يُتقن الأمازيغية رغم انتمائه لمنطقة غير ناطقة بها.. عصام مرحوم: اللغة جسر تعايش هوياتي بين الجزائريين
9 يناير 2026
لم يكُن الشاب عصام مرحوم، 22 سنة،يتوقّع أن تتحوّل حياته إلى رحلة في التعايش مع الآخر، ومغامرة إنسانية تتجاوز بالقلب والروح لون الدم واختلاف اللسان.
يتقن عصام عدّة لغات، من بينها العربية والفرنسية والإنجليزية، قبل أن يضيف إليها اللغة الأمازيغية، التي تعلّمها بعصامية لافتة، رغم عدم وجود أي رابط عرقي يجمعه بها.
عصام مرحوم: بدأت قصتي مع الأمازيغية في مرحلة التعليم المتوسط، حين سمعت زملاء لي يتحدثون القبائلية. أثار ذلك فيّ حبّ استكشاف لغة تمثّل مكوّنًا أصيلًا من الهوية الجزائرية إلى جانب الإسلام والعربية، وأزعجني ألّا أكون ملمًّا بها
يشرح ذلك لـ "الترا جزائر" ضاحكًا: "أمي من مسيردة بولاية تلمسان، وأبي من معسكر، وكلاهما من غرب البلاد، في البداية لم يصدّق أحد أنني أتحدث وأكتب الأمازيغية بعد تعلّم التيفيناغ، لكنني أؤمن بأن وسائل التعلّم متاحة للجميع عبر يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي، شرط توفّر الإرادة والشغف، والفلسفة التي تبرّر ما نقوم به من نشاط وحركة".
البدايات
عن البدايات الأولى لهذه التجربة الفريدة، يروي الشاب الحاصل على شهادة جامعية في المحاسبة والمالية من جامعة مستغانم، قائلًا: "بدأت قصتي مع الأمازيغية في مرحلة التعليم المتوسط، حين سمعت زملاء لي يتحدثون القبائلية. أثار ذلك فيّ حبّ استكشاف لغة تمثّل مكوّنًا أصيلًا من الهوية الجزائرية إلى جانب الإسلام والعربية، وأزعجني ألّا أكون ملمًّا بها. منذ تلك اللحظة قرّرت أن أتمثّل جميع عناصر الهوية الجزائرية في شخصي، وأن أكون الواحد المتعدد، أو المتعدد في واحد".

ظلّت الفكرة تراوده، منتظرًا اللحظة القادحة التي لم تتأخر كثيرًا، يضيف مبتسمًا: "بعد حصولي على شهادة التعليم المتوسط، كافأتني عائلتي بمنحة لإتقان اللغة الإنجليزية في ماليزيا لدى معهد خاص. خلال أحد الدروس طلبت منا الأستاذة إعداد موضوع حول اللغات المحلية القديمة، وقدّمت طالبة روسية عرضًا عن اللغة الكازاخستانية التي تعد من اللغات التركية، فقرّرت الحديث عن الأمازيغية. غير أن طالبة أخرى اعترضت بحجة أنها ليست لغة بل مجرد لهجة. كان ذلك التحدي أحد الأسباب التي نقلت رغبتي من حيّز الإمكان إلى حيّز الفعل، فباشرت بعد عودتي التقرب الأكاديمي من الأمازيغية".
تعليم ذاتي
منذ سنة 2016، شرع عصام في خوض هذه التجربة النموذجية بكثير من الإرادة والصبر، موضحًا: "بدأت بتعلّم الضمائر عبر دروس تطوعية لمؤثّرة على إنستغرام، ولتفكيك بنية اللغة الأمازيغية من حيث التذكير والتأنيث والتصغير، قرأت مؤلفات الباحث المغربي محمد شفيق، وتابعت مداخلات الباحث الجزائري الساسي عابدي.
عصام مرحوم: كنت أستمع إلى أغاني إيدير، وأتابع الشروح المرافقة لها على يوتيوب، وأدوّن الكلمات المشروحة. وبفضل التكرار والحفظ والاسترجاع، ترسّخت في ذهني مفردات تتعلّق بالطعام والحواس وغيرها
وتالع: "مكّنتني هذه الأعمال، المتاحة عبر القواميس وموقع إينوميدن، من التقدّم بسرعة، واكتساب منهجية علمية تسهّل التعلّم وتختصر الجهد، كما وفرت لي المناجد العربية الأمازيغية، منفذا للتعرف على هذه اللغة والاستئناس بمفرداتها، التي أرى أن الدارجة الجزائرية مطعمة بها، خاصة في أسماء الطوبونوميا الخاصة بالمناطق، مثل تيجديد تمزرايت بمستغانم، و حتى في أسماء النباتات و الحيوانات".
وفي مرحلة لاحقة، وسّع عصام رصيده اللغوي بعشرات المفردات المتداولة في القاموس الأمازيغي اليومي، ويصرح: "كنت أستمع إلى أغاني إيدير، وأتابع الشروح المرافقة لها على يوتيوب، وأدوّن الكلمات المشروحة. وبفضل التكرار والحفظ والاسترجاع، ترسّخت في ذهني مفردات تتعلّق بالطعام والحواس وغيرها، إضافة إلى قواعد التصريف. ولتكريس الحفظ، كنت أوظّف تلك الكلمات بإدراجها في جمل مكتوبة بالعربية أو الفرنسية. ومع مرور الوقت، صرت أُنشئ الجملة البسيطة، ولم أكن أتوقّع أن تتطوّر ملكتي اللغوية بذلك الشكل السريع والمذهل".
تأثير صوفي
لم تأتِ مشاركة عصام لتجربته الشخصية مع الآخرين علنًا إلا بعد موقفٍ مفصلي جمعه بشيخ الطريقة الصوفية العلوية، داخل مقر جنة العارف التي يتردد عليها بصفته من المحبّين. يوضح ذلك قائلًا: "احتضن المكان ذات مرة نادي الربيع، وكان موضوعه العيش المشترك. شرح لنا البروفيسور خالد بن تونس أن معنى ذكر الله قيامًا وقعودًا لا يُفهم في بعده الظاهري فقط، بل في بعده العميق؛ فـ(قيامًا) لا تعني الوقوف، بل العمل، وأن العلم الحقيقي هو الذي يخدم البشرية، وأن المؤمن الحق هو الأنفع للناس، وبأن التأمل في خلقه يعني بناء جسور تواصل بينهم لا بناء متاريس تفاصل".

