ultracheck
منوعات

نساء الطوارق يخِطن الذاكرة جنوبي الجزائر من جلود الماعز

31 يناير 2026
نساء الطوارق
طاهر حليسي
طاهر حليسي الجزائر

في محلّه المزركش بالألوان والتحف، يجلس الحرفي سواتن عقباوي، البالغ من العمر 75 عامًا، كراهب بوذي صبور، يقارع طقسه في صمت وجلَد. من وجهه النيّر، تنبعث نظرات وقورة تتناغم مع لحيته البيضاء المستديرة، وهو يُدقّق النظر في خيط نحاسي رقيق لتزيين طقم جلدي بنّي يسرّ الناظرين.

السلع تبدو متقنة كأنها صُنعت بآلات صناعية، ومقيّسة ببرامج الذكاء الاصطناعي، يضحك الشيخ من هذه الملاحظة مردفًا: "كل شيء يُصنع بمواد طبيعية وأيادي النساء في البيوت، قبل أن يُنقل للبيع هنا. نحن نكتفي بتوضيبه وتلصيقه، بينما الجزء الأكبر من الشغل تقوم به النساء العاملات في البيوت"

يقول لـ "الترا جزائر"، بلهجة جزائرية ممزوجة بعبارات تامشاقية نابعة من أمازيغية الطوارق: "كل حياتي مسخّرة لصناعة الجلود، وأنتمي لعائلة أنجبت العديد من الحرفيين المهرة في حياكة الجلد وتزيينه بالنحاس. بدأت هذه الحرفة منذ سن الخامسة، وأمضيت سبعين عامًا فيها، ولن أتوقف عنها حتى النفس الأخير".

ويشرح عمله: "أنا بصدد تسطيح سلك نحاسي لأزيّن حقيبة صنعتها من جلد الماعز. معظم السكان يربّون الماعز أكثر من كباش السيداو، بسبب طبيعة هضبة تاسيلي الصحراوية، التي تساعد على تربية العنز الذي يتغذى على القليل من الكلأ، أما الآخرون فيلجئون إلى الكباش، أما جلود العير فنادرة الاستعمال".

أشغال يدوية

هذه الجلود الخام لا تصل إلى الدكان ملساء، بل تمرّ بمراحل دباغة تقليدية. يوضح موسى أغ عمر، تاجر مجاور، أن جلد الماعز يُحضّر باستخدام نباتات صحراوية ورماد حطب الأشجار، قبل أن ينشر في حبال أو فوق الصخور ليُجفف تحت أشعة الشمس الشرسة. ويضيف مشيرًا إلى قطعة جلدية ملساء: "تحولت هذه القطعة من جلد خام إلى أديم جاهز للتقطيع والتفصيل والتزويق والحياكة".

السلع تبدو متقنة كأنها صُنعت بآلات صناعية، ومقيّسة ببرامج الذكاء الاصطناعي، يضحك الشيخ من هذه الملاحظة مردفًا: "كل شيء يُصنع بمواد طبيعية وأيادي النساء في البيوت، قبل أن يُنقل للبيع هنا. نحن نكتفي بتوضيبه وتلصيقه، بينما الجزء الأكبر من الشغل تقوم به النساء العاملات في البيوت".

ومن بين النساء الشهيرات في التراث الجلدي، العجوز فيرو بلخير، أيقونة الصناعة التقليدية، التي كرسّت حياتها لصيانة الصنائع المتنوعة، من تطويع الجلود إلى صناعة الآلات العريقة مثل التيندي وبخاصة الإمزاد، المدرج ضمن التراث اللامادي الإنساني لطوارق الجزائر ومالي والنيجر في قائمة اليونسكو منذ العام 2013.

