وادي الزهور في سكيكدة.. من معقل لأمراء الإرهاب إلى "أمازون الجزائر"
7 أغسطس 2026
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع، قبل عقدين ونيف من الزمن، أن تتحول منطقة وادي الزهور، الواقعة على منطقة التماس بين غرب ولاية سكيكدة وشرق ولاية جيجل، إلى الوجهة الأولى لعشاق سياحة الوديان في الجزائر.
هذه المنطقة تشهد في السنين الأخيرة تحولًا جذريًا، نقلها من بؤرة طاردة إلى قطب جاذب للسياح والزوار، منذ أطلق الشاب فارس بورزام فكرة تحويل المقومات الطبيعية الهائلة إلى قيمة اقتصادية منتجة تستقطب السياح وهواة الطبيعة العذراء
فالمنطقة كانت، طوال سنوات العشرية السوداء، محرمة على الزوار، وشهدت نزوحًا جماعيًا لسكانها هربًا من بطش الجماعات الإرهابية، أصبحت اليوم مقصدًا لآلاف المصطافين والسياح، بعد أن أعادت قوات الأمن المشتركة إليها الاستقرار، فعادت الحياة إلى ما بات يُعرف بـ "أمازون الجزائر".
لكن هذه المنطقة تشهد في السنين الأخيرة تحولًا جذريًا، نقلها من بؤرة طاردة إلى قطب جاذب للسياح والزوار، منذ أطلق الشاب فارس بورزام فكرة تحويل المقومات الطبيعية الهائلة إلى قيمة اقتصادية منتجة تستقطب السياح وهواة الطبيعة العذراء.
موطن السلمون
وتقع بلدية وادي الزهور، دائرة أولاد عطية، ولاية سكيكدة شرقي الجزائر، ضمن مقاطعة المصيف القلي الكبرى، الممتدة من الميلية إلى القل، ومن عين قشرة إلى الساحل الغربي، ويتوسطها وادٍ دائم الجريان، تنبع مياهه من جبلي سيوان والمسيد ببلدية أولاد عطية، على بعد نحو 40 كيلومترًا، قبل أن يشق مجرىً بطول 16 كيلومترًا نحو البحر، منها قرابة 10 كيلومترات وسط غطاء غابي كثيف، يمنح المكان لوحة طبيعية آسرة، تكسوها أشجار الحور والفلين والزيتون والبلوط والآس والسنديان.

ويستعيد عزيز عرقوب، وهو تاجر ستيني، ذكريات المنطقة التي اضطر إلى مغادرتها خلال سنوات الأزمة الأمنية، قبل أن يعود إليها بعد استتباب السلم، قائلاً لـ "الترا جزائر": "يقال إن أحدًا لا يستطيع تغيير مجرى النهر، وتاريخ وادي الزهور يشبه ذلك. فقد عرفت المنطقة سنوات مجد خلال السبعينيات والثمانينيات، حين اشتهر الوادي بكونه الموطن الفريد لسمك "الترويت"، أو السلمون المرقط، حتى إن هواة الصيد من ألمانيا وبلجيكا كانوا يقصدونه خصيصًا. غير أن تلك الثروة النادرة اندثرت عقب حرائق سنة 1983، التي حاصرت المنطقة من جميع الجهات، واضطر معها السكان إلى الاحتماء بسرير الوادي.
وكانت مخلفات الرماد سببًا في نفوق الأسماك، قبل أن يشرف الوزير السابق، والشخصية السياسية المعروفة، عبد الرزاق بوحارة سنة 2009 على إعادة توطين هذا النوع، فعاد للظهور، ولو بشكل جزئي، في الجزء العلوي من الوادي باتجاه الرميلة".
ويضيف: "أما المحنة الأكبر فكانت خلال سنوات الإرهاب، حين أحرقت الجماعات المسلحة المدرسة، ونهبت زرابي المسجد، وأحرقت وسائل النقل، ما دفع كثيرًا من سكان المنطقة إلى النزوح، فيما التحق آخرون بقوات الدفاع الذاتي والباتريوت والحرس البلدي.

