ultracheck
سياسة

من بومدين إلى الحراك الشعبي.. ناصر جابي يفكك سوسيولوجيا الاحتجاج في الجزائر

12 مايو 2026
الحراك الشعبي.jpg
الحراك الشعبي
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

تُشكّل دراسة أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي حول الحركات الاحتجاجية في الجزائر مسعى تحليلي وتأويلي للحركات الاحتجاجية في الجزائر وارتباطاتها بمسار الدولة الوطنية والمجتمع منذ الاستقلال إلى غاية الحراك الشعبي سنة 2019، من خلال ربط التحولات السياسية بالبُنى الاجتماعية والثقافية للنخب الحاكمة والفئات المجتمعية، من خلال معاينة ميدانية واحتكاك بالفاعلين الأساسيين من صناع القرار السياسي إلى مختلف المكونات المجتمعية السياسية والنقابية والجامعية الشبابية، الدراسة نشرت ضمن العدد 56 من مجلة "عمران" لسنة 2026 التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

يرصد جابي تطور الحركات الاحتجاجية بعد وفاة بومدين باعتبارها مؤشراً على تحولات عميقة داخل المجتمع الجزائري.

إرث القيادة

ينطلق المحور الأول من التحليل بمقارنة بين مرحلتين مفصليتين في تاريخ الجزائر، ارتبطتا بكل من هواري بومدين والشاذلي بن جديد، إذ لا يمكن فهم شخصية أيٍّ منهما خارج السياقات التاريخية والسياسية التي أسهمت في تشكيلها.

فبومدين يُقدَّم بوصفه ابن مرحلة ما قبل الاستقلال، حيث برز داخل هياكل الثورة، من خلال موقع اشرافه على المنطقة التاريخية العسكرية الغربية ثم الشرقية إلى قائد عام للأركان، ما أتاح له بناء شبكة قوية من العلاقات والنفوذ.

وبعد الاستقلال، تعزّزت شرعيته الثورية، ليقود مشروعًا يقوم على مركزية السلطة والتخطيط الاشتراكي، ضمن رؤية واضحة المعالم.

وقد انعكس ذلك في أسلوب حكم اتسم بالصرامة وقوة الحضور وفرض رؤيته، سواء على مستوى بناء الاقتصاد الوطني أو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.

في المقابل، جاء بروز الشاذلي بن جديد في سياق مغاير، تميّز بتراجع النموذج السابق وبداية ظهور محدودية بعض الخيارات الاشتراكية.

وفي هذا الإطار، يشير ناصر جابي إلى أن تلك المرحلة شهدت محاولات متعددة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قادتها مراكز قوى مختلفة داخل النظام.

غير أن تلك المحاولات لم تكتمل، بسبب غياب الشفافية وضعف النقاش العمومي، وهو ما يرتبط بإرث تاريخي طبع النخب السياسية الحاكمة بثقافة السرية والتحفّظ الموروثة من مرحلة الحركة الوطنية.

ومع غياب رؤية شمولية واضحة، حلّ تسيير مرحلي اتسم بشيء من الارتجال محل التخطيط البعدي، كما لعبت شخصية الشاذلي بن جديد دورًا في تعثر مسار الإصلاح، حيث يوضح جابي إلى أن محدودية تكوينه السياسي وتواضع خلفيته التعليمية أثّرا على قدرته في التحكم في موازين القوى داخل بنية النظام السياسي، وهو ما انعكس على محدودية فعالية قراراته وعلى مسار التحولات التي عرفتها البلاد آنذاك.

كرونولوجيا الاحتجاجات وتحولات الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين 

يرصد جابي تطور الحركات الاحتجاجية بعد وفاة بومدين باعتبارها مؤشراً على تحولات عميقة داخل المجتمع الجزائري.

وتُعدّ الحركة الأمازيغية أبريل/نيسان 1980 أولى هذه التعبيرات، حيث لم تكن مجرد مطالب ثقافية، بل عكست تشكّل نخبة جديدة ذات وعي هوياتي وتعليمي، تأثرت بالجامعة وبالتحولات الاجتماعية رغم البيئة الريفية المنحدرة منها.

وقد حاول جابي تفسير هذه الحركة من خلال تشكل البنية الثقافية والتعليمية للنخب التي قادتها، والتي جمعت بين رأس المال التعليمي والانتماء الهوياتي، وتأثر بالهجرة الداخلية والخارجية.