 

ورش نسائية

هنا، في هذه الدكاكين الملونة، تتقاطع الحرفة مع ذاكرة النساء. الحرفية عائشة مشار، 46 سنة، حفيدة جبرين مشار وابنة فيرو ورئيسة جمعية طاسيلي للصناعة التقليدية، تفتح أبواب "البيوت الخلفية" المتخصصة في تحضير الجلود. فتكشف: "بعد سلخ الذبيحة، يُغسل الجلد بالتراب، قبل أن يجفف تحت أشعة الشمس، ثم يليّن بالهصر اليدوي. لاحقا، تبدأ مرحلة الدباغة الطبيعية باستخدام أعشاب أجّار وشجرة التبركة، لتصبح الصفيحة ملساء وجاهزة للاستخدام".

وتوضح: "في مرحلة لاحقة، يُدهن الجلد بأصباغ خاصة من النيجر، تمزج مع الماء لتصبح ألوانًا طبيعية تخلف بصمة معمرة فوق أديم الجلود".

تفنّد المتحدثة الاعتقاد الشائع بأن الجلد يقتصر على انتاج التذكارات السياحية، مؤكدة أنه أساس الأثاث العائلي والمجتمعي للرحل ونصف الرحل، فتوضح في شبه تلقين مدرسي قائلة: " التذكارات سلعة فرضها النشاط السياحي، لا غير. بيد أن الجلد هو في الأساس المادة الرئيسة لصناعة الأثاث، من الشرابات التارقية، إلى الفراش المسمى "أصدْكن"، وساتر الخيمة "أصَبْر"، إلى شريط التزيين "تاسوفرا"، الذي يغطى به الجمل من الجانبين، إلى وأدوات المعاش مثل "أجوير" التي تعني الشكوة، و"أبيوغ "التي تعني القربة. أما السوط الذي تلكز به البهائم فيسمى "ألَكُّوظ" وهو مصنوع حصرا من جلود الجمال والبقر لشدتها ومتانتها".

وتشير عائشة أيضًا إلى الوظيفة الموسيقية للجلود، إذ تُستخدم في صناعة آلات مثل الطبلة "هيجلت"، والتيندي، والإمزاد، حيث يصدر عن الجلد المرن المرنّخ بالماء، أصوات تواكب الغناء الشعبي والمآثر التراثية المروية من أعماق نساء، منحن هذا الفن مسحة أنثوية.

غراء أمدغر

يلوذ الشيخ سواتن قليل الكلام إلى صمته الذي يساعده على التركيز في اللصق والتفصيل، يتدخل نجله إبراهيم، البالغ من العمر 15 عامًا، ليشرح طرق تثبيت معلاق حامل المفاتيح عارضا لائحة الأسعار، وهو يؤكد أنه وشقيقه محمد أتقنا الصنعة منذ نعومة الأظافر. يقول: "نستعمل في لصق قطع الجلود المشكلة والمزيّنة غراءً تقليديًا يُسمّى أمدغر، نصنعه في البيوت من الفرينة والسميد وعشبة أمدغر التي منحته الاسم. نغلي المكونات الثلاث معا في ماء لتصير سائلا متلدنا يضاهي في متانته الغراء الصناعي".

وعن الأسعار، يتابع: "حاملات النقود الصغيرة بـ 500 دج، حافظة التبغ المسماة طاكبا، بـ2500 دج، وحقائب اليد بين 3000 و5000 دج، وتُقبل عليها الجزائريات والأوروبيات لأصالتها وصلابتها".

يتوقف الحاج سواتن عن عمله تلبيةً لنداء صلاة الظهر، معبّرًا عن رضاه بانتقال الصنعة إلى أبنائه، بل وتحولها إلى شبكة محلات يملكها أبناء العقباوي، الذين يعدون سادة هذه الصنائع في ولايات الجنوب الشرقي الأقصى من جانت وحتى تمنراست مرورا بإيليزي حتى تخوم أدرار، فيصرح: " نعتاش من الحرفة، لكن المال ليس الغاية، بل وسيلة لديمومة تراث الأجداد. هذه التذكارات التي يحملها السياح إلى روما وباريس وبرلين شهادة على أن حبل التراث لم ينقطع منذ قرون، وأننا لا نحيك جلدا بل ذاكرة جماعية تقاوم الانحسار والاندثار".

