ultracheck
راصد

من مسرح الجريمة إلى "الترند".. الإعلام الجزائري يُلاحق "هشام الوهراني"

21 أكتوبر 2025
مسرح الجريمة في الجزائر ينتقل إلى "الترند".. والإعلام يُلاحق "هشام الوهراني"
الجريمة والترند.. صورة لعملية القبض على " هشام الوهراني" بمنطقة الشلف غرب الجزائر (صورة: فيسبوك)
فتيحة زماموش
فتيحة زماموش إعلامية وباحثة من الجزائر

قبل 23 سنة، شهدت الجزائر العاصمة جريمة قتل راح ضحيتها شاب يُدعى "علي الكاريار"، بسبب تعاطي المهلوسات. وقتها خصّصت صحيفة" الخبر الأسبوعي "اجتماعًا خاصًا لتغطية الحادث، وكانت من أوائل الجرائد التي أولت اهتمامًا بقضايا الجريمة، التشرد، المخدرات، والمتسولين، عبر صفحات مخصصة للواقع الاجتماعي، رغم أن الاهتمام الإعلامي حينها كان لافتا على الجانبين السياسي والأمني. 

بالعودة إلى قضية " هشام الوهراني" التي لازالت تفاصيلها غير مكتملة، يبدو وكأنها حالة تُظهر كيف أن الفرجة حلت محلّ الفهم، والتداول محلّ التحليل، وأصبح الخطر الحقيقي هو تطبيع المجتمع مع مشاهد العنف اليومي، ما دام كل شيء قابلًا للمشاركة والنّقر

لا تهم أسماء أبطال قصص الجريمة بالقدر ما تهم تفاصيلها.. قبل 23 سنة من اليوم؛ خصصت رئاسة التحرير لصحيفة "الخبر الأسبوعي" اجتماعا خاصا، وقتها لم (أكن شخصيا) لدي الوعي بأنّ ماوقع في الجِوار لمقر الصحيفة بـ"دار الصحافة عبد القادر سفير" بمنطقة القبة بالجزائر العاصمة وعلى بعد أمتار قليلة من قاعة التحرير، أنّها بذرة جريمة قتل وتعاطي المُهلوسات راح ضحيتها الشاب "علي الكاريار" البالغ من عمره 25 سنة.

هذه الجريمة بوعي الماضي  أطلّت برأسها قبل عقدين من الزمن، وكيف أفردت الجريدة الأسبوعية، آنذاك، صفحات تتابع قضايا الإجرام، وقصص المتسولين و قضايا التشرد وتعاطي المخدرات، وغيرها من القصص، دون أن تهمل قضايا السياسة والأمن والثقافة والرياضة والمنوعات. 

من "علي كاريار" إلى فيديو " هشام الوهراني"

من حالة منفردة قبل أكثر من عقدين من الزمن، أصبحت اليوم الشجرة التي تُغطي الغابة، إذ باتت الجرائم اليوم ظاهرة للعيان، بل وتتشارك مع الجزائريين - الجمهور الأكل والشرب أثناء انتقالهم بالأصبع في شاشة الهاتف النقال والتعليق ببكبسة زرّ. 

جريمة على المُباشر ما الذي حصل؟ 

الإعلام في الجزائر تحت ضغط "الترند" والمجتمع يسبِق المؤسسات، إذ في مشهد صادم، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يوثق اعتداءً وحشيًا على شاب في بوسماعيل بولاية تيبازة، يظهر فيه المعتدي "هشام الوهراني" رفقة آخرين وهم ينهالون على الضحية بالضرب، وسط محاولات لإهانته وتجريده من ملابسه.

لم تستغرق القصة ساعات حتى أصبحت "الترند" رقم واحد على صفحات الشبكة الاجتماعية، وخاصة منصة "فيسبوك"، وبدأت الدعوات لمُلاحقة المُعتدين. 

وألقت السلطات الأمنية القبض على المشتبه به بعد تحرك شعبي وليس إعلامي، بل ويتنافس الجزائريون اليوم على جدرانهم الافتراضية حول الشجاعة التي عرفت بها الولاية " الشلف" على حساب ولاية " عين الدفلى" وسط الجزائر، والسبب المسك بـ" هشام الوهراني". 