ثم تأتي أحداث قسنطينة سنة 1986 التي انطلقت من الوسط الطلابي تم توسعت إلى الأوساط الشعبية والتي امتدت إلى مدن كبرى مثل سطيف وعنابة في الشرق وهران وسعيدة في الغرب الجزائري، حيث لعبت الحركة الطلابية دورًا محوريًا لي تتوسع إلى مطالب اجتماعية على غرار ظروف الإسكان كما حدث في حي القصبة بالجزائر العاصمة، وهو ما يعكس بحسب الباحث انتقال الاحتجاج من الوسط التعليمي إلى الفضاء الحضري والشعبي.

تُعدّ الحركة الأمازيغية أبريل/نيسان 1980 أولى هذه التعبيرات، حيث لم تكن مجرد مطالب ثقافية، بل عكست تشكّل نخبة جديدة ذات وعي هوياتي وتعليمي، تأثرت بالجامعة وبالتحولات الاجتماعية رغم البيئة الريفية المنحدرة منه

في هذا السياق يرى جابي أن تلك الأحداث كانت إرهاصات لمحطة أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988 التي تُعدّ نقطة التحول الكبرى، إذ انتقلت الاحتجاجات إلى كافة الطبقات الشعبية في الأحياء الحضرية، وهو ما يبرز الشارع كفاعل مباشر وأساسي.

ويحلل جابي آليات هذه الانتفاضة باعتبارها انفجارًا هيكليا واجتماعياً أكثر منه مشروعًا سياسياً منظماً، ما يفسر مآلاتها المتذبذبة.

إخفاق الإصلاح وانسداد النظام السياسي

من خلال تفكيك معمق لمكونات النظام السياسي ما بعد 1988، يستنج جابي أن الإصلاحات التي حاولت أوساط من داخل بنية النظام القيام بها أنها فشلت لأسباب عديدة، منها ما هو مرتبطًا بطبيعة النظام السياسي ذاته.

فقد تميزت النخبة الحاكمة بما يسميه "الانقسامية"، أي غياب التجانس على المستويات الفكرية واللغوية والأيديولوجية، وهو ما أعاق إنتاج رؤية إصلاحية موحدة.

وفي تقدير الباحث في علم الاجتماع يشكّل الإرث التاريخي والاستعماري عاملًا مؤثرًا في تكوين العديد من النخب الحاكمة، التي تتسم بالتباين والتفاوت فكريًا وثقافيًا وتعليميًا، وهو ما عزّز حالة الانقسام داخل بنية النظام السياسي، وشكّل في الوقت ذاته عائقًا أمام إدراج إصلاحات هيكلية داخل مؤسسات السلطة

علاوة على ذلك، يذهب جابي إلى أن محاولات الإصلاح الاقتصادي لم تُرافق بإصلاح سياسي عميق، ما خلق اختلالًا بين محاولات تحسين الوضع الاقتصادي والنظام الأحادي. ورغم أن الأزمة المالية فرضت نوعًا من إعادة ترتيب الأولويات، إلا أنها لم تُترجم إلى تحول مؤسساتي وديمقراطي.

من خلال تفكيك معمق لمكونات النظام السياسي ما بعد 1988، يستنج جابي أن الإصلاحات التي حاولت أوساط من داخل بنية النظام القيام بها أنها فشلت لأسباب عديدة، منها ما هو مرتبطًا بطبيعة النظام السياسي ذاته

في هذا السياق، يتوقف جابي عند تجربة مولود حمروش، التي مثّلت محاولة إصلاحية جادة، لكنها اصطدمت بشبكات السلطة التقليدية، بما في ذلك شخصيات نافذة مثل الشريف مساعدية، ما أدى إلى إجهاض المشروع قبل أن يترسخ.

الحراك في المهجر

تتناول دراسة ناصر جابي دور الحراك داخل أوساط الجالية الجزائرية في المهجر، ولا سيما في باريس، حيث يفسّر هذا الاهتمام السياسي بالعودة إلى التقاليد الذي تشكّلت في إطاره نواة الحركة الوطنية في فرنسا.

فقد انطلقت هذه النواة من النشاط العمالي والنقابي، ثم تطورت عبر الحركة الطلابية، لتجعل من فرنسا قاعدة خلفية للثورة الجزائرية من خلال فيدرالية فرنسا التابعة لجبهة التحرير الوطني. وقد أسهم هذا المعطى التاريخي في ترسيخ ارتباط المهاجرين الجزائريين بالشأن الوطني الداخلي واهتمامهم المستمر به.

وفي هذا السياق، أبرز الحراك في المهجر رفضًا للعهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، واحتجاجًا على مختلف أشكال الفساد المالي والأخلاقي المرتبطة بالأوليغارشية السياسية والمالية التي ارتبطت بنظامه.