وبعد سنوات من المعاناة عاد السلم إلى المنطقة، لكن التحول الحقيقي بدأ سنة 2021، بفضل الشاب فارس بورزام، الذي أطلق مبادرة استثمارية متواضعة بإمكانات بسيطة. فقد بدأ المشروع بطاولتين ومبرد معدل يعمل بمولد كهربائي، قبل أن يتحول إلى قطب سياحي يستقطب المصطافين من مختلف ولايات الوطن، إضافة إلى السياح الأجانب والعرب الذين يقصدون سكيكدة وجيجل".
انتصار الحياة
وادي الموت، كما كان يُلقب خلال سنوات الإرهاب الأعمى، أصبح اليوم منتجعًا للحياة. فمنذ الوهلة الأولى يلفت انتباه الزائر موقف السيارات الذي يستقبله عند المدخل، حيث يشرف فارس على تسيير المكان. ويقود جسر خشبي إلى مطعم شُيّد بالكامل من الخشب، يقدم الوجبات الساخنة والمشاوي، إلى جانب القهوة والشاي والمشروبات الباردة، بفضل مولدات كهربائية تؤمن مختلف الخدمات.
كما يضم فضاءات لألعاب الأطفال، وأراجيح، ودورات مياه، بينما تستريح العائلات حول طاولات عائمة تتناول وجباتها وأقدامها تلامس الماء البارد الرقراق.
ويمتد المسار السياحي لنحو أربعة كيلومترات من أصل سبعة، وصولًا إلى منطقة الرميلة، حيث تنتشر العائلات تحت ظلال الأشجار الوارفة، فيما يسبح الأطفال والكبار في البرك والغدران الطبيعية التي نحتتها المياه عبر السنين، حتى تبدو وكأنها مسابح طبيعية وسط غابات كثيفة تصدح فيها زقزقة الطيور ونقيق الضفادع وخرير الماء الهادر.
ويتحدث عبد الحميد بلعور، أحد مسيري المطعم، لـ "الترا جزائر"، قائلاً: "كان هذا المكان الذي يأوي المطعم، قبل عقود، مقرًا للجماعات الإرهابية، بحكم وقوعه على الحدود بين ولايتي سكيكدة وجيجل، المعروفتين بتضاريسهما الجبلية الوعرة وغاباتهما الكثيفة. كما أن منطقة الزيتونة، غير البعيدة من هنا، تُعد من أكثر المناطق الجزائرية تسجيلاً للتساقطات المطرية. أما اليوم فقد أصبحت واحة للأمن، ووجهة مثالية لعشاق الطبيعة، منذ أن أطلق فارس، الملقب بـ "الجامعي"، فكرته التي غيرت وجه المكان تغييرًا جذريًا.
ثورة خضراء
وفارس، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره، يتميز بحس فني عالٍ، ويعرفه سكان المنطقة بلقب "الجامعي"، رغم أن مساره الدراسي توقف عند السنة الرابعة متوسط. ويقول لـ "الترا جزائر": "لُقبت بالجامعي لأنني كنت دائما ما أحمل، خلال دراستي في الطور المتوسط، محفظة تشبه الحقيبة الدبلوماسية، وأتأبط الجرائد يوميا. ما قادني إلى هذه التجربة هو عشقي للطبيعة وحرصي على تنظيف الغابات والجبال، ومن هنا جاءتني فكرة إنجاز مرافق سياحية ذات طابع جمالي منسجم مع البيئة، لتكون فضاء يستقبل الشباب والعائلات. ظلت الفكرة تراودني سنوات، وحين نضجت قادني القدر إلى صدفة غيّرت كل شيء".

