وزارة الثقافة تباشر جلسات تشاور.. مبادرة لربح الوقت؟

وزارة الثقافة تباشر جلسات تشاور.. مبادرة لربح الوقت؟

يوسف يحيري، كاتب الدّولة المكلّف بالصّناعة السّينمائيّة (فيسبوك/الترا جزائر)

لم يحدث منذ فجر الاستقلال الوطنيّ (1962)، أن مُنحت ثلاث حقائب وزاريّة لقطاع الثّقافة، مثلما حدث في حكومة عبد العزيز جرّاد. فقد عادت حقيبة الثّقافة لأستاذة الفلسفة والأكاديميّة مليكة بن دودة، وحقيبة الصّناعة السّنيمائيّة للممثّل يوسف سحيري، وحقيبة الإنتاج الثّقافيّ للموسيقيّ سليم دادة. وثلاثتهم كانوا حراكيّين بامتياز، ممّا جعل قبولهم بالانخراط في حكومة أثمرتها انتخابات رئاسيّة مرفوضة من طرف قوى الحراك السلمي والشّعبي، يخلق حالة عامّة من الاندهاش.

وجّهت وزارة الثقافة، دعوة للهيئات الثقافيّة للانخراط في جلسات الاستشارة، قصد التّوصّل إلى ميثاق ثقافيّ وطني

في المقابل، عبّر قطاع واسع من الفنّانين والمحسوبين على القطاع الثقافيّ عن ارتياحهم، كون الثلاثيّ الوزاريّ لم يسبق له أن تلوّث بتولّي مناصب في الفترة البوتفليقيّة، ولكونه قادمًا من الميدان انتماءً وممارسةً، بما يجعله على معرفة بالهواجس والوجوه الفاعلة التّي تؤثّث المشهد الثقافيّ الجزائريّ.

اقرأ/ي أيضًا: بتهمة "إهانة رموز الثورة.. إيداع مدير الثقافة لمسيلة الحبس المؤقت

في ظلّ هذه التطلّعات، وجّهت وزارة الثقافة، دعوة للوجوه والجمعيّات والهيئات الثقافيّة للانخراط في جلسات الاستشارة، "قصد التّوصّل إلى ميثاق ثقافيّ وطنيّ"، حيث التقى كاتب الدّولة المكلّف بالصّناعة السّينمائيّة يوسف سحيري،  بعض الوجوه والأطراف المعنيّة بهذا الملفّ، بينما فضّلت وزيرة الثقافة أن تخرج بنفسها إلى الولايات وتلتقي فنّانيها ومثقفيها.

أشاد البعض بالخطوة، لكونها ستلغي الحواجز بين النّشطاء والوصاية، وتحفّظ البعض لكونها خطوة غامضة ولا تستند إلى منطلقات واضحة، ورفض البعض الآخر لعدم الاقتناع بجدوى ذلك، ما دامت الحكومة ثمرة لانتخابات تفتقر إلى الشّرعية الكافية.

هنا، يقول النّاقد قلّولي بن ساعد، إنّ جلسات التّشاور التّي شرعت وزيرة الثقافة في إجرائها، في عدد من الولايات مع المثقفين والمدراء التّنفيذيين لقطاع الثّقافة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار الشّراكة الثقافيّة بين المثقف والمؤسّسة الثقافيّة الرّسميّة، "كخطوة تمهيديّة قبل الشّروع في التّحضير لبنود المشروع الثقافيّ الوطنيّ الذّي لم يتأسّس، منذ لحظة استعادة السّيادة الوطنيّة سنة 1962. وهو المشروع الكفيل بتحرير المشهد الثقافيّ والأدبيّ من مظهره الكرنفاليّ والمناسباتي الموجّه".

