هل يحتاج الدستور الجزائري إلى إعادة كتابة؟

هل يحتاج الدستور الجزائري إلى إعادة كتابة؟

يتمسك الحراك الشعبي برفضه للمادة 102 دون الاعتبار بالمادتين السابعة والثامنة (أ.ف.ب)

شكّل الدستور الجزائري نقطة جدل مهمّة تُطرح مع كل حدث سياسي في الجزائر، إذ أجمع الخبراء على ضرورة فتح نقاش معمّق حول النصوص القانونية للدستور، الذي بات اليوم محل اهتمام شعبي أكثر من أي وقت مضى، مع امتداد الأزمة السياسية وتمسك الجزائريين بالتغيير الشامل للنظام وإزاحة رموز الفساد، في حين تصر المؤسسة العسكرية بـ"الحلول الدستورية" وعدم القفز على المواد المنصوص عليها في الدستور.

يشكل الدستور الجزائري مثار جدل مع امتداد الأزمة السياسية وتمسك الحراك بالتغيير الشامل بينما يتمسك الجيش بالحلول الدستورية 

فك الشيفرة تحتاج خبراء

بدا جليًا أن الدستور الحالي هو "دستور على مقاس الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة"، بحسب الناشط الحقوقي نور الدين بن بارة في تصريحه لـ"الترا جزائر".

اقرأ/ي أيضًا: الحراك الجزائريّ يرد على قايد صالح بالمادة الـ7.. الشّعب هو مصدر السّلطات 

وأشار بن بارة إلى أن بعض المواد الدستورية شكّلت "عقدة يصعب فك شيفرتها عبر مختلف الحلول التي قدمت خلال الأزمة السياسية التي تعرفها الجزائر، منذ بدء الحراك الشعبي، والتي زادت تشابكًا مع استقالة الرئيس بوتفليقة، فباتت المواد الدستورية محل تجاذبات قانونية وسياسية وشعبية أيضًا".

وفي حين ينظر البعض إلى المواد الدستورية باعتبارها وصفة لحل المعضلة، يعتقد بن بارة أن واقع الحال خلاف ذلك، موضحًا: "هناك مواد هي في حد ذاتها مشكلة، وتحتاج إلى مخارج سياسية لتجاوز المحنة الحالية والمرور نحو الحل الجذريّ".

الحل السريع

و تختلف وجهات النظر في الجزائر بين من يطالب بقراءة عميقة للدستور، ومن خلالها تستلزم تعديلات عميقة لهذه الوثيقة، وبين من يعتقد أن الوقت الآن ليس للحديث عن تعديل جذري للدستور، وإنما لتكييفه سياسيًا مع الوضع الحالي.

من جانبها ترى أستاذة القانون والحقوق نورة بن بوزة، أن الدستور الجزائري يحتاج إلى تعديلات عميقة تتعلق بإعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات والرئاسة والبرلمان، فضلًا عن الفصل التام بين السلطات، خاصة السلطة القضائية. 

وشدد بن بوزة على أن "الأهم هو أن يصبح المجلس الأعلى للقضاء منتخبًا من قبل الفاعل القضائي، وأن يحوز سلطته، وليس مُعينًا من قبل رئيس الجمهورية". 

كما أشارت إلى مقترحات أهمها في رأيها الحد من صلاحيات الرئيس، وتقليل العهدات الرئاسية، فضلًا عن تحديد وضع المؤسسة الأمنية والقوات المسلحة تحت الرقابة المؤسساتية للدولة، خاصة البرلمان، إضافةً إلى تحرير الإعلام.

وقبل أكثر من 20 عامًا، شهد الدستور الجزائري تعديلات كبرى، كانت "ظرفية ولخدمة مصالح من قاموا بالتعديل، وذلك منذ دستور 1996"، بحسب فريدة بلفراق، المختصة في القانون الدستوري والأستاذة بكلية الحقوق بجامعة باتنة. 

وقالت بلفراق لـ"الترا جزائر"، إن "الوقت قد حان لفتح هذا الملف والتفكير جديًا في وضع دستور جديد يتماشى والمرحلة الجديدة، للتأسيس لنظام يهدف إليه الشعب الجزائري، نظيفًا، ويخدم تطلعاته المستقبلية".

وبخصوص الدستور الحالي، قالت فريدة بلفراق، إنه "غير ملائم للفترة المستقبلية"، موضحةً: "بدءًا من الديباجة المطولة، ومعظم ما ورد يعتبر من لغة الخشب التي لا تصلح للمرحلة القادمة"، مشيرةً إلى "كثرة مواد الدستور، وغموضه وثغراته القانونية"، قائلة: "من المفترض أن يكون الدستور بسيطًا وواضحًا ودقيقًا، ولا يترك فرصة للكثير من التأويل".  

جدل المادة 102 بين النص والتنفيذ

وفي الظرف السياسي الحالي، برزت مواد أقلقت الرأي العام، تحديدًا تلك المتعلقة بالرئيس وشغور المنصب الرئاسي، متمثلة في المادة 102 وما يليها من مادتي 103 و104، نظرًا لتجاوز تطبيقها منذ عام 2014، إذ حلّت المادة 88 المعدلة محل المادة 102 مع وجود الأخيرة.

وحول ما أثارته هذه المادة (102)، يقول أستاذ الحقوق محمد لعرج، إن "الاختلاف حول هذه المادة ليس من حيث أنها غير قانونية أو غير دستورية، ولكن لسوء توظيفها سياسيًا لمصلحة جهة ما في النظام الجزائري، بغية ضمان استمرارها في تسيير شؤون الدولة باسم الرئيس رغم ظروفه الصحية".

وقانونيًا، هناك شبه اتفاق حالي على أن أكبر مشكلة في الجزائر اليوم، ليست في التعديل الجزئي أو الشامل للدستور، بقدر ما هي مشكلة في تطبيقه أو عدم تطبيقه، بل انتهاكه أحيانًا كثيرة. يقول لعرج: "تعرض الدستور للانتهاك من قبل من وضعوه بعيدًا عن الاستفتاء الشعبي الحقيقي المنصوص عليه في الدستور نفسه".

ذهب كثير من المختصين إلى اقتراح إعادة كتابة دستور جديدة للبلاد يراعي البساطة والدقة والوضوح، كون الحالي غامض وكثير المواد

هذا وذهب كثير من المختصين إلى اقتراح إعادة كتابة دستور جديدة للبلاد، يراعي البساطة والدقة والوضوح، معتبرين أن المشكل الأساسي ليس في نقص النصوص الدستورية والقانونية، وإنما في تشويه تطبيقها، وتجاوزها أحيانًا كثير، لخدمة مصالح فئة في الحكم، على حساب المصلحة العامة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مخاوف الحراك الشعبي من الالتفاف والعسكرة.. هل من مبرر؟

"العصابة" أم الجيش.. من هو صاحب القرار في الجزائر الآن؟