نور الدين تونسي… البنّاء الذي أعاد تشييد دولة الأمير عبد القادر داخل بيته
27 نوفمبر 2025
حين أدرك الحرفي العصامي نور الدين تونسي أن نقل التاريخ للأجيال الراهنة والقادمة عبر الخطابة والأشعار الخلابة والنثر المدوي لم يعد ذا جدوى كبيرة، عزم على أن يعالج الخلل التواصلي القائم بين رواة التاريخ وأطفال المدارس وشبان دور الشباب، فأطلق مشروع الاستعادة الرمزية لمقتنيات الأمير عبد القادر المحجوزة في كبريات المتاحف الفرنسية، والتي لا يُتاح الاطلاع عليها إلا للثلة المحظوظة العابرة إلى الضفة الأخرى.
ثم شرع في إعادة اختراع تلك الأغراض من جديد، مقلدًا للنسخ الأصلية، حتى يتسنى للمحرومين فرصة مشاهدتها عن كثب. وقد تحقق هذا الإنجاز خلال سبع سنوات، ليصبح فيها "متحف الأمير المتنقل" حضورًا لا محيد عنه في المناسبات التاريخية والوطنية الكبرى، كما لو أنه إرث يُرى ويُروى عبر نافذة الزمن المفتوحة على الماضي الحاضر.
أطلق نور الدين تونسي مشروع الاستعادة الرمزية لمقتنيات الأمير عبد القادر المحجوزة في كبريات المتاحف الفرنسية، والتي لا يُتاح الاطلاع عليها إلا للثلة المحظوظة العابرة إلى الضفة الأخرى
شرارة يوم المبايعة
كانت فكرة إحياء ذكرى المبايعة الأولى للأمير عبد القادر تحت شجرة الدردار بسهل غريس بولاية معسكر غرب الجزائر، المصادفة ليوم 27 نوفمبر من كل عام، قبل انعقاد المبايعة الكبرى بمسجد البيعة في معسكر بتاريخ 4 فبراير 1833، هي الشرارة التي حركت البنّاء والحرفي نور الدين تونسي ودفعته لإنشاء متحف يجسد أغراض ومقتنيات وأسلحة دولة الأمير عبد القادر حتى يصبح ليوم الاحتفال معنى محسوسًا ومرئيًا.
هكذا شرع الرجل في تشييد المشروع لبنة فلبنة. ورغم العوائق والصعوبات التي واجهته، مثل افتقاره لورشة تتسع لأحلامه الفنية والتاريخية، فقد قرر أن يعيد بناء دولة الأمير داخل بيته الواقع في حي قصي بسيدي بلعباس.

يقول لـ"الترا جزائر" مبتسمًا: "طرقت الفكرة ذهني بقوة سنة 2018، لكني شرعت في تجسيدها فعليًا منذ 2019 في بيتي بقرية بلولادي جنوب مدينة سيدي بلعباس. بدا لي أن الأمير، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، يستحق أن نقدّمه بصورة مرئية وملموسة عبر إحياء مقتنياته وأغراضه التي طوّر بها دولته. لا يمكن أن نتحدث عن هذا الرجل الفذ والملهم دون أن نرى أشياءه".
استرجاع مسروقات
ثمّة أيضًا جرح تاريخي غائر يختبئ خلف فكرته، التي تحولت اليوم إلى متحف متنقل يحط رحاله بالمدارس والمؤسسات الثقافية والتاريخية والسياحية، ويحظى بطلبات لعرض مشغولاته في مختلف ولايات الوطن.
يوضح الخلفية التاريخية لمعرضه قائلًا: "حاولت استرجاع كل أغراض الأمير: لباسه، أسلحته، عتاد جيشه، مما كانت تتوفر عليه عاصمته المتنقلة "الزمالة"، وعاصمته الثانية "تاقدامت"". للأسف، هذه الأغراض تنام اليوم في متاحف فرنسية بـ"تولون" و"لي أنفاليد"، بعد أن استولى عليها الفرنسيون عقب تفكيك العاصمتين وسبي محتوياتهما. كنت كما لو أني أحاول استرجاع تلك الغنائم الوطنية التي وضعت فرنسا يدها عليها، في انتظار أن تعود يومًا ما، كما تطالب بذلك السلطات الجزائرية وهيئات المؤرخين والمثقفين منذ عقود طويلة".
أغراض الأمير تنام اليوم في متاحف فرنسية بـ"تولون" و"لي أنفاليد"، بعد أن استولى عليها الفرنسيون عقب تفكيك العاصمتين وسبي محتوياتهما
بدأ نور الدين، العصامي الفذ، خطواته الأولى بإنجاز نماذج مطابقة لما سُلب من الأمير والجزائر سنة 1847، دون أن يتوقع أن يكبر مشروعه الذي جسّده بإرادة فولاذية وشغف لا يُجارى.