كان لذلك الدرس أثر بالغ جعله يقرّر مشاركة تجربته مع الجمهور، عبر توجيه كلمة بالأمازيغية عشية الاحتفال برأس السنة الأمازيغية "ينّاير"، العام 2024، ويضيف: "نحن في مستغانم نحتفل بينّاير بوصفه ظاهرة اجتماعية متوارثة منذ أجيال، باعتباره طقسًا جزائريًا. فقررت أن أوجّه كلمة تهنئة بالأمازيغية، وفي اليوم الموالي تحولت الكلمة إلى (ترند) على وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقيت مئات التفاعلات الإيجابية، إلى جانب اتصالات من وسائل إعلام، حرّكها دافع تثمين فكرة التعايش الإيجابي باعتبارها القيمة الأساسية لقوة المجتمعات المتنوعة والمتعددة".
في زمن تتكاثر فيه الضوضاء اللغوية وتُستثمر الاختلافات وقودًا للصراع، يقدّم هؤلاء نموذجًا جزائريًا بسيطًا وعميقًا في آن: أن تكون جزائريًا يعني أن تتّسع للآخر، وأن تحيا لغاتك بوصفها جسورًا لا متاريس
ويتابع: "هذه كانت فكرتي الجوهرية الأولى؛ فتنوع المجتمعات قوة، بينما الأحادية والتعصب والإقصاء المتبادل موت بطيء للأمم. وأعتقد أن نجاحي ليس نجاحًا شخصيًا، بل نجاح قيمي، لأنني عبّرت عن جزائريتي الخالصة من خلال تعلّم لغة جزائريين آخرين، لم يكن لسانهم مكسبًا وراثيًا لي داخل مجالي اللغوي العربي. أردت أن أؤكد أن تعلّم لغة مثل الأمازيغية ليس مستحيلًا، بل ممكن شأنه شأن تعلّم أية لغة حيّة أخرى، خاصة في زمن أصبح فيه التلقين متاحًا عبر المصادر المفتوحة على الإنترنت ومنصات التعليم الإلكترونية".
تحييد صراع
وخلال تقديم أطروحته الجامعية لحيازة شهادة ليسانس في المحاسبة والمالية، باللغة الإنجليزية، قرر عصام إنجاز ملحق إحصائي يوظّف المصطلحات المحاسبية باللغة الأمازيغية، مستعينًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وبالتعاون مع المحافظة السامية للأمازيغية، بعد الاعتراف بها لغة وطنية ورسمية، وإدراجها ضمن المواد الصمّاء للدستور، بما حصّن مكوّنات الهوية الوطنية من التوظيف السياسي والإيديولوجي، وفتح أمامها آفاق النمو الأكاديمي في تجاور إيجابي مع العربية والإسلام.
عصام مرحوم: نحن في مستغانم نحتفل بينّاير بوصفه ظاهرة اجتماعية متوارثة منذ أجيال، باعتباره طقسًا جزائريًا. فقررت أن أوجّه كلمة تهنئة بالأمازيغية، وفي اليوم الموالي تحولت الكلمة إلى "ترند" على وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقيت مئات التفاعلات الإيجابية،
تُوِّج هذا المسار بتكريم الشاب المجتهد من طرف المحافظة السامية للأمازيغية ذات الطابع المؤسساتي الرئاسي، العام 2025، كنموذج حي ساهم في كسر النمطية الإيديولوجية التي تُغذّيها وسائل التواصل الاجتماعي عبر معارك لغوية تتخذ من العرق مطيّة في رحى معارك الهوية. يقول مبتسمًا: "تجربتي هي التعايش المفيد، وهي مستلهمة من القيم الصوفية والروحية التي اعتنقتها منذ ترددي على جنة العارف التابعة للزاوية العلاوية بمستغانم. هناك نلتقي بأشخاص من ولايات ومناطق متعددة، فتنشأ بيننا مودة وطنية حقيقية.