ويشرح قلّولي بن ساعد فكرته بالقول: "يجب التّعامل مع المثقف بوصفه شريكًا، وليس مجرّد منشّط أو تابع يضفي المشروعية على الخطاب الحزبيّ كي لا يزعج، ليس فقط السّلطة الفعليّة، بل أيضًا السّلطة المرئيّة بتعبير ميشيل فوكو، أو السّلطة الرّمزيّة بمفهوم بيار بورديو، التي تتشكّل من كتّاب ومثقفين تسكنهم عقيدة الإلغاء المتجذّرة في مخيالات المثقف الشّمولي، الابن البار للأب السّياسيّ الذّي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو الطغيان الميتافيزيقي، وفقًا لأطروحة نيتشة، محوّلًا إياها من المجال السّياسيّ إلى المجال الثقافيّ".

من جهتها، وفي تدوينة فيسبوكيّة قالت الصحافية آسيا شلابي، إنّ "الجلسات الوطنيّة للسّينما تحوّلت إلى مندبة، كلّ يبكي على جيبه لا على القطاع إلّا من رحم ربّي". تضيف: "ما عدا بعض التّدخلات الجادّة من منتجين ومخرجين جادّين، جاء البقيّة ليأكلوا. لا نقاشات ولا مشاريع، وحتّى النّوادي طلبت من الدّولة أن تساعدها".

فكان ردّ المخرج والمنتج يحيى مزاحم، على تدوينة آسيا شلابي: "لا يجب القول إنّ المشاركين في الجلسات جاؤوا ليأكلوا. فإذا أردنا سينما ذات مردوديّة على الدولة فتح قاعات سينما. والدّعم الجيّد بمبالغ تكفي للقيام بأفلام ذات مستوى، مع انتقاء التّقنيّين وعدم اللّجوء للمحسوبية، ووضع لجان قراءة تفقه في السيناريو، ووضع موانع أمام المنتجين المزوّرين الذّين لا علاقة لهم بالفنّ".

في سياق مقابل، قال عارض الأزياء والجامعيّ طيّب زهّار لـ "الترا جزائر"، إنّه على النّخب المختلفة في هذه المرحلة، التحلّي بروح المبادرة والاقتراح وتقديم البدائل والرّؤى والمبادرات التّي تساعد وزارة الثقافة على وضع سياسة ثقافيّة وطنيّة حقيقيّة، "لا أرى جدوى من الحديث عن شرعيّة الحكومة الآن، ولا عن نوايا الوزراء الثّلاثة، فنحن أمام أمر واقع علينا التّعامل معه بحكمة وبراغماتيّة".

هم أرادوا أن يستشيرونا، يقول طيّب زهّار، وعلينا أن نتعامل معهم بمنطق المثل الشّعبي القائل "أوصل الكاذب إلى باب بيته"، فإن رأينا لاحقًا أنّها مجرّد مناورة لربح الوقت وأخذ الشّرعيّة، بات من حقّنا القيام بخطوة في اتّجاه الانتقاد والاحتجاج والمطالبة بالجدّية، بما في ذلك المطالبة برحيلهم، على حدّ تعبيره.

بات قطاع الثقافة من بين القطاعات الخاضعة للمتابعة الشّعبية في الواقع والمواقع

بالنّظر إلى الفراغات والاختلالات والنّقائص التّي ورثها قطاع الثّقافة عن المراحل السّابقة، على الثّلاثيّ الوزاريّ أن يدرك حجم انتظارات المنتسبين إليه والمواطنين أنفسهم، فقد بات قطاع الثقافة من بين القطاعات الخاضعة للمتابعة الشّعبية في الواقع والمواقع. وهو ما يفرض عليهم جدّية خاصّة تنسجم مع قولهم، إنّهم قبلوا الالتحاق بالحكومة لإحداث حراك ثقافيّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار | مليكة بن دودة: التحرر من الحل الدستوري هو السبيل لحوار جزائري حقيقي

وزيرة الثقافة تمارس الرقابة على حسابات فيسبوكية لإطاراتها