يضيف مسترجعًا البدايات: "بدأتُ بالأغراض الشخصية للأمير، فصممت نماذج مطابقة لسيفيه: سيف الفليسة، وسيف النمشة، إضافة إلى بندقيته، ونماذج من مسكوكاته، خصوصًا العملة المحمدية. كان من غير المقبول أن تبقى أشياء هذا الرمز القومي الحميمية في متاحف فرنسية، دون أن تكون لنا القدرة على تلمّس ورؤية نسخ مطابقة لها في بلدنا. وهذا ما دفعني للذهاب بعيدًا في المشروع؛ مشروع الاسترجاع الرمزي للأمير ومؤسساته".
توثيق أكاديمي
ومع تطور الحلم، صار مشروعه أدوات متنقلة تؤثث لتلك الدولة في الواقع لا في الخيال. ففي المعرض الذي يقف اليوم على قدميه، تتزين الأروقة بمصنوعات يدوية متقنة: بنادق وسيوف معدنية، حافظات جلدية بديعة، مدافع لامعة، ناهيك عن الألبسة والمخطوطات والرتب العسكرية، وبعضها يرتقي إلى مستوى سينوغرافيا تصلح للشرح أو لتمثيل الأفلام، لكونها ذات تأصيل مرجعي قريب من المصادر التاريخية الموثوقة.
ليس تونسي مجرد بنّاء يشيد المنازل؛ إنه صاحب عبقرية فنية، ورجل مشبع بالوطنية والتاريخ. ولهذا فهو لا يصمم من محض خيال، بل يعتمد على أبحاث مضنية، لأن الاسترجاع الرمزي لتاريخ الأمير يجب أن يكون استرجاعًا معرفيًا وتاريخيًا يليق بعظمة الأمير الهاشمي.
على مدار السنوات الماضية، صار هذا الحرفي مطلوبًا في مختلف التظاهرات الوطنية المتعلقة بالأمير عبد القادر، كما لو أنه متعهده الشخصي. وربما دون أن يعي، أصبح مؤرخًا من نوع آخر يروي ملحمة المؤسس الفعلي للدولة الجزائرية الحديثة بالمجسمات والتشكيلات الحية، مانحًا للأمير حياة بصرية تشبه متاحف الشمع العالمية.
يشرح ذلك لـ"الترا جزائر": "أطالع باهتمام كل ما يتعلق بهذه الأيقونة الوطنية. كما ساهم انخراطي في مؤسسة الأمير عبد القادر في تمكيني من حيازة رؤى ومعطيات مهمة. وساعدني المؤرخ عبد القادر هاني بمؤلفاته، كما زودني السيد حبيب مرابط، أحد أحفاد الأمير، بمعلومات قيّمة أغنت المشروع".
ويتابع موضحًا أسس الاستناد العلمي: "اعتمدت على كتاب تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر الذي ألّفه ابنه محمد باشا عبد القادر سنة 1903، ومخطوط وشاح الكتائب وزينة الجيش المحمدي الذي دوّنه الأمير نفسه. كلا الكتابين مهمّان؛ الأول لفهم تاريخ الرجل، والثاني لتجسيد نمط الألبسة والرتب العسكرية. ويمكنني القول إن ما أنجزته هو الأكثر إخلاصًا للحقائق التاريخية المتعلقة بدولة المقاومة بين 1830 و1847".
صناعات ومسكوكات
نفّذ نور الدين متحفه وفق عدة محاور: ألبسة الأمير وجنده، الأسلحة المصنوعة في ورش تاقدامت وتلمسان ومليانة ومعسكر، إضافة إلى مجسمات تخص الزمالة المتنقلة وخيمتها وحصون تاقدامت.
يقول: "اعتمدت على مراسلات سفير الأمير في معسكر، السيد دوما، الذي رسم مخططها، وذلك كان مفيدًا لي في بناء تصور حول تلك العاصمة الثانية، التي كانت تضم ثلاثة حصون: الأول للجند والورشات، الثاني للمخازن، والثالث الدائري ملاذ للفلاحين خلال الغارات".
وعلى هذا، لم يكن عبد القادر الجزائري مجرد عالم أو محارب متصوف، بل كان ذا عقل سياسي بنّاء. وتتجلّى ثقافة الدولة لديه في العتاد العسكري واللوجستي الذي أعاد تونسي تجسيده: البنادق، المدافع، الحافظات الجلدية، الخراطيش، والمسكوكات التي تحمل شعارات مثل: "إن الدين عند الله الإسلام"، "حسبنا الله ونعم الوكيل"، "ربّنا أفرغ علينا صبرًا وتوفّنا مسلمين".