ويرى جابي أن هناك رابطًا واضحًا بين حراك المهجر والحركات الاحتجاجية داخل الجزائر، خاصة تلك التي شهدتها مدن مثل خنشلة وخراطة، حيث يظهر تداخل في المطالب رغم البعد الجغرافي، مما يعكس وحدة الوعي السياسي بين الداخل والخارج.

ويعتبر ناصر جابي أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل تحوّل إلى مجال عمومي بديل مكّن أفراد الجالية في المهجر من التعبير بحرية عن آرائهم السياسية وتبادل الأفكار بشكل فوري.

يرى جابي أن هناك رابطًا واضحًا بين حراك المهجر والحركات الاحتجاجية داخل الجزائر، خاصة تلك التي شهدتها مدن مثل خنشلة وخراطة، حيث يظهر تداخل في المطالب رغم البعد الجغرافي، مما يعكس وحدة الوعي السياسي بين الداخل والخارج

وقد ساهم هذا الفضاء في خلق نوع من التقارب والتنسيق بينهم، متجاوزًا الحدود الجغرافية، مما عزّز وعيهم الجماعي وربطهم بشكل أوثق بالقضايا الوطنية، وجعلهم فاعلًا مؤثرًا في ديناميكيات الحراك.

التركيبة السكانية والاجتماعية للحراك الشعبي

في المحور الرابع، يسلّط الأستاذ ناصر جابي الضوء على البنية الاجتماعية والبانوراما المركّبة التي شكّلت الحراك الشعبي لسنة 2019، مبرزًا خصائصه الزمنية واللغوية والديمغرافية.

فقد تميّز الحراك بطول نَفَسه، إذ استمر لأكثر من سنة ونصف ، كما اتسم باتساع قاعدته الاجتماعية، حيث شاركت فيه فئات متنوعة، مع حضور نسوي لافت.

يرصد جابي جغرافية الوافدين إلى مركز الاحتجاج في البريد المركزي بالعاصمة، مميزًا بين عدة أنماط اجتماعية. فهناك وافدون من الأحياء الراقية في أعالي العاصمة، مثل الأبيار وحيدرة وبن عكنون، بخصوصيات لغوية واجتماعية مختلفة، يقابلهم وافدون من الأحياء الشعبية الغربية كباب الواد والقصبة، حيث الكثافة الشبابية وهيمنة العربية الدارجة وبعض التعبيرات المرتبطة بالتيار الإسلامي

وارتبطت مطالبه أساسًا بإصلاح النظام السياسي وتكريس الطابع المدني للدولة. وعلى المستوى اللغوي، برزت هيمنة العربية الدارجة، في ظل مشاركة مكثفة لفئة الشباب، خاصة المتعلمين والجامعيين، غير أن الحراك لم يتمكن من إفراز قيادة موحّدة تعبّر عنه وتمثّله.

وفي مقاربة سوسيولوجية-ديمغرافية، يرصد جابي جغرافية الوافدين إلى مركز الاحتجاج في البريد المركزي بالعاصمة، مميزًا بين عدة أنماط اجتماعية. فهناك وافدون من الأحياء الراقية في أعالي العاصمة، مثل الأبيار وحيدرة وبن عكنون، بخصوصيات لغوية واجتماعية مختلفة، يقابلهم وافدون من الأحياء الشعبية الغربية كباب الواد والقصبة، حيث الكثافة الشبابية وهيمنة العربية الدارجة وبعض التعبيرات المرتبطة بالتيار الإسلامي.

كما يبرز تيار ثالث ينطلق من ساحة أول ماي باتجاه البريد المركزي، قادمًا من أحياء مثل بلكور، حسين داي، الحراش، برج الكيفان، الرويبة ورغاية.

ويخلص جابي إلى أن هذا التنوع السيسيولوجيا والديمغرافي يعكس درجة من عدم الانسجام الاجتماعي، يمكن تفسيرها بالإرث العمراني الاستعماري، إلى جانب السياسات السكنية التي اعتمدت بعد الاستقلال. ومن خلال ذلك، يسعى إلى فهم تأثير هذه التباينات على مآلات الحراك الشعبي والحركات الاحتجاجية في الجزائر.

الكلمات المفتاحية

تشريعيات 2026

تشريعيات 2026.. لماذا تراهن الأحزاب على النقابيين والجمعويين؟

ورغم أن القانون الجزائري يقيد المزاوجة بين النضال السياسي والحزبي والعمل النقابي والجمعوي، إلا أن المواعيد الانتخابية تجعل الأحزاب على الدوام تتقرب من النشاطين العماليين والجمعويين وترشيحهم في صفوفها حتى ولو كانوا لا ينتمون سالفا إلى صفوفها، نظرا لاعتقادها أن رصيدهم الجماهيري قادر على حجز مقاعد إضافية لأي تشكيلة سياسية تحظي بترشيحهم.


