هل فعلًا تعاني الجزائر من

هل فعلًا تعاني الجزائر من "أزمة حليب"؟

تعمق أزمة الحليب هموم المواطن في الجزائر (Getty)

هل الجزائر مقبلة على سنة صعبة وأزمة اقتصادية حادة مع بداية العام الجديد؟ بوادر الأزمة بدأت تلوح مع "مشكلة الحليب"، التي يعرفها السوق وحركت الشارع الجزائري للمطالبة والاحتجاج. ندرة هذه المادة الأساسية باتت حديث العام والخاص، وتشغله يوميًا مع الساعات الأولى، مع تلك الطوابير الطويلة التي تعج بها محلات المواد الأساسية، التي باتت مشهدًا يعيد إلى الأذهان أزمة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.

أزمة حليب يعاني منها المواطن الجزائري يوميًا ولا بوادر لحلول قريبة

رحلة البحث عن كيس حليب صارت في الجزائر 2016 كأنها "البحث عن صك الغفران للدخول إلى الجنة"، هذا ما قاله أحد الزبائن، في منطقة درقانة (شرق العاصمة) لـ"ألترا صوت". الرجل لديه ستة أطفال والحليب "مادة" مقدسة في بيته وفي بيوت الآلاف من الأسر الجزائرية، مؤكدًا أن همه الوحيد هو إيجاد "كيس الحليب" وإن وجد فعليه النهوض باكرًا لاقتنائه.

فهل الجزائر تعيش أزمة حليب فعلًا؟، السؤال جوهري ويطرح بإلحاح اليوم، لا سيما أن أزمة ندرة الحليب في الجزائر تتكرر مشاهدها على فترات خلال العشر سنوات الأخيرة، وفق ما يقول الناطق الرسمي للاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين الطاهر بولنوار لـ"ألترا صوت". برأيه ليست المرة الأولى التي تعرف الجزائر "هذا النقص"، بسبب ندرة أكياس الحليب، لافتًا إلى أن "الإشكال ليس في الندرة ولكن في ما وراء هذه الندرة المتكررة خلال الأعوام الأخيرة".

وأوضح بولنوار، في حديثه أن "معضلة ندرة الحليب في الجزائر نابعة من تخفيض الحكومة من كميات "غبرة الحليب"، التي تستوردها بهدف تخفيض فاتورة الاستيراد التي تتكبدها الخزينة العامة"، مضيفًا أن "الدولة تدعم أسعار غبرة الحليب، وذلك أثر على تصنيع أكياسه (الحليب) التي يتكفل بتصنيعها وتوزيعها 190 مصنعًا لتحويل الغبرة إلى سائل. من دون الحديث عن الحليب في العلب الذي لا يلقى الدعم من الحكومة".

وفي سياق متصل، يؤكد عضو في جمعية حماية المستهلك نورالدين عباز لـ"ألترا صوت" أن الأسرة الجزائرية تستهلك ما يزيد عن خمسة مليارات لتر سنويًا من الحليب. وهي كمية كبيرة أمام حجم الإنتاج أو التصنيع"، مضيفًا: "المشكلة المطروحة، أن الطلب أكبر من حجم الإنتاج وخصوصًا في بعض فترات السنة، وفي شهر رمضان وفي المناسبات وفي فصل الصيف. حيث يتم استخدام حليب الأكياس لصناعة المثلجات والحلويات والأجبان وبعض مشتقات الحليب. ويترافق هذا الطلب الكبير، مع النقص في دعم الإنتاج المحلي واستغلال الأبقار الحلوب".

اقرأ/ي أيضًا: ملف "الحركي" في الجزائر.. المسكوت عنه

وبسبب الطوابير الطويلة أمام محلات بيع المواد الغذائية، أسئلة كثيرة لاحت في الأفق. والأكثر من ذلك أن المواطن الجزائري بات حديثه اليومي عن كيس الحليب في خضم الحياة الروتينية المتشعبة، يثير الجدل، خصوصًا وأن الحكومة قد أكدت على لسان رئيس الوزراء أن سنة 2017 ستكون "سنة صعبة على جيوب الجزائريين".

رأي مخالف يعتبر ندرة الحليب مصدرًا لإلهاء الشعب عن القضايا الهامة، أو كما وصفها الإعلامي بلال بلحول لـ"ألترا صوت": "هي تدخل ضمن سياسة الإلهاء الاجتماعي"، كي "يظل المواطن المغلوب على أمره والمطحون بالمشاكل التي لا نهاية لها، يجري خلف كيس حليب ويغفل عن قضاياه المصيرية".

تأتي أزمة الحليب في الجزائر ضمن "سياسة إلهاء" المواطن عن قضايا الدولة والفساد حسب البعض 

ويعتقد بلحول في سياق حديثه أنه لا وجود لأزمة فيما يتعلق بأكياس الحليب، أمام الفواتير الضخمة التي يتكبدها المواطن تزامنًا مع ارتفاع الأسعار، مضيفًا أن "رؤية الطوابير اللامتناهية للظفر بكيس حليب ومنذ الساعات الأولى للصباح تنذر بانفجار اجتماعي إن لم تسارع الحكومة لحل الأمر في القريب العاجل"، موضحًا أن "المتضرر الوحيد هو المواطن البسيط، محدود الدخل، كونه غير قادر على اقتناء الأنواع الأخرى للحليب الباهظة الثمن على عكس ميسوري الحال. ففي كل مرة يجد الجزائري نفسه أمام أزمة جديدة تشكل عبئًا إضافيًا ليومياته".

يقول المختص في علم الاجتماع السياسي سعد زواني، إن أزمة الحليب هي "واحدة من سلسلة المشاكل التي يتخبط فيها المواطن الجزائري"، مشيرًا إلى أن "الحكومة لم تحفظ الدروس الماضية، إذ قبل خمس سنوات تمكنت من احتواء الوضع الاجتماعي الصعب عقب أحداث شهر كانون الثاني/يناير 2011 أو ما عرف بانتفاضة الزيت والسكر، عن طريق شراء السلم الاجتماعي"، مؤكدًا أنها اليوم "في ورطة حقيقية بسبب تآكل احتياطي الصرف وتواصل تراجع عائدات النفط مع انخفاضه في السوق العالمي، وأنها لم تتمكن حتى من حل أبسط مشكل متعلق بحليب الأكياس".

كما أشار المختص إلى وجود حالة "تغول" من طرف ما أسماه "لوبيات" الاستيراد، التي تستفيد من الدعم الموجه لمادة الحليب، واستعمال الغبرة المستوردة بالعملة الصعبة في أنشطة أخرى تدر أموالًا طائلة على أصحابها ولا تصل إلى مستحقيها.

اقرأ/ي أيضًا:

أرامل الجزائر.. قصص تحدٍ ونجاح

لقاحات الأطفال القاتلة تهز قطاع الصحة في الجزائر