بيداغوجية الأجيال
يعلّق تونسي: "هذا المتحف بما يزدان به من صنائع يدوية يؤكد أن الأمير لم يكن رجلًا روحانيًا فحسب، بل مؤسسًا لقاعدة صناعية عسكرية. وأسعى لنقل الذاكرة التاريخية بدقة معرفية، خاصة لتلاميذ المدارس الذين يحتاجون إلى المعاينة البصرية ولمس تلك المقتنيات بدل الاكتفاء بالدراسة النظرية".
ولا يتوقف حلمه عند هذا الحد، إذ يطمح لإنشاء متحف قائم بذاته في سيدي بلعباس، رغم الصعوبات المادية واللوجستية.
ابتكار التسويق
يتابع: "ليس لدي مقر أشتغل فيه. لم أستفد من محلات الرئيس ولا أملك بطاقة فنان. وحصلت على رخصة استغلال مساحة أرضية منحني إياها المؤرخ عبد القادر هاني، وأنا بصدد تشييد المتحف وفق الأفكار التي طورتها. لدي أيضًا أفكار لإنتاج تذكارات جلدية ومعدنية تروّج لرموز دولة الأمير".
على مدار السنوات الماضية، صار هذا الحرفي مطلوبًا في مختلف التظاهرات الوطنية المتعلقة بالأمير عبد القادر، كما لو أنه متعهده الشخصي. وربما دون أن يعي، أصبح مؤرخًا من نوع آخر يروي ملحمة المؤسس الفعلي للدولة الجزائرية الحديثة بالمجسمات والتشكيلات الحية، مانحًا للأمير حياة بصرية تشبه متاحف الشمع العالمية.
الكلمات المفتاحية
تافسوت في الأوراس شرق الجزائر.. جدران بألوان الزرابي وأهازيج تغنى للربيع
في قلب جبال الأوراس، شرقي الجزائر، وتحديدًا بقرية منعة العتيقة، وبلدات أخرى جنوبي وغربي ولاية باتنة، لا يُستقبل الربيع كتاريخ عابر في الرزنامة، بل كحدث جماعي تتواطأ فيه الذاكرة مع الطبيعة، وتُعلن فيه الأرض عن عودتها إلى الحياة بطقوس ضاربة في عمق الزمن.
البلوزة الوهرانية.. خيطٌ من الذهب يربط الأندلس بعروس المتوسط
تعرف على تاريخ البلوزة الوهرانية منذ القرن 19، أنواعها (الزعيم، قشر البصل)، ودورها في تصديرة العروس. مقال يجمع آراء الخبراء والمصممين حول سبل الحفاظ على هذا التراث الجزائري الأصيل.
مدن الألعاب والتسلية في الجزائر.. هل الأسعار تُناسب العائلات؟
إذا كانت المدن والولايات الكبرى تتوفر على بعض الخيارات المتعلقة بأماكن التنزه والترفيه واللعب، كالحدائق العمومية التي قد توجد بها بعض الألعاب كحديقة صوفيا وسط العاصمة الجزائر، فإن عدة ولايات ومدن تفتقر إلى هذه المرافق
المدرب بيرة يطالب بتدخل الرئيس تبون.. ما القصة؟
أكد بيرة في رسالته أن الوضع الحالي لكرة القدم الوطنية لم يعد يحتمل المعالجات الجزئية أو الردود الظرفية، بل يتطلب رؤية شاملة ومؤسسة على أعلى مستوى في الدولة،
لبلوغ النهائي.. شباب بلوزداد يبحث عن "ريمونتادا" أمام الزمالك
ويدرك الفريق البلوزدادي أن المهمة لن تكون سهلة أمام منافس بحجم الزمالك، حيث سيكون مطالبًا بتسجيل هدفين على الأقل لقلب الطاولة، في لقاء ينطلق على الساعة السادسة مساءً بتوقيت القاهرة، وفق قرارات السلطات المصرية المتعلقة بترشيد استهلاك الكهرباء.
سيناتور فرنسي: الحوار بين باريس والجزائر ضرورة لتجاوز الأزمة
وأضاف ملولي أنّ "الحل يكمن في الحوار المتوازن والاعتراف المتبادل بالمصالح بين الجزائر وباريس، داعيا في معرض حديثه إلى تعزيز الحوار والتقارب بين الشعبين الجزائري والفرنسي
حوار |عبد المالك بوشافة: المعارضة مُشتتة.. والمشهد السياسي لن يتغير بعد التشريعيات
في حوار خاص مع "الترا جزائر"، يستعرض عبد المالك بوشافة، الأمين الوطني السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية (2016–2017)، أبرز التحديات التي تواجه الساحة السياسية الجزائرية، لاسيما ما يتعلق بالمعارضة. ويقدّم من خلال هذا اللقاء قراءة معمّقة لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، إلى جانب تحليله للخريطة البرلمانية المرتقبة في ضوء الانتخابات التشريعية القادمة.