ويسترجع قريبه بلعور بداية المشروع قائلا: "في إحدى المرات أعد لنا فارس سمكا مشويا، وكان برفقتي صديق من ولاية سطيف، فأعجب بالمكان وبالمذاق، وقال له مباشرة: لماذا لا تؤسس مطعما في هذا الفردوس الرباني؟ وبالفعل موّل ذلك الضيف جزءا من المشروع، لتنطلق بعدها دورة اقتصادية وحياتية جديدة في قلب هذه الغابة التي لا تتوقف فيها الحركة على مدار الليل والنهار".
ولا يتوقف تدفق السيارات نحو الوادي، إذ تركن بعضها في الحظيرة، بينما تواصل أخرى سيرها إلى مواقع أكثر عمقا. ووفق تقديرات محلية، يتجاوز عدد المركبات الوافدة يوميا 200 سيارة، فضلا عن مئات الزوار الذين يفضلون التخييم، سواء في الموقع المرخص أعلى المطعم، أو على ضفاف الوادي في مناطق أخرى، وهو ما أتاح للعائلات المالكة للبساتين والأراضي الاستثمار في هذا النشاط، ولو بمقابل رمزي".
ويشرح فارس تفاصيل الخدمات قائلًا: "سعر ركن السيارة في الحظيرة هو 100 دينار لليوم، ويرتفع إلى 500 دينار للمخيمين ليلا، وهو نفس المبلغ المطلوب للمبيت في الموقع المرخص. وهناك ملاك أراض لا يطلبون أي مقابل، بينما يكتفي آخرون بنحو 3000 دينار للمجموعات القادمة عبر الوكالات السياحية، مقابل الإقامة ليلتين".
كورونا و السوشل ميديا
وخلال وجودنا بالمكان، صادفنا مرور المؤثر السياحي "الدقس" بسيارته المجهزة، وهو من رواد الوادي بعدما أقام فيه ثلاثة أيام، وأسهم، مثل كثير من صناع المحتوى، في التعريف بالموقع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويقول فارس: "اكتسب وادي الزهور شهرته كوجهة سياحية خلال جائحة كورونا، وتزامن ذلك مع انطلاق مشروعي الذي عرف انتشارا إعلاميا واسعا سنة 2023. ومنذ ذلك الحين أصبحنا نستقبل زوارا من مختلف ولايات الجزائر، خاصة من الشرق والوسط، كما استقبلنا سياحا من العراق واليمن وسوريا وتونس وألمانيا وعدة دول أوروبية، بعدما تعرفوا على المكان عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

وشجع هذا الإقبال المتزايد السلطات المحلية على إطلاق مشروع لإنجاز مخيم وطني سنة 2027، من خلال تهيئة موقع قديم كان يضم وحدة عسكرية، لإنجاز بيوت جاهزة يمكن استغلالها كشاليهات سياحية، غير بعيد عن شاطئ بني فرقان المعزول، الواقع ضمن سلسلة من الشواطئ الطبيعية، تضم أيضا خرايف ومرسى الزيتون وأورار والزمامرية.
ومن جهته، يؤكد عبد اللطيف بوليف، وهو شاب أنشأ كشكا متنقلا على ضفاف الوادي لبيع القهوة والشاي والفشار والمكسرات والشطائر، وجود تكامل بين السياحة الشاطئية وسياحة الوادي، قائلا: "عندما يكون البحر مضطربا وتصعب السباحة، يشهد الوادي إقبالا كبيرا، كما حدث العام الماضي. وحتى مرتادو الشواطئ يفضلون قضاء يوم أو عدة أيام هنا بعد انتهاء عطلتهم الساحلية، وكأنهم يختتمونها بحمام في المياه العذبة لإزالة آثار الملح عن أجسادهم".
ويعقب قريبه إسماعيل الذي يعاونه في البيع: " الوادي مناسب لفئة من المصطافين الذين يتحاشون الشمس الحارقة وعناء المكوث في الرمال، ويحبذون الأجواء اللطيفة، خاصة إذا كان يرافقهم مسنون وعجائز".
إنارة ومسالك
وتشير التوقعات إلى استمرار ارتفاع أعداد الزوار، وهو ما يستدعي، بحسب فارس، تطوير الاستثمارات، وفي مقدمتها ربط الرواق الرئيسي الممتد على أربعة كيلومترات بالإنارة العمومية، بما يسمح بخلق مناصب عمل موسمية طوال فصل الصيف، ويوفر موردا إضافيا للأسر في ظل غلاء المعيشة. ويؤكد أن دخله اليومي يتراوح بين ألفي دينار و20 ألف دينار، يوميا بحسب حجم الإقبال، وهذا كاف للتدليل على أن هناك ثروة طبيعية راكدة يمكنها أن تشكل موردا ماليا لمئات الشبان بدل اللجوء لاقتصاد الآفات الاجتماعية كبيع الحبوب المهلوسة والمخدرات.

أما بلعور، فيشدد على ضرورة فتح مسالك جديدة لتسهيل الوصول إلى الوادي من جهات مختلفة، مع اعتمادها أيضا كمنافذ للتدخل السريع عند اندلاع الحرائق، مستحضرا ما شهدته المنطقة من حرائق مدمرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وما عرفته بعض المناطق المجاورة خلال الصائفة الحالية، مضيفا: " أنشأت أحواض في بعض المناطق لاستغلالها في إطفاء النيران، لكنها كانت قليلة النجاعة، نظرا لغياب مسالك، وكان الأحرى أن تنشأ احواض مركزية عملاقة في أعلى نقطة لتمون أحواضا متوسطة تنجز في بالقرب من مسالك سهلة الوصول".
ورغم هذا الحراك السياحي والاقتصادي، يبقى التحدي الأبرز هو الحفاظ على البيئة، في ظل استمرار بعض السلوكيات السلبية، وعلى رأسها رمي النفايات، والإقبال على غسل السيارات داخل الوادي، رغم اللوائح التي تمنع هذه الممارسات حفاظا على النظام البيئي الهش.
الكلمات المفتاحية