قش وعظام

المحل يعج بتشكيلات زينة أخرى، لا علاقة لها بالفضة أو النحاس، بل مصنوعة من عظام حيوانية. يشرح إبراهيم: "نلتقط بقايا هياكل عظمية لإبل نافقة أو منحورة، نغسلها جيدًا، وعندما تجف وترطب تصبح مثل الصخور النقية، ثم نغمدها بالجلد المزوّق أو الحاف، فتصبح قطع ديكور مكتبي أو منزلي. نوضب الجماجم والأكتاف وأجزاء الأقدام، وكأننا نحيي تلك العظام بدل أن تصبح رميمًا".

على الجدران بالحانوت تتدلى الأواني المعلقة المصنوعة من القش، ويعقب: "تنشأ النساء قففا تقليدية منسوجة من سعف النخيل، مثل السلال لحمل الخبز أو المخارف لجني التمور والفواكه الأخرى، وتأتي المادة الأولية من واحات جانت ووادي أهرير وتلالين".

تشهد المحلات إقبالًا كبيرًا من السياح المحليين والأجانب، الذين يوثقون زيارتهم بشراء التذكارات، التي استلهمت منها دور غربية نماذج في التصميم والتزيين، كما تُستضاف في متاحف عالمية مثل متحف فاولر بجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتحف الفن الأفريقي بواشنطن تحت مسمى: "فن أن تكون طارقيا، رحل الصحراء في عالم حديث".

يقول كارل، سائح ألماني: "هذه سابع مرة أزور فيها جانت وإيليزي، وأحرص على شراء حافظات نقود وحقائب يدوية، لأنها متقنة التصميم ومصنوعة من مواد أولية طبيعية، و بما أن هذه المنتجات تنجز بالأساس من طرف النساء في ورش عائلية، قريبة من مفهوم الاقتصاد الأسري يمكنها وبقليل من الفكر الاقتصادي العصري، أن تنتشر في العالم كما انتشرت ماركات أوروبية شهيرة، رغم أنها في الأصل منتجات جلدية عائلية على غرار منتجات هيرميس الفرنسية و غوتشي الإيطالية".

خبز السياحة

تضيف مواطنته ساندرا وهي تتفحص حقيبة يدوية: "نقتني عادة عدة نماذج لإهدائها للأصدقاء، وكلفتها زهيدة جدًا بناء على فارق العملة بين اليورو والدينار، فهي تتراوح بين 3.3 و20 و33 يورو. هذا العامل يمكن أن يتحول مع شيء بالتركيز في الصناعة السياحية إلى عامل جذب للسياح الأجانب، مقارنة بأسواق سياحية إقليمية ودولية تأثرت بالغلاء الناجم عن تحولات العالم بعد كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.  كما أن أرباب المحلات لا يفرّقون بين الزبون المحلي والأجنبي، وهذا شعور بالصدق والأمانة يستقطب السياح ويشجع على الشراء".

ويعقب إبراهيم: "الأسعار واحدة للجميع، لأن الزبون الدائم ثروة دائمة، وهو أهم من ربح المال. في ذروة الموسم السياحي نحقق حتى 20 ألف دينار يوميًا، وأحيانًا لا نجمع شيئًا، وأدنى دخل في الأيام المتوسطة 5000 دينار جزائري، وهذه هي التجارة، رزق مكتوب في السماء لا تدري متى يطرق بابك".

ويختم الشيخ سواتن : "ما يهمنا ليس ثمن البيع بل كثرة السياح، ونتمنى استمرار التدفق المحلي والأجنبي لتزدهر سوق المشغولات العريقة، ولهذا نعتبر السياحة خبز الصناعة التقليدية وزيّتها الذي لا ينضب".

الكلمات المفتاحية

فصل الربيع الأوراس الجزائر

تافسوت في الأوراس شرق الجزائر.. جدران بألوان الزرابي وأهازيج تغنى للربيع

في قلب جبال الأوراس، شرقي الجزائر، وتحديدًا بقرية منعة العتيقة، وبلدات أخرى جنوبي وغربي ولاية باتنة، لا يُستقبل الربيع كتاريخ عابر في الرزنامة، بل كحدث جماعي تتواطأ فيه الذاكرة مع الطبيعة، وتُعلن فيه الأرض عن عودتها إلى الحياة بطقوس ضاربة في عمق الزمن.


