هل كان الجزائريّون بحاجة إلى كورونا؟

هل كان الجزائريّون بحاجة إلى كورونا؟

جزائريون أطلقوا مبادراة فردية لتطهير الشوارع (تصوير: رياض كرامدي/أ.ف.ب)

أثبتت كلّ المؤشّرات أنّ الجزائريّين كانوا بحاجة إلى حراك شعبيّ وسلميّ، بعد ستّة عقود من الاستقلال غير المؤطّر بالسّياسات الحكيمة والرّشيدة، ليدركوا حجم الفراغات والاختلالات والنّقائص والثّقوب والتّسيّبات التّي كانت تتحكّم في يوميّاتهم السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والإعلاميّة.

إنّ كورونا لم يعد مجرّد فيروس يهدّد الصّحة العامّة فقط، بل أصبح أيضًا يشكّل تهديدًا لمختلف الأنسجة التّي يقوم عليها وجود شعب ووطن ما

ولئن بقي كثير من تلك الفراغات والاختلالات والنّقائص والثّقوب والتسيّبات قائمًا ومستمرًّا وفاعلًا، بعد عام من انطلاق مسعى الحراك، بحكم الإجهاضات التّي تعرّض لها، إلّا أنّه يبقى مكسبًا من زاوية كونه استطاع أن يعرّي جملة الأمراض التّي كانت تنخر أوصال الكيان الوطنيّ، ويضعها تحت الرّصد والكشف والمعاينة. أليست بداية كلّ معالجة تبدأ بالاعتراف بالمرض، ثمّ بالذهاب إلى معالجته؟

اقرأ/ي أيضًا: فيروس كورونا.. اهتمام إعلامي بالبيئة والصحّة في الجزائر

هنا، نجد أنفسنا أمام هذا السّؤال: هل كان الجزائريّون بحاجة إلى وباء مثل كورونا ليكتشفوا ثقوبًا في سلوكاتهم وذهنياتهم وطرائق تسييرهم لشؤونهم العامّة والخاصّة؟ حتّى يقوموا بسدّها ومعالجتها، قبل أن تستفحل أكثر وتصبح مستعصيّة على ذلك، فتؤخّرهم من حيث يريدون التّقدّم، وتُقعدهم من حيث يريدون القيام، وتُضعفهم من حيث يتطلّعون إلى أن يصبحوا ضمن الشّعوب القويّة والمالكة لأسباب القوّة؟

إنّ كورونا لم يعد مجرّد فيروس يهدّد الصّحة العامّة فقط، بل أصبح أيضًا يشكّل تهديدًا لمختلف الأنسجة التّي يقوم عليها وجود شعب ووطن ما. وإنّ الشّعوب التّي لا تملك القدرة على رسملة الأزمة ورصد تأخّراتها المختلفة قصد وضع قطيعة حقيقية معها مستقبلًا، وفق سياسة واضحة المنطلقات والأدوات والآفاق، سوف تُحال على مناطق الظلّ في سياق خارطة عالميّة جديدة لا شكّ في أنّها ستتشكّل قريبًا.

لقد قال قطاع واسع من العالم إنّ الكوكب مقبل على حرب عالميّة ثالثة، حين وقع الاحتكاك قبل فترة قصيرة بين إيران والولايات المتحدّة الأميركيّة، لكنّ مؤشرات موضوعيّة حالت دون وقوع تلك الحرب التّقليديّة. فهل جاء كورونا بصفته حربًا بيولوجية بديلة لها لإحداث تغييرات تصنع لنا سياسة عالميّة جديدة؟

في كلّ الحالات، فإنّ النّظام الجزائريّ مطالب بالانتباه إلى أنّ مراهنته على التّسليح بمفهومه العسكريّ القديم، بما جعل الجيش الجزائريّ واحدًا من أقوى الجيوش في العالم، ليست ذات جدوى في مفاصل معيّنة طارئة، منها مفصل الوباء. وأنّ الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذّي يحقّق فعلًا متطلّبات الأمن القوميّ الحقيقيّ.

ما جدوى أن تُصنّف ضمن نخبة العالم في مجال الطّائرات والدّبّابات والأجهزة العسكريّة وأنت لا تملك مستشفى حقيقيًّا وجامعة حقيقيّة ونظامين حقيقيّين في التّجارة والمصارف، وفضاءً عامًّا حقيقيًّا لا يتعامل مع الوباء بروح زائدة من السّخريّة، حتّى أنّ الجهود العظيمة التّي بذلتها الحكومة وواجهات المجتمع المدنيّ معًا، لم تفلح في منع مظاهر لا ينبغي أن تكون في زمن الأوبئة التّي تنتقل عبر العدوى مثل الأعراس؟

لقد اكتشفنا أنّ علاقة الجزائريّ ببيته، تقوم على التّشنّج والتّبرّم، فهو لا يتحمّل المكوث فيه حتّى في زمن الوباء القاتل. وإنّ المجموعة الوطنيّة إذا لم تباشر نقاشًا وطنيًّا معمّقًا حول هذا المعطى بالذّات وتفصل في أسبابه وسياقاته والمضدّات الحيويّة الخاصّة به، بحيث نصل إلى خلق مصالحة حقيقيّة بين الجزائريّ وبيته، فإنّ الحديث عن الذّهاب إلى واقع جزائريّ جديد سيصبح مجرّد صرخة في الوادي.

اكتشفنا جيوب مجتمع مدنيّ حقيقيّ، من خلال جملة من المبادرات اللّامعة، لكنّها ظلّت جيوبًا معزولة وغير قادرة على أن تهيمن على الرقعة

في المقابل، اكتشفنا جيوب مجتمع مدنيّ حقيقيّ، من خلال جملة من المبادرات اللّامعة. لكنّها ظلّت جيوبًا معزولة وغير قادرة على أن تهيمن على الرقعة، بحكم أنّ السّياسات القائمة لا تملك تصوّرًا أو إرادة لفتح الأبواب أمامها، حتّى تصير سلطتها أقوى من سلطة الجيوب المضادّة، خوفًا على استمرار النّظام، فهو يربطه بشلّ هذه الجيوب المدنيّة الواعية والمضيئة التّي ظلّت ترفع شعار: "مدنيّة مش عسكرية". فهل يجعل كورونا الشّعب والنّظام معًا يتّعضان، فيتكاملان في الذّهاب إلى دولة حقيقيّة؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجزائر في المرحلة الثالثة من تفشي كورونا.. ماذا بعد؟

فيروس كورونا.. إجلاء آخر رعية جزائري عالق بالصين