وأضاف أن بعض أصحاب رؤوس الأموال قد يكونون مستعدين لإنفاق مبالغ مالية كبيرة من أجل الظفر بمقعد نيابي، بالنظر إلى ما يوفره هذا الموقع من قدرة على نسج العلاقات والتأثير في محيطهم الاقتصادي والمهني، بما قد يخدم مصالحهم ونشاطاتهم الاستثمارية والمقاولاتية.
وفي تقدير الناشط السياسي، فإن المنصب النيابي يجب أن يظل قبل كل شيء مسؤولية سياسية وأخلاقية والتزامًا تجاه المواطنين، يقوم على تمثيل انشغالاتهم والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في صناعة السياسات العمومية، بعيدًا عن منطق المصالح الضيقة أو توظيف المؤسسات المنتخبة لخدمة الأجندات الشخصية.
أهمية وجود المناضل والفاعل السياسي
من جانبه، اعتبر الناشط الحقوقي والسياسي حمزة البركاني أن المجلس الشعبي الوطني يمثل المرآة الحقيقية لمختلف الفئات الاجتماعية وتوجهات المجتمع، ما يفرض أن يعكس تركيبته التنوع الفكري والمهني والسياسي الموجود داخل المجتمع الجزائري.
وأوضح البركاني في حديث لـ"الترا جزائر" أن وجود الأساتذة الجامعيين والخبراء والمختصين والتقنيين داخل المؤسسة التشريعية يعد مكسبًا مهمًا بالنظر إلى ما يمكن أن يقدموه من خبرات ومعارف في صياغة القوانين والسياسات العمومية، غير أنه شدد على أن حضور الفاعل السياسي والمناضل القاعدي يبقى أكثر أهمية، بحكم ارتباطه المباشر بانشغالات المواطنين وإدراكه العميق للقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل الرأي العام.
وأضاف أن إحدى أبرز الإشكالات التي تواجه العمل البرلماني اليوم تتمثل في حالة القطيعة التي تنشأ بين عدد من النواب والناخبين مباشرة بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما ينعكس في تقدير المتحدث على ضعف التمثيل السياسي وتراجع المبادرات التشريعية والرقابية القادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين ومعالجة انشغالاتهم اليومية.
الناشط الحقوقي والسياسي حمزة البركاني: إحدى أبرز الإشكالات التي تواجه العمل البرلماني اليوم تتمثل في حالة القطيعة التي تنشأ بين عدد من النواب والناخبين مباشرة بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية
وأشار المتحدث إلى أن العمل البرلماني أصبح في كثير من الأحيان أقرب إلى أداء وظيفي روتيني منه إلى ممارسة فعلية للمهام التشريعية والرقابية، الأمر الذي أفرغ المؤسسة البرلمانية من جزء معتبر من أدوارها الدستورية الأساسية، وعلى رأسها الرقابة على عمل الحكومة، ومساءلة المسؤولين، وتعزيز الشفافية، وإثراء الحياة السياسية والتشريعية.
وشدد البركاني على أن البرلمان ليس مجرد فضاء للمصادقة على القوانين، بل مؤسسة محورية تقوم على ثلاث وظائف أساسية هي التشريع والرقابة والاقتراح، مؤكداً أن فعالية هذه الأدوار تبقى رهينة بوجود نواب يمتلكون رصيدًا سياسيًا ونضاليًا وخبرة ميدانية تمكنهم من الدفاع عن مصالح المواطنين والترافع بشأن قضاياهم.
وفي السياق ذاته، حذر من تنامي نفوذ رجال المال داخل المؤسسات المنتخبة، معتبراً أن تغليب الاعتبارات المالية على المعايير السياسية والكفاءة التمثيلية قد ينعكس سلبًا على جودة الأداء البرلماني وعلى استقلالية القرار التشريعي، خاصة عند مناقشة القوانين ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي.