البلوزة الوهرانية

البلوزة الوهرانية.. خيطٌ من الذهب يربط الأندلس بعروس المتوسط

تعرف على تاريخ البلوزة الوهرانية منذ القرن 19، أنواعها (الزعيم، قشر البصل)، ودورها في تصديرة العروس. مقال يجمع آراء الخبراء والمصممين حول سبل الحفاظ على هذا التراث الجزائري الأصيل.


مدن الألعاب

مدن الألعاب والتسلية في الجزائر.. هل الأسعار تُناسب العائلات؟

إذا كانت المدن والولايات الكبرى تتوفر على بعض الخيارات المتعلقة بأماكن التنزه والترفيه واللعب، كالحدائق العمومية التي قد توجد بها بعض الألعاب كحديقة صوفيا وسط العاصمة الجزائر، فإن عدة ولايات ومدن تفتقر إلى هذه المرافق


فف

موضة الأحياء الشعبية.. كيف يصنع الشباب الجزائري هويتهم في الشارع؟

يشهد الشارع الجزائري خصوصًا في الأعياد والمناسبات تنوعًا لافتًا في أنماط اللباس يعكس فسيفساء من الهويات والانتماءات، خاصة في أوساط الشباب والمراهقين.

غربال
رياضة

ماذا قال الحكم الجزائري غربال وطاقمه بعد اختيارهم لمونديال 2026؟

وفي تصريح فيديولصفحة الاتحاد الجزائري لكرة القدم على فيسبوك، قال غربال: "الحمد لله على اختياري للمشاركة في كأس العالم 2026"، مشيراً إلى أن هذه المشاركة ستكون الثانية له في المونديال.

نذير بن بوعلي
رياضة

نذير بن بوعلي يروي لحظة الحلم مع "الخضر" ويكشف كواليس استدعائه الأول

عبّر الدولي الجزائري الجديد، نذير بن بوعلي، عن سعادته الكبيرة بعد تلقيه أول استدعاء لتمثيل المنتخب الوطني، مؤكداً أن هذه اللحظة مثّلت بالنسبة له تحقيق حلم الطفولة الذي ظل يرافقه منذ سنوات.


طارق ابن زياد
أخبار

بعد صيانتها في اليونان.. عودة سفينة "طارق بن زياد" إلى الخدمة

تأتي هذه الزيارة بعد استكمال أشغال الصيانة والتجديد التي خضعت لها السفينة في ورشة إصلاح باليونان دامت أكثر من سنتين

مازة
رياضة

مازة على رادار السيتي.. هل يكون خليفة برناردو سيلفا؟

يملك اللاعب عقدًا مع ليفركوزن يمتد حتى عام 2028، إلا أن قيمته السوقية ارتفعت بشكل لافت، حيث يُتوقع أن يتجاوز سعره 40 مليون يورو في حال رحيله خلال فترة الانتقالات الصيفية المقبلة.

الأكثر قراءة

1
أخبار

الجزائر تقتني نحو 400 ألف طن من القمح الصلب في مناقصة دولية


2
أخبار

حوار | لخضر بن خلاف: المناخ السياسي قبل التشريعيات لا يزال تحت مستوى التطلعات الديمقراطية


3
أخبار

أحكام جديدة تصل إلى 20 سنة سجنًا في قضية مقتل جمال بن إسماعيل


4
رياضة

لاعبة الجمباز جنى لعروي تلجأ إلى القضاء بعد حملة تنمر وعنصرية بسبب اختيار تمثيل الجزائر


5
سياسة

المؤرخ الإيطالي أندريا برازودورو لـ "الترا جزائر": هجوم ترامب على البابا ليون الرابع عشر وضع زيارة الجزائر في قلب العالم