وأضاف: "بصراحة، لم أواجه في الواقع مظاهر الكراهية والتطاحن الإيديولوجي المنتشرة في الفضاء الافتراضي، بل على العكس، أُقابل بتقدير كبير من الجميع، أبان لي أن حسابات كثيرة هي في الواقع ذباب الكتروني دولي يعمل على تغذية الصراعات لأهداف متعلقة بالجيو استراتيجيا وحروب الجيل الخامس التي يحترق محركها الأساسي، بالمشكلات الثقافية وحروب الهوية ومعمعة الإثنيات".
متحدثون جدد
هذا النجاح فتح أمامه آفاق مشاريع أخرى طموحة، فيضيف: "أنوي تأسيس جمعية النيو لوكيتار (المتحدثون الجدد)، وهي مبادرة تعنى بالأشخاص الذين يتعلمون لغات محلية كانت سائدة لدى أجدادهم ثم صاروا لا يستعملونها كموروث لغوي يومي جراء انقطاع الصلة الذهنية بها، أو ما يسمى الانقراض الجزئي، لكنهم يسترجعونها عبر الوعي الهوياتي أو التعلم الفردي أو المدرسي، وينطبق هذا التعريف على لغات محلية مثل الباسكية والكتالانية والأيرلندية و الكورسيكية"
ويتابع مثمنا:" اكتشفت من خلال نشاطات فكرية وثقافية تنظمها المحافظة السامية للأمازيغية بالتعاون مع منظمات بينها اليونسكو، أنني لست وحيدًا في هذه التجربة، بل هناك رجال ونساء تعلموا الأمازيغية رغم أنها لم تكن لغتهم العائلية أو المحلية. هذه النماذج تجسّد في العمق فكرة العيش المشترك، وتُكرّس تضامنًا فعليًا قائمًا على حماية التنوع، وكسر النظرة العرقية الضيقة؛ فالعربي يتعلم الأمازيغية، والأمازيغي يتعلم العربية، وكلانا يتعلم لغات أخرى كالإنجليزية والإيطالية والفرنسية والإسبانية. فاللغات ليست منصات إيديولوجية، بل وسائل للتقارب والفهم والحوار والتبادل، لا غير والتواطؤ الإنساني الحميم".