هكذا صارت الجريمة تُكتشف وتُتابع وتُطالب بالعدالة عبر المنصة الرقمية، لا المؤسسة الإعلامية.

ولكن عطفا على ما سبق ذكره؛ وجب الإشارة إلى أنّ مختلف وسائل الإعلام المحلية لم تتحقق بشكل مستقل من تفاصيل حادثة "هشام الوهراني"، ونؤكد أنّ لكل قصة زوايا خفية قد لا تظهر في الفيديوهات المُتداولة.

في هذه النقطة بالذات، يحمل الإعلام واجب التثبت والنقل والنشر، في خصوص القضايا التي باتت "ترند"، ولكن هناك واجب آخر يفترض فيه أن يؤدي دور العدالة، وهوما يُسميه القانون بـ" قرينة البراءة"، حيث يُفترض في كل متهم أنه بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، لا عبر مقاطع فيديو أو حملات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكثر رابطة قانونية مع الإعلام ما يُوسم بـ" حقّ التحفظ"، أي الامتناع عن إصدار أحكام مُسبقة أو نهائية على أشخاص أو وقائع لم تُستكمل بعد كل جوانبها القانونية أو القضائية.

الإعلام أم المنصات؟

جفّت الأقلام وسط كومة من الأخبار والصور عبر الشاشات... هذه الحادثة مثال حي على تحوّل مركز الثقل في صناعة الخبر. فبدل أن تقود وسائل الإعلام الرأي العام، أصبحت تتابع ما يصنعه المستخدمون على المنصات الاجتماعية.

يحمل الإعلام واجب التثبت والنقل والنشر، في خصوص القضايا التي باتت "ترند"، ولكن هناك واجب آخر يفترض فيه أن يؤدي دور العدالة، وهوما يُسميه القانون بـ" قرينة البراءة"، حيث يُفترض في كل متهم أنه بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، لا عبر مقاطع فيديو أو حملات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكثر من ذلك، أصبح "الترند" هو الذي يحدد ما يستحق التغطية؛ لأنه يجلب الجمهور والمشاهدات، بصرف النظر عن المعايير المهنية أو الأولويات المجتمعية.

الصحافة اليوم في موقف التابع، لا القائد، وكأن دورها التقليدي في إنتاج المعلومة وتحليلها ومراقبة السلطة، تم استبداله بدور ثانوي: تلخيص ما يتداوله الناس.

انتقال إعلامي.. الجرائم لم تعد حوادث... بل محتوى

المقارنة لا تستقيم بين وضعين مختلفين، وظروف متباينة، وبين جيل الصحافة الورقية والإعلام الثقيل وجيل "السوشيال ميديا"، لكن ما يُثار حاليا للنقاش وجب تناوله خصوصا وأنّ تناول الجرائم في الماضي، كان من باب التبليغ الإخباري والتحليل الاجتماعي. 

أما اليوم، أصبحت مشاهد العنف تُبث كـ"محتوى"، يتم تداوله والحديث عنه وكأنه مادة ترفيهية، حتى عندما يكون خلفها ضحايا حقيقيون.

بالعودة إلى قضية " هشام الوهراني" التي لازالت تفاصيلها غير مكتملة، يبدو وكأنها حالة تُظهر كيف أن الفرجة حلت محلّ الفهم، والتداول محلّ التحليل، وأصبح الخطر الحقيقي هو تطبيع المجتمع مع مشاهد العنف اليومي، ما دام كل شيء قابلًا للمشاركة والنقر.

من الصفحات الداخلية إلى "الترند"

قبل عقدين، كانت القضايا الاجتماعية تُركن في الصفحات الداخلية للصحف، القضايا السياسية والأمنية كانت تحظى بالأولوية والهيبة، حتى داخل غرف التحرير.

وحتى الصحفي الذي يكتب عن الأمن أو السياسة كان في الصف الأول، بينما من يشتغل على "المجتمع" يُنظر إليه على أنه في "الهامش"..