تشريعيات 2026 في الجزائر

سباق القوائم يسبق صناديق الاقتراع.. الأحزاب الكبرى ترسم أولى ملامح تشريعيات 2026

قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 2 جويلية المقبل،ومع بداية الحملة الانتخابية بدأت مؤشرات المنافسة السياسية تظهر من بوابة اعتماد القوائم الانتخابية، وهي المرحلة التي ينظر إليها عادة باعتبارها أول اختبار فعلي لمدى جاهزية الأحزاب والقوى السياسية لخوض المعركة الانتخابية.


تشريعيات 2026

تشريعيات الجزائر: المداخلات التلفزيونية.. أي تأثير في زمن المنصات الرقمية؟

ما تزال المداخلات التلفزيونية تحظى باهتمام من قبل المترشحين، رغم طغيان استعمال مواقع التواصل الاجتماعي على جوانب عديدة من حياة الجزائريين خاصة في السنوات الأخيرة كغيرهم من  شعوب العالم


الإقصاء تشريعيات 2026

الإقصاء من الترشّح للتشريعيات.. "جرح سياسي" لا يتوقف عند حدود الصندوق

لم تقف تداعيات إبعاد ورفض بعض الشخصيات الحزبية والنيابية من الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة عند حدود الكلفة السياسية الفورية، بل تعدتها لتحدث صدمة نفسيةً واجتماعيةً عميقةً ارتدت شظاياها على المحيط العائلي والمهني للأشخاص المُبعدين، وأجبرت الكثير منهم على إعادة رسم معالم نضالهم السياسي في المستقبل بكثير من الحسرة والأسى.

الخضر
رياضة

دوليون سابقون يعلقون على خسارة "الخضر" أمام الأرجنتين.. ماذا قالوا لـ"الترا جزائر"؟

خيّمت أجواء من الهدوء والتركيز على الحصة التدريبية الأولى عقب لقاء الأرجنتين، حيث بدا واضحًا تأثر بعض اللاعبين بنتيجة المباراة الثقيلة، في وقت فضّل فيه الطاقم الفني إبعاد المجموعة عن الضغط الإعلامي والتركيز على الجانب النفسي والبدني تحضيرًا للمواجهة المقبلة أمام منتخب الأردن التي تُعدّ مفصلية في حسابات التأهل.

تشريعيات 2026
أخبار

السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تحذر المترشحين.. ما القصة؟

وشددت السلطة المستقلة على ضرورة احترام المبادئ الأساسية للنظام الانتخابي، وأخلاقيات وآداب الممارسات الانتخابية، وحسن سير العملية الانتخابية، داعية المترشحين إلى تفادي كل أشكال التأثير على إرادة الناخبين.


ميسي الجزائر جوان 2026
رياضة

ميسي يكشف سرّ دموعه بعد ثلاثية الجزائر: الأمر لا علاقة له بكرة القدم

كشف الأسطورة ليونيل ميسي عن الأسباب التي دفعته إلى الانهيار بالبكاء عقب قيادته المنتخب الأرجنتيني إلى الفوز بثلاثية نظيفة أمام المنتخب الجزائري لكرة القدم، في المواجهة التي جمعت المنتخبين ضمن منافسات كأس العالم 2026.

المخطوطات في الجزائر
أخبار

استقبلتهم وزيرة الثقافة.. ماذا تعرف عن "خزّاني المخطوطات" في الجزائر؟

استقبلت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة ممثلي خمسين خزانة ومؤسسة حافظة للمخطوطات، المشاركين في أشغال الملتقى الدولي للتراث المخطوط، في لقاء أعاد تسليط الضوء على فئة تُعرف باسم "خزّاني المخطوطات".

الأكثر قراءة

1
رياضة

حارس الأرجنتين يفاجئ الجميع.. ماذا قال عن المنتخب الجزائري؟


2
مجتمع

كأس العالم 2026.. كيف أصبح المونديال ظاهرة اجتماعية في الجزائر؟


3
رياضة

طرد ميسي وهدف الجزائر الملغى.. ماذا قال خبراء التحكيم؟


4
راصد

بعد السقوط أمام الأرجنتين.. موجة غضب تطال بيتكوفيتش و"الخضر"


5
رياضة

ليلة خارج العادة في الجزائر.. كيف شاهد الجمهور مباراة "الخضر" أمام الأرجنتين؟