ودعا الناشط الحقوقي إلى تعزيز حضور الفاعلين السياسيين والنقابيين وأصحاب التجارب النضالية داخل البرلمان، باعتبارهم الأقرب إلى واقع المواطنين والأكثر قدرة على نقل انشغالاتهم، بما يساهم في تحقيق التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويعيد للمؤسسة البرلمانية دورها المركزي في الحياة السياسية والمؤسساتية.
الكلمات المفتاحية
النتائج النهائية لتشريعيات 2026.. أحزاب الموالاة تتصدّر مشهد البرلمان الجديد
أعلنت المحكمة الدستورية النتائج النهائية لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، مؤكدة خريطة برلمانية جديدة حملت تغييرات في موازين القوى بين الأحزاب، مع احتفاظ حزب جبهة التحرير الوطني بصدارة المشهد السياسي، وتعزيز التجمع الوطني الديمقراطي لموقعه، مقابل تغييرات في تمثيل عدد من التشكيلات السياسية مقارنة بالنتائج المؤقتة.
الشراكة الجزائرية-الألمانية.. من التقارب التاريخي إلى الرهان الجيوسياسي
في خطوة تعكس رغبة الجزائر في ترسيخ حضورها ضمن دائرة الشراكات الاقتصادية الكبرى، شرع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أمس الأربعاء، في زيارة دولة إلى ألمانيا الاتحادية، تأتي الزيارة في سياق تاريخي يجمع بين البلدين منذ عقود، لكنها تحمل هذه المرة أبعادًا اقتصادية أكثر عمقًا واستراتيجية.
بعد أشهر من التوتر.. السفير الفرنسي يكشف تفاصيل خطة إعادة العلاقات مع الجزائر
باريس والجزائر اتفقتا على إعادة السفارات والقنصليات إلى كامل طاقتها البشرية، بما يسمح بتحسين الخدمات القنصلية وتعزيز مختلف مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة
حوار |فلورانس بوجي: مأساة لويزات ايغيل حريز فتحت عيني على فضائع الاستعمار المنسية
في هذا الحوار الخاص، تتحدث فلورانس بوجي عن بدايات اهتمامها بملف الذاكرة بعد لقائها بالمجاهدة لويزيت إغيل أحريز، وتستعيد كواليس تحقيقاتها التي نُشرت في صحيفة لوموند، كما تتطرق إلى شهادات كبار الضباط الفرنسيين، وعلى رأسهم الجنرال بول أوساريس، وقضيتها القضائية مع جان ماري لوبان، ورؤيتها لمستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، فضلاً عن مشروعها الأدبي المقبل.
النتائج النهائية لتشريعيات 2026.. أحزاب الموالاة تتصدّر مشهد البرلمان الجديد
أعلنت المحكمة الدستورية النتائج النهائية لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، مؤكدة خريطة برلمانية جديدة حملت تغييرات في موازين القوى بين الأحزاب، مع احتفاظ حزب جبهة التحرير الوطني بصدارة المشهد السياسي، وتعزيز التجمع الوطني الديمقراطي لموقعه، مقابل تغييرات في تمثيل عدد من التشكيلات السياسية مقارنة بالنتائج المؤقتة.
شباب بلوزداد يقاضي صحفيًا بسبب أجور اللاعبين.. ما القصة؟
أعلنت إدارة نادي شباب بلوزداد رفع دعوى قضائية أمام الجهات القضائية المختصة ضد صحفي على خلفية نشر مقال قالت إنه تضمن معلومات وادعاءات لا أساس لها من الصحة، من شأنها تضليل الرأي العام والإضرار بسمعة النادي ومسؤوليه.
موافقة مسبقة إلزامية قبل نشر صور الجزائريين على مواقع التواصل
شددت المداولة على ضرورة الحصول على موافقة حرة وصريحة ومسبقة وقابلة للإثبات من الشخص المعني قبل نشر صوره أو تسجيلاته الموجهة للجمهور، ما لم يوجد نص قانوني أو تنظيمي يجيز ذلك
73 حريقًا للغطاء النباتي خلال 24 ساعة و16 بؤرة لا تزال مشتعلة
تمكنت مصالح الحماية المدنية من الإخماد النهائي لـ40 حريقًا عبر عدد من الولايات