تغيرت المعادلة اليوم إذ صارت القضايا الاجتماعية والجرائم من قتل واغتصاب وتعاطي مخدرات وهجرة غير نظامية هي التي تصنع "الترند"، كما قالت أستاذة الإعلام والاتصال بجامعة عنابة حسينة بوالشيخ لـ" الترا جزائر".

وأضافت المختصة في الإعلام والاتصال أنّ "هذه القضايا هي التي تصنع الفرجة وهي من يفرض أجندة النقاش".

سياسيا يعتقد المتابعون للشأن العام في الجزائر أنّ هذه القضايا ليست واجهة إعلامية فقط، بل صارت هي من يطلبها الجمهور وحتى هيئة التحرير في ظل " انغلاق شبه تامّ حول تناول المسائل السياسية الشائكة، وخاصة منها الحريات". 

 ومع ذلك :" لا يعني هذا أن الإعلام صار أقرب للمجتمع، بل فقط أصبح أسرع في التقاط ما يشغل الناس"، كما يقول الباحث في العلوم السياسية محمد زايدي من جامعة الجزائر 

وأوضح الأستاذ زايدي لـ" الترا جزائر" أنّ" الملاحظ أن الإعلام الموجه والمحكوم بما تقدمه وسائط الشبكات الاجتماعية لا يُقدّم في كثير من الأحيان معالجة مسؤولة أو عميقة".

جرائم وأسئلة الإعلام

ما حدث في "بوسماعيل" بولاية تيبازة غرب الجزائر العاصمة، وغيرها من حوادث مشابهة، يطرح تساؤلات كثيرة:

  • هل المطلوب أن تُوثق كل جريمة بكاميرا ليتم التحرك؟
  • هل من الطبيعي أن يعتمد القضاء أو الرأي العام على فيديوهات صادمة بدل بلاغات موثقة؟
  • هل كل ما يتم تداوله في المنصات الاجتماعية دقيق أو غير مُفبرك؟

في المقابل من ذلك أسئلة أخرى: 

  • من هو الضحية؟ الشاب المُعتدى عليه، أم جمهور يتعرض يوميًا لموجات من العنف البصري؟
  • وما حدود المسؤولية حين تصبح الجريمة فُرجة تمظهر ومظاهر، والمتلقي مستهلكًا سلبيًا لمآسي الآخرين؟

ثواني معدودات.. ما بعد "الترند" 

في عوالم الفضاء الافتراضي فإنّ الترند لا يصنع الحلول، بل يكشف عن أزمات، لهذا يجب أن يستعيد الإعلام مكانته كطرف فاعل، لا مجرّد ناقل، هذا ما يمكن تلخيصه من مختلف الأصوات الإعلامية في الجزائر، فهل تتحرّك المؤسسات الرسمية قبل أن يتحرك الغضب الرقمي؟.

في هذا المضمار، يتحدث خبراء الإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع على أنّ المؤسسات "نحتاج إلى تربية إعلامية مجتمعية، ومراجعة سياسات النشر، وآليات الاستجابة للجرائم، بدل الاعتماد على "الفيديوهات" كشرط للتحرك.

لا تختزل قصة " هشام الوهراني" جريمة بشعة، بل تعكس صورة مشوهة ومشوشة للإعلام الذي يصارع ليبقى في الصدارة على مستوى المشهد الكلي بينما هذه الجرائم ستطوى في دقائق معدودات في زمن الترند، في مجتمع باشر في بناء مكوناته على عدد النقرات وليس الوعي، فهل سنصبح صدى لما يقرره "الترند؟" 

الكلمات المفتاحية

جعاد

رحيل أنيس جعاد.. فنانون وإعلاميون يودّعونه بكلمات مؤثرة عبر المنصات


مبولحي

جزائريون يُودّعون أسطورة "الخضر".. شكرًا مبولحي

خلّف قرار الحارس الدولي السابق رايس وهاب مبولحي اعتزال عالم الساحرة المستديرة موجة واسعة من التفاعل عبر منصات التواصل في الجزائر، حيث عبّر كثيرون عن امتنانهم لما قدّمه خلال مسيرته مع المنتخب الجزائري لكرة القدم، مشيدين بإسهاماته في أبرز المحطات الكروية القارية والدولية. كما دعا عدد من النشطاء إلى تكريمه تقديراً لعطائه الطويل، معتبرين أنه أحد أبرز من حرسوا عرين المنتخب وتركوا بصمة راسخة في ذاكرته.


