نحبكم.. فالحزن لا يحجز موعدًا

نحبكم.. فالحزن لا يحجز موعدًا

قرار تعليق الرحلات إلى أوروبا بسبب كورونا جاء متأخرًا (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

وقفات في مسار الأزمة: (الأزمات تقرّبنا من بعض، ودافع لتليين القلوب، وجعل السلطة أكثر مرونة)

جارتي وهي أعزّ الجارات طيبة ورأفة، قلبها "محروق" على أبنائها الذين وزّعتهم الأزمة الأمنية، والظروف التي يعرفها كلّ الجزائريين، على عددٍ من الدول الأوروبية قلبها الكبير بات صغيرًا، وكذلك كثيرٌ من الأسر تعيش اليوم الوضع نفسه، قلوبهم معلقة تّجاه القارّة العجوز، التي كانت قبل أيّام حلم الملايين من الهاربين من جحيم الحرب، وهاجس البطالة، والبحث عن عيش كريم.

التسابق من أجل السبق الصحافي، يزيد طحن قلوب ملايين العائلات في الجزائر

 الكثير منهم اختار الوجهة عبر قوارب الموت، قلب الأم وكلّ أمّ، لا يتحمّل أيّة كلمة تفيد بـ "تعليق رحلة لـ..."، تتسمّر أمام جهاز التلفزيون لمشاهدة الصور التي يبثها الصندوق العجيب، والقنوات التي تتهافت على المعلومات من أخبار وتأويلات وتفسيرات، وعواجل تزيد الوضع تعقيدًا.

اقرأ/ي أيضًا: 4 وفيات بسبب كورونا ونحو عزل بؤرة الوباء في العاصمة والبليدة

 التسابق من أجل السبق الصحافي، يزيد طحن قلوب ملايين العائلات في الجزائر، بداية من إجراءات الأمر الواقع، وهي إجراءات لابدّ منها، مقابل انفلات ملحوظ في التعامل الرسمي مع المعلومة في إطار الخدمة العمومية، وتضارب في الفضاء الافتراضي، بسبب تسارع الخطر والوباء، وتباطؤ القرارات الحاسمة والحازمة.

حزن عائلات المغتربين، يجعلنا نتوقّف، نصمت وربّما نكذب على الجارة وغيرها، للتهوين عليها، وتخفيف حدّة وقع الأخبار السلبية على قلبها، فما بالكم بالصفحات الفيسبوكية، التي تقول للمغتربين أبناء الوطن بأن يبقوا هناك.. بل ويقال كلامٌ أكثر تجريحًا من ذلك، تهكمًا عليهم وإساءة لذويهم، في مقابل أن أزمة من هذا النوع، تستحقّ حضور العقل والعلم والإنسانية، فالحياة لا ثمن لها.  

كان ردّ أحد المغتربين مؤلمًا جدًا، فالغربة لمن ذاق فصولها لا تساوي ملايين اليوروهات، إذ يقول: "اكتشفنا أننا نمثّل لأبناء الوطن مجرّد ورقات اليورو التي نجلبها معنا، أو الهدايا التي ترافقنا في كلّ زيارة"، كلمات مؤلمة لمن ذاق معنى الغربة ومعنى أن يرجع مغتربٌ لأرضه، إذ كثيرًا ما تنتظر العائلات عودة ذويها من وراء البحار، في حين هذا الأخير تتقطّع روحه من أجل "ريحة البلاد"، وصلة الدم والرحم، لتصوّر له الأزمة بأنه عبارة عن مادة استهلاكية، انتهت صلاحيتها بسبب فيروس كورونا.  

العالقون في الدول الشقيقة، ورغم الإحاطة الدبلومساية والتطمينات الإعلامية من قبل الدولة في إجراءات إجلاء الرعايا الجزائريين، إلا أنها خطوات تستوجب التوقف عندها، لوصف ذلك الخوف جرّاء أخبار يتلقفها جزائريون، بأن حدود بلاده مغلقة، سواءً كان تعلق الأمر بتعليقها في تونس أو المغرب. الصورة ليست كما يصوّرها لنا الإعلام عن بعض الإجراءات، ولكنها تصبح أشبه بذلك الحزن الذي يأتي بلا موعد، ويوقظك من حلم أنّ الذين تحبهم لن تراهم، فحالات الوفيات كثيرة.

حالة إحدى العالقات في المغرب تستغيث: "لا أريد أن أموت وحدي"، جملة تقتل في النفس كل شيء، تجعل الفرد يضع فاصلة منقوطة. صدمة، فزع وامتنان ومراجعة أخطاء، فما هو حجم اللحظات التي ضيعناها لنفرح مع أحبائنا؟، وحجم الفرص التي تضيع في مختلف أشكال التّضامن ومد الأيادي لبعضنا البعض، وتقديم أي مساعدة كانت، بعيدًا عن حسابات ما في الجيب من دنانير، وأنانية أنا أفعل وهم لا يبالون، ومشاكل بسبب الميراث، أليست الفرصة مواتية لرؤية أوجه الحياة المختلفة في عزّ الأزمة.

الحمد لله أن الكفن بلا جيوب، وأن سواعد الخير لا تنضب، وأن الوعي ينتشر مثل الرائحة

هنا، أتوقّف عند حادثة اختطاف شخص عزيز في بلد الحرب، كيف نتصّرف مع مثل هذه الحادثة، ولمن نلجأ، ومع من نتكلم، فالذّعر والخوف كلهم يسحبون للذّاكرة كل صور الظلم التي عرفت مشاوير حياتنا، الحادثة تجعلنا نقول كم هي عظيمة الحياة التي يعود فيها شخص من الموت. الحمد لله أن الكفن بلا جيوب، وأن سواعد الخير لا تنضب، وأن الوعي ينتشر مثل الرائحة، حتى لو حاولنا إخفاءها لا نستطيع.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيروس كورونا.. هل علينا أن نصاب بالذعر؟

كورونا.. إلغاء الرحلات الجويّة نحو إسبانيا وتخفيض عددها إلى فرنسا