ويستشهد عصام بأمثلة حيّة على هذا التعايش، قائلاً: "من النماذج المعبّرة التي أبهرتني، قصة صحفية تعمل بإذاعة الصومام في بجاية، عربية الأصل، تزوجت من قبائلي. المثير أن هذه الصحفية تعلّمت الأمازيغية التي تعمل بها في إذاعة تتوجه للناطقين بالأمازيغية، في حين أن زوجها القبائلي أستاذ لغة عربية يعلم أجيالا. كما التقيت بثلاث أستاذات من غرب البلاد، من ولايات عين تموشنت وتيارت وعين الدفلى، قررن منذ سنوات تعلّم الأمازيغية في معاهد جامعية، ولم يكتفين بتعلّمها فحسب، بل أصبحن يُدرّسنها بعد تخرّجهن من المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة الشيخ مبارك الميلي، وطبعا فإن هذه النماذج، تؤكد أن منسوب الوعي المتقدم في حاجة لترقية، لأنه الأصل في بناء مجتمع مواطنة متفتح يتأسس على العقل والمعرفة وحرية تبني خيارات فردية تعزز اللحمة الجماعية ومناعتها المستدامة".
النموذج والدرس
هكذا لا تبدو تجربة عصام، وفئة " الناطقون الجدد"، مجرّد مسار فردي في تعلّم لغة أخرى، بل فعل وعيٍ هادئ يعيد ترتيب معنى الهوية خارج منطق العرق والاصطفاف، حيث يؤكد مختتمًا:" أظن أن حل مشكلات الهوية هو مسألة تعليم وتنشئة اجتماعية بالأساس، فعائلتي دعمتني في مشروعي الشخصي، بل إن والدتي تمازحني في طرافة مُقابلة بين شعار نحن أمازيغ عرّبنا الإسلام وتضيف عليه نحن عرب مزّغنا عصام، فنضحك ونتسامر في ود ظريف، لا يعني أبدا نهاية التاريخ أو العالم".
اقرأ أيضًا: نور الدين جوادي |ترسيم رأس السنة الأمازيغية أسهم في نزع الفتيل الأيديولوجي
في زمن تتكاثر فيه الضوضاء اللغوية وتُستثمر الاختلافات وقودًا للصراع، يقدّم هؤلاء نموذجًا جزائريًا بسيطًا وعميقًا في آن: أن تكون جزائريًا يعني أن تتّسع للآخر، وأن تحيا لغاتك بوصفها جسورًا لا متاريس. ومن مستغانم، حيث يلتقي البحر بالذاكرة، يكتب عصام درسًا صغيرًا في التعايش، خلاصته أن اللغات لا تُفرّق حين تُحَبّ، وأن الأوطان القوية لا تُبنى بالصوت العالي، بل بالعمل، والمعرفة، والتشارك مع أخيه المواطن في التراب والدين والوطن والإنسان.

الكلمات المفتاحية

مصير الأطفال بعد الخروج من دور الرعاية بالجزائر.. أزمة قانون؟
في سنّ الثالثة؛ كان إسماعيل يبتسم ويلعب كغيره من الأطفال في دار الطفولة المسعفة بمنطقة الأبيار بأعالي الجزائر العاصمة، تمر الأيام والأشهر والسنوات ليقترب خطوة خطوة نحو الخروج من الدار، فمن 2001 إلى غاية 2017 خرج إلى هواء المدينة وأصبح شابا مثله مثل غيره من زملاء الغرفة والأقسام يواجه واقعه المخفي خلال السنوات الماضية...

تهديد الفيضانات.. هل تجاوز التوسع العمراني بالجزائر حدود التغيرات المناخية؟
أصبحت السيول والفيضانات من أبرز المخاطر الطبيعية التي تهدد العديد من المناطق في الجزائر، خاصة وأن العديد من الأحياء تشهد توسعًا عمرانيًا لتنفيذ مشاريع البناء، لكن المعادلة الصعبة بين تلبية حاجيات الآلاف من العائلات من السكن كمطلب اجتماعي ملحّ وعدم مراعاة المعطيات الجغرافية والبيئية في التخطيط العمراني، أصبحت اليوم من التحديات الحقيقة للحكومة.

هل تتجه الجزائر نحو حظر وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 سنة؟
في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتحولها إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للمراهقين، تتزايد التساؤلات حول تأثيرها النفسي والاجتماعي على هذه الفئة الحساسة.

ما هي الولايات الأولى المعنية بالحافلات المُستوردة؟
الوزير أوضح في جلسة علنية بالمجلس الشعبي الوطني أن المرحلة المقبلة ستشمل توزيع هذه الحافلات عبر أربع ولايات من شرق الوطن، ضمن خطة وطنية تستهدف معالجة الاختلالات المسجلة في قطاع النقل الجماعي.

تنصيب جهاز يقظة.. أسواق رمضان تحت المراقبة
يعمل هذا الجهاز تحت إشراف وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية وبمشاركة جميع القطاعات المعنية وأجهزة الأمن، بهدف ضمان استقرار التموين ومنع أي نقص أو خلل في التوزيع.

4 مواجهات.. أين يخوض "الخضر" مبارياتهم التحضيرية قبل المونديال؟
وبشأن الودية الثانية المرتقبة نهاية مارس/آذار المقبل، لا تزال المفاوضات مستمرة مع منتخبي كوستاريكا والبيرو، مع احتمال كبير بإجراء المقابلة في إيطاليا بحسب المصدر ذاته.

مخطط وطني استباقي لضمان وفرة المواد واستقرار الأسعار خلال رمضان 2026
كشف المدير العام لضبط وتموين السوق الوطنية وتنظيمها بوزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، أحمد مقراني، عن إطلاق مخطط وطني استباقي يهدف إلى ضمان وفرة المنتجات، لا سيما الفلاحية منها، تحسبًا لشهر رمضان 2026، بما يضمن تلبية احتياجات المواطنين دون تسجيل اضطرابات في السوق أو ارتفاعات غير مبررة في الأسعار.