تنزروفت.. لماذا اختيرت "صحراء الرعب" لاحتضان سجن بارونات المخدرات في الجزائر؟
لم يكن اختيار صحراء "تنزروفت"، إحدى أكثر المناطق عزلة وقسوة في الجزائر، لاحتضان سجن مخصص لبارونات المخدرات قرارًا عابرًا، فالمنطقة التي يطلق عليها كثيرون اسم "أرض الرعب" و"صحراء العطش" تمتلك طبيعة جغرافية ومناخية استثنائية، جعلت منها على مر السنين واحدة من أكثر بقاع الصحراء الكبرى رهبة وصعوبة في الوصول.

حرائق جيجل تفتح نقاشًا حول تربية الماعز في الجزائر.. ما القصة؟
بعد الحرائق المدمرة التي شهدتها ولاية جيجل، وما خلّفته من خسائر ومشاهد مؤلمة أعادت إلى الواجهة هشاشة المناطق الغابية أمام النيران، يعود نقاش قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، هل يمكن أن تصبح تربية الماعز جزءًا من استراتيجية الوقاية من حرائق الغابات في الجزائر؟ سؤال يقود مباشرة إلى ذاكرة القرى والمناطق الجبلية، حيث كانت قطعان الماعز جزءًا من المشهد اليومي، قبل أن تتغير أنماط العيش ويهجر كثير من السكان…

سونلغاز تكشف طريقة بسيطة لتخفيض فاتورة الكهرباء بنسبة تصل إلى 10%
حثّت الشركة الوطنية للكهرباء والغاز "سونلغاز" زبائنها على اعتماد سلوكيات بسيطة لترشيد استهلاك الكهرباء، مؤكدة أن فصل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية عن التيار بعد الانتهاء من استخدامها يمكن أن يساهم في خفض قيمة فاتورة الكهرباء بنسبة تصل إلى 10 بالمائة.

جبل الطُلبة في أعالي المرجاجو.. من هنا انطلق حملة القرآن لتحرير وهران من الاحتلال الإسباني
من أعلى قمة هضبة الهيدورة، إحدى قمم سلسلة جبل المرجاجو، تبدو وهران مدينة أخرى، تتقلص البيوت حتى تبدو كقطع صغيرة متناثرة، ويبتعد الميناء شيئًا فشيئًا، فيما يبتلع البحر خط الأفق في مشهد يدفع الزائر إلى الاعتقاد أن هذه الإطلالة هي كل ما في المكان.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تضرب 28 ولاية
حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية من تساقط أمطار رعدية غزيرة، اليوم السبت، عبر عدد من ولايات الوطن، مع استمرار الاضطرابات الجوية إلى غاية الساعات الأولى من يوم الأحد.

الدرك الوطني يكشف قائمة المركبات التي لا تدفع قسيمة السيارات
كشفت مصالح الدرك الوطني عن قائمة المركبات التي تستفيد من الإعفاء من دفع قسيمة السيارات، موضحة الحالات التي يشملها هذا الإجراء وفقًا لأحكام المادة 302 من قانون الطابع.

الأرسيدي يحذّر من "التجارب الإيديولوجية" في المدرسة الجزائرية
انتقد التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية طريقة إدارة إصلاحات المنظومة التربوية، محذرًا من تحويل المدرسة الجزائرية إلى مجال للقرارات الأحادية أو التجارب الإيديولوجية، وذلك على خلفية التطورات الأخيرة التي عرفها قطاع التربية، وآخرها القرار المؤرخ في 9 سبتمبر 2026 والمتعلق بالمواقيت والمعاملات الخاصة بمرحلة التعليم الثانوي العام والتكنولوجي.

غرامة تصل إلى مليوني سنتيم وحبس 3 أيام.. الدرك يحذّر أصحاب سيارات "سيرغاز"
حذّرت قيادة الدرك الوطني، عبر صفحة "طريقي"، أصحاب المركبات المجهزة بنظام الغاز الطبيعي المضغوط "سيرغاز" من مخالفة تتعلق بوسائل السلامة الواجب توفرها داخل السيارة.