مسلسل المهاجر

دراما أم إساءة؟.. "المُهاجر" يُفجر موجة غضب في الجزائر

أثار مسلسل "المهاجر"، المعروض خلال شهر رمضان، جدلاً واسعاً في الجزائر عقب بث مشهد اعتُبر خادشاً للحياء ومسيئاً للسلك الطبي، ما فجّر موجة غضب على منصات التواصل الاجتماعي، بين مؤيد لحرية الإبداع الفني ورافض لما وصف بالسطحية والمساس بالذوق العام.


كوميديا رمضان 2026 الجزائر

5 أعمال كوميدية جزائرية تعدُ بالضحك في رمضان 2026.. ما قصصها؟

أقلّ من عشرة أيام تفصلنا عن حلول شهر رمضان، وهي المناسبة التي تتجه فيها أنظار الجمهور الجزائري إلى الشاشات الصغيرة، التي تتحوّل كعادتها إلى فضاء للترفيه واللَّمّة العائلية بعد يوم الصيام، وتُعدّ الأعمال الكوميدية من أبرز ما يميّز هذا الموسم، لما تضفيه من أجواء مرح وضحك داخل البيوت.

larwi
رياضة

لاعبة جمباز جديدة تختار تمثيل الجزائر .. من تكون؟

أعلنت لاعبة الجمباز ذات الأصول الفرانكو-جزائرية، جنة لاروي، التحاقها الرسمي بالمنتخب الوطني الجزائري، منهية بذلك مسيرة دامت نحو عشر سنوات مع المنتخب الفرنسي، في خطوة وصفتها بالمفصلية في مشوارها الرياضي.

gettyimages-2169954040.jpg.jpg
سياسة

العزوف الانتخابي في الجزائر.. تحدٍّ متجدد يثير القلق قبيل التشريعيات

تبرز إشكالية العزوف الانتخابي كرهان أساسي، خاصة لدى أحزاب المعارضة، التي تسعى إلى فهم أسبابه والبحث عن آليات ناجعة لمعالجته، بما يعزز الثقة بين المواطن والعمل السياسي ويعيد الحيوية للمشاركة الانتخابية ودمقرطة النظام السياسي.


أمطار
أخبار

طقس الجزائر.. تحذير من أمطار رعدية غزيرة بعدة ولايات

وأوضح المصدر ذاته أن كميات الأمطار المرتقبة ستتراوح ما بين 30 و50 ملم، وقد تصل أو تتجاوز محلياً عتبة 60 ملم، في شكل زخات رعدية أحياناً.

لوحات ترقيم السيارات البطاقات الرمادية الجزائر 2026
أخبار

إطلاق المرحلة الثالثة لترقيم المركبات.. رقمنة شاملة وتبسيط للإجراءات عبر نظام وطني موحّد

أعلنت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل عن الشروع في تنفيذ المرحلة الثالثة من النظام المعلوماتي الوطني لترقيم المركبات، ابتداءً من 5 أفريل 2026، في خطوة جديدة تندرج ضمن مسار التحول الرقمي وعصرنة الخدمات الإدارية في الجزائر.

الأكثر قراءة

1
أخبار

مجلس الأمة يحسم الجدل غدًا.. مصادقة مرتقبة على قانون تجريم الاستعمار بعد تعديلات جوهرية


2
أخبار

حزب جيل جديد يقرر خوض تشريعيات 2026 ويطالب بضمانات لنزاهة المسار الانتخابي


3
رياضة

مباراة في البطولة الوطنية في قلب فضيحة مراهنات.. ما القصة؟


4
أخبار

أنبوب الغاز العابر للصحراء يدخل المرحلة الأخيرة.. انطلاق الدراسات التفصيلية


5
سياسة

حوار | نائب رئيس حزب "جيل جديد" زهير رويس: المقاطعة ليست حلًا بل تترك الساحة